اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي  جيش الاحتلال يرