خاص العهد
بسّام الهاشم لـ"العهد": المقاومة هي عنصر القوة الذي فرّطت به السلطة
الهاشم: اتفاق الإطار يفتقر إلى الشرعية الدستورية
تتسع دائرة الاعتراضات على "اتفاق الإطار" الموقع بين السلطة اللبنانية وكيان الاحتلال "الإسرائيلي"، مع انتقال النقاش من البعد السياسي إلى مستويات دستورية ووطنية وأمنية، وسط تساؤلات متزايدة عن خلفيات الاتفاق ومضمونه وآليات إقراره.
في هذا السياق، أكد عضو "لقاء مستقلون لأجل لبنان" الدكتور بسّام الهاشم، في حديث لموقع العهد الإخباري، أن الاتفاق يطرح إشكاليات عميقة تتجاوز مسألة الإجراءات الدستورية، ليطال الخيارات السياسية التي اعتمدتها السلطة في إدارة هذا الملف، لأن لبنان دخل المفاوضات متخليًا عن عناصر القوة التي كانت بين يديه، ومنح الاحتلال مكاسب لم يستطع فرضها في الحرب. كما حذّر من تداعيات البنود المطروحة على السيادة الوطنية ووحدة البلاد، داعيًا إلى التمسك بالمرجعيات الدستورية والقانونية وتفادي أي مسار قد يقود إلى فتنة داخلية أو يضع الجيش في مواجهة أبناء وطنه.
الاتفاق يفتقد الشرعية الدستورية والمرجعيات الدولية تكفي
استهل الهاشم حديثه بالتأكيد أن "اتفاق الإطار" يواجه إشكاليات دستورية وقانونية واضحة، مشيرًا إلى أن أولى هذه الإشكاليات هي عدم عرضه على مجلس النواب، لأن أي اتفاق بهذا الحجم لا يمكن أن يكتسب أي صفة قانونية أو إلزامية قبل المرور بالمؤسسات الدستورية المختصة. وأضاف أن الإشكال لا يقتصر على الجانب الداخلي، يمتد أيضًا إلى الجانب السياسي والدولي أيضًا، سائلًا عن الحاجة إلى صياغة اتفاق جديد في ظل وجود مرجعيات قائمة، وفي مقدمها المبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت(2002)، إضافة إلى القرار الدولي 1701 الذي ما يزال يشكل الإطار القانوني الناظم للوضع القائم والعودة إلى هذه المرجعيات كانت كفيلة بمعالجة أي مسار تفاوضي، بدل الذهاب إلى اتفاق جديد يثير كل هذا الجدل والانقسام.
السلطة تفاوض مع أن ميزان الميدان لم يكن ضد لبنان
انتقل الهاشم إلى قراءة المشهد الإقليمي الذي سبق الاتفاق، فالوقائع العسكرية والسياسية لا تسوّغ حجم التنازلات التي تضمنتها الوثيقة ما يشير إلى أن الاحتلال "الإسرائيلي" شن حربًا واسعة على لبنان، بالتوازي مع العدوان الأميركي و"الإسرائيلي" على إيران، بهدف إحداث تغيير استراتيجي في المنطقة، إلا أن هذه الأهداف لم تتحقق. وأضاف أن الحرب على إيران لم تؤد إلى إسقاط النظام أو تحقيق الأهداف المعلنة، كما أن الاحتلال "الإسرائيلي"، مع تفوقه العسكري والتكنولوجي والجوي والدعم الأميركي الواسع، لم يتمكن من تحقيق إنجاز حاسم في لبنان، ولم ينجح في كسر المقاومة أو فرض وقائع ميدانية جديدة. الدليل على ذلك هو عدم قدرة الاحتلال على إعادة المستوطنين إلى مستوطنات الشمال بصورة طبيعية، ما يعني أن المقاومة بقيت عنصرًا فاعلًا في معادلة الردع، بحسب رأيه.
لماذا قدمت السلطة هذه التنازلات كلها؟
سأل الهاشم عن الأسباب التي دفعت السلطة اللبنانية إلى توقيع اتفاق يمنح الاحتلال معظم ما كان يسعى إليه، في وقت لم يكن لبنان في موقع الهزيمة العسكرية أو السياسية. وقال إن السلطة كان يفترض بها أن تستثمر عناصر القوة التي يمتلكها لبنان لتحسين موقعه التفاوضي، لا أن تتعامل مع الاتفاق على أنه وثيقة استسلام سياسي؛ فضلًا عن أن الحفاظ على الوحدة الوطنية والإفادة من قدرة المقاومة على ردع الاحتلال كانا يشكلان عنصرين أساسيين يمكن البناء عليهما، إلا أن ما حصل جاء بخلاف هذا الاتجاه تمامًا.
الاتفاق يمنح الاحتلال صلاحيات غير مسبوقة
كما انتقد الهاشم البنود التي تحدثت عن ما يسمى "المناطق الاختبارية"، فهي تمنح الاحتلال عمليًا سلطة الإشراف على تقييم أداء الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، ويمنحه حق تقييم نجاح الجيش في تنفيذ التزاماته. كما يمنحه سلطة الحكم على مدى فعالية الإجراءات اللبنانية، وهو ما يعد مساسًا مباشرًا بالسيادة الوطنية، فمنح الاحتلال مثل هذه الصلاحيات يشكل سابقة خطيرة، لأنه يحول الطرف المعتدي إلى جهة تقرر مصير تنفيذ الاتفاق وآلياته.
