اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي إيران الخامنئي: لبنان في الشارع أكثر من أيّ وقت مضى

مقالات مختارة

 حربٌ داخل الحرب: «هرمز» عنواناً للحسم
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

 حربٌ داخل الحرب: «هرمز» عنواناً للحسم

48

يحيى دبوق- صحيفة "الأخبار"

تدخل المواجهة الأميركية - الإيرانية مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما تحوّل مضيق هرمز إلى مركز الصراع ومحوره الرئيسي، في معركة استنزاف تتجاوز البعد العسكري إلى رهانات النفوذ والاقتصاد وصناعة توازنات ما بعد الحرب.

تستعصي المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران على التصنيف التقليدي للحروب؛ إذ لا تدور رحاها بحثاً عن حسم عسكري قاطع، بل تتمدّد عبر جبهتَين متداخلَتين تحكمان مسارها: السيطرة الرمزية على مضيق هرمز، وصورة الانتصار التي يسعى كلّ طرف لانتزاعها من خصمه، رغم عناده وصلابته. وفي هذا السياق، تحوّل المضيق، في خلال الأسابيع الماضية، من ممرّ ملاحي تَحكمه نتائج الحرب، إلى ساحة حرب قائمة بذاتها، حيث الحسم هو المعيار الذي يحدّد مكاسب المواجهة الأمّ وخسائرها، وكذلك موازين القوة الإقليمية، بل ويمتدّ أثره ليشمل الميزان الدولي بأكمله.

هكذا، يسعى النظام الإيراني إلى جعْل «هرمز» أصلاً اقتصادياً دائماً ومنصّة ضغط استراتيجية، لا توجَّه إلى دول الخليج وحدها، بل إلى الاقتصاد العالمي بأسره، وهو ما يجعل السيطرة الفعلية أو شبه الفعلية عليه ورقة قوة وضغط، يمكن طهران تحريكها كلّما اقتضت الحاجة، بمعزل عن أيّ تسوية سياسية مُرتقبة. وفي المقابل، ترفض الولايات المتحدة أن تترك لإيران مجالاً لانتصار تستطيع التمسك به، خصوصاً أن الأخيرة لم تكتفِ بالصمود عسكرياً في مواجهة قوة عظمى فحسب، بل خرجت من المواجهة التي أُريد عبرها إخضاعها، مكتسبةً الهيمنة على منفذ استراتيجي ذي بعد عالمي.

وهنا، تكمن المفارقة؛ فالضربة التي صُمّمت لإخضاع إيران انتهت، من الناحية العملية، إلى تعزيز إحدى أهمّ أوراقها الاستراتيجية، وهو ما يفتح الباب أمام حرب من نوع آخر تتمثّل في الردّ الأميركي على تعزُّز الموقف الإيراني. إلّا أن هذا الردّ يشير إلى الفشل في قراءة طبيعة المواجهة الحالية؛ إذ تستمرّ الولايات المتحدة في معالجة الأوضاع بأدوات تقليدية، في حين باتت حاجتها ملحّة إلى أدوات استنزاف مضادّة، قادرة على لجم الإيرانيين، الذين يبدون مستعدّين، في المقابل، لدفع أثمان المواجهة الاستنزافية، وجني مكاسب استراتيجية منها.

وبقدر ما تَحكم المصالح الاستراتيجية مسار هذه المواجهة بين الطرفَين، يَحكمها البعد الداخلي أيضاً، وهو ما يزيد الوضع تعقيداً، إذ يستثمر النظام الإيراني السيطرة على المضيق في ترسيخ شرعيته الداخلية وتصدير صورة القوة وترجمتها إقليمياً، في حين ترى الإدارة الأميركية أن مصير «هرمز» يتّصل بمصالح أميركا الدولة و«الإمبراطورية» ونفوذها الإقليمي والدولي. ويفسّر هذا التشابك امتناع كلا الطرفَين عن تقديم تنازلات واضحة في هذه المرحلة، حتى لو كانت المواجهة ستكلّف الجميع، وحتى لو بات الاستنزاف خياراً إجبارياً لا تكتيكياً.

وفي هذا الإطار، يكشف استمرار إيران في استهداف السفن التي لا ترتبط بتجارتها، مع استغلالها رفع الحظر الجزئي عن ناقلاتها، عن توظيف مدروس لمضيق هرمز بصفته ورقة ضغط قابلة للتصعيد والتهدئة، بحسب مقتضيات اللحظة.

وعليه، يُرجَّح أن يطول أمد المواجهة البحرية بينها وبين الولايات المتحدة، إلى أن يستقرّ أحد الطرفَين، أو كلاهما، على رغبة تسووية ما، تُقدَّم بموجبها تنازلات لا تَظهر بوصفها تراجعاً، وهو ما لا يُعدّ يسيراً. ولا يلغي ذلك إمكانية الارتقاء بالتصعيد كلّما شعر أحد الطرفَين بأن الآخر بدأ يتعايش مع الوضع الجديد، وتحديداً التعايش الإيراني مع نتائج الاستنزاف، الذي لا تحتمله الولايات المتحدة كون الوقت يضغط عليها أكثر ممّا يضغط على إيران، ويوجب عليها بالتالي أن تُحرِز تقدّماً قبل حلول استحقاقاتها الداخلية.

وعليه، ليس السؤال الآن ما إذا كانت المواجهة ستتحوّل إلى حرب شاملة - وهذه نتيجة قد يراها البعض حتمية في حال لم يتراجع أيّ من الطرفين عن موقفه -، بل هو متّصل بالعتبة التي قد تدفع أحدهما إلى كسر حالة «الاستنزاف المحسوب»، ليس في اتجاه الحرب، بل في اتجاه التراجع عن حافتها، والعودة إلى المسار التفاوضي.

الكلمات المفتاحية
مشاركة