عربي ودولي
في خطوة لتعزيز جسور التواصل الثقافي والحضاري بين تونس والجمهورية الإسلامية الإيرانية، احتضن مقر المستشارية الثقافية الإيرانية ندوة فكرية رفيعة المستوى تحت عنوان "المقاومة الإسلامية في فكر الإمام الشهيد (قده)"، تخللتها تجليات شعرية أضفت أبعادا أدبية على النقاش الاستراتيجي.
المقاومة كحالة حضارية
افتتح الدكتور جعفر مرواريد، المستشار الثقافي الإيراني بتونس، الندوة بكلمة أكد فيها على أهمية هذه الحوارات في تأطير الفكر المقاوم ضمن سياقاته الإنسانية والحضارية. وأشار مرواريد إلى أن استحضار فكر "الإمام الشهيد" ليس مجرد تذكار تاريخي، بل هو استقراء لمنهجية متكاملة في مواجهة التحديات المعاصرة.
وفي تصريح خاص لموقع "العهد"، شدد الدكتور مرواريد على أن "المقاومة في هذا الفكر ليست خيارا ظرفيا، بل هي عقيدة راسخة تنبع من إيمان عميق بالعدالة والكرامة الإنسانية". وأضاف أن المستشارية تسعى من خلال هذه السلسلة من الندوات إلى خلق فضاء تفاعلي للنخب التونسية والإيرانية لتفكيك مفاهيم السيادة والمقاومة وبناء أرضية مشتركة للفهم الحضاري.
مداخلة الأستاذ عادل بلكحلة: في رحاب الفكر البنيوي
من جانبه، قدم الأستاذ الأكاديمي عادل بلكحلة مداخلة فكرية عميقة قارب فيها أبعادا فلسفية وأدبية، حيث ربط بين المرجعيات الكلاسيكية للأدبين الروسي والفرنسي وبين حداثة الفكر السياسي للإمام الشهيد.
وقد خلص بلكحلة في تحليله إلى عدة نقاط جوهرية معتبرا بأن طريقة تفكير الإمام الشهيد اتسمت بالبنيوية، حيث قدم قراءات قرآنية اجتماعية غير تقليدية تجاوزت التفسيرات النمطية.
أشاد بلكحلة بالقدرة الاستراتيجية التي تجلت في مشروع الإمام، مؤكدا على أهمية عدم حصر هذا الفكر في زوايا ضيقة، بل قراءته كمدونة فكرية شاملة.
الوفاء والمقاومة
وقد شهدت الندوة تفاعلا نوعيا من قبل الحضور، حيث ثمن الأستاذ صلاح المصري، رئيس الرابطة التونسية للتسامح، هذه المبادرة، مشيدا بالعمق التخصصي الذي ميز مداخلة الأستاذ بلكحلة. وأكد المصري في كلمته على المسار النضالي المشترك، مشيرا إلى أن الرابطة ظلت لعقود داعمة لفكر المقاومة، ومستحضرا رمزية التشييع الذي نظمته الرابطة سابقا تعبيرا عن الوفاء للمسار الذي مثله "الإمام الشهيد".
وقد شهدت الندوة حضورا نوعيا لنخبة من الأكاديميين والمثقفين والفاعلين في المجتمع المدني، الذين تفاعلوا بحيوية مع محاور النقاش. ولم تقتصر الفعالية على الجانب الأكاديمي الصرف، بل شكلت منصة للحوار المفتوح حول تحديات الهوية الثقافية في ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة. وأجمع المتدخلون على ضرورة استمرارية هذه اللقاءات العلمية لتجاوز الانطباعات السطحية وتعميق الفهم المتبادل، معتبرين أن مثل هذه المبادرات التي ترعاها المستشارية الثقافية تساهم بفعالية في تقريب وجهات النظر بين الفاعلين الثقافيين في البلدين، بما يخدم قضايا التنمية الفكرية والحوار الحضاري المنشود.
وتأتي هذه الندوة لتؤكد من جديد أن الفضاء الثقافي بين تونس وإيران يمثل جسرا فكريا يتجاوز الأطر السياسية الضيقة نحو آفاق حضارية رحبة، قوامها الحوار المتكافئ والعمق التحليلي في قضايا المقاومة والتحرر.