أين ذهبت عناصر القوة التي امتلكها لبنان؟
في سياق متصل، رأى الهاشم أن التطورات الإقليمية، لا سيما المفاوضات التي تلت العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفرت للبنان عناصر قوة إضافية، كان يمكن استثمارها سياسيًا. إذ حققت طهران إنجازًا استراتيجيًا انعكس إيجابًا على لبنان، وكان يفترض بالسلطة اللبنانية أن تستفيد منه لتعزيز موقعها، بدل الذهاب إلى تقديم تنازلات مجانية؛ لأن الحديث المتكرر عن أن "القرار للبنان" يتناقض والذهاب إلى مفاوضات جرت تحت الرعاية الأميركية، ووفقًا لنصوص أُعدت مسبقًا لم يكن للبنان دور فعلي في صياغتها.
الاتفاق بلا قيمة قبل إقراره دستوريًا
أكد الهاشم أن أي اتفاق لا يمر بمجلسي الوزراء والنواب يبقى فاقدًا لأي قيمة قانونية، والمؤسسات الدستورية وحدها تمتلك صلاحية إقرار الاتفاقيات الدولية، وبالتالي فإن أي تفاهم يبقى مجرد نص سياسي ما لم يحصل على الموافقات الدستورية اللازمة ما يستبعد قدرة السلطة على تأمين أكثرية نيابية تؤيد هذا الاتفاق، في ظل مواقف عدد كبير من القوى السياسية الرافضة له.
ضغوط خارجية وراء مسار السلطة
كما شدد الهاشم على أن ما يجري لا يمكن فصله عن الضغوط الخارجية التي مورست على لبنان، خلال المرحلة الماضية، والدعم الأميركي وبعض الدعم العربي الذي رافق تشكيل السلطة الجديدة، قد يكون ترافق مع التزامات سياسية مسبقة. وهذا الاحتمال يفسر، من وجهة نظره، إصرار السلطة على السير في هذا المسار رغم التحولات الميدانية نتيجة التطورات التي شهدتها المنطقة، والتي كانت تستوجب إعادة تقييم الموقف، لا المضي في اتفاق يمنح الاحتلال امتيازات إضافية.
التحذير من جر الجيش إلى مواجهة داخلية
من أخطر النقاط التي توقف عندها الهاشم هي الحديث عن احتمال تكليف الجيش اللبناني مواجهة المقاومة؛ تنفيذًا لبعض بنود الاتفاق. مثل هذا السيناريو يشكل مغامرة بالغة الخطورة، لأنه يهدد وحدة المؤسسة العسكرية ويفتح الباب أمام انقسامات داخلية لا يمكن السيطرة عليها. وأضاف أن كل من يعرف طبيعة المجتمع اللبناني وحساسية التوازنات الداخلية يدرك أن أي محاولة لوضع الجيش في مواجهة مع المقاومة قد تقود إلى نتائج كارثية؛ فضلًا عن أنه خدمة للعدو الصهيوني. العديد من المحللين "الإسرائيليين" أنفسهم تحدثوا عن احتمال أن يؤدي هذا المسار إلى إشعال فتنة داخلية، سائلًا كيف يمكن للسلطة أن تتجاهل هذه التحذيرات؟
المقاومة تتصرف بمسؤولية لمنع الفتنة
كذلك أشاد الهاشم بالأداء المسؤول للقوى الرافضة للاتفاق، وفي مقدمتها المقاومة. وقال إن هذه القوى، رغم حجم الاستفزازات، تتعامل بدرجة عالية من ضبط النفس، وتسعى إلى منع انزلاق البلاد نحو الفتنة الداخلية، إدراكًا منها لخطورة أي صدام داخلي على مستقبل لبنان؛ ما يعكس حرصًا على حماية الاستقرار الوطني وعدم منح الاحتلال فرصة لتحقيق أهدافه عبر الداخل اللبناني.
دعوة إلى اليقظة ورفض الفتنة
وجّه الهاشم رسالة إلى اللبنانيين دعاهم فيها إلى التمسك بالوحدة الوطنية ورفض كل ما يمكن أن يقود إلى الفتنة. وأكد أن الاعتراض على الاتفاق يجب أن يبقى في الإطار السياسي والدستوري، بعيدًا عن أي انزلاق داخلي، مشددًا على أن المطلوب اليوم هو مناقشة مضمون الاتفاق وسلوك السلطة بوعي ومسؤولية، وليس الانجرار إلى الانقسامات التي قد يستفيد منها الاحتلال.
وختم عضو "لقاء مستقلون لأجل لبنان" حديثه لموقعنا بالتأكيد أن غالبية اللبنانيين يرفضون خيار الاستسلام أو التنازل عن عناصر القوة الوطنية، داعيًا إلى حماية لبنان من أي مسار قد يهدّد استقراره ووحدته الداخلية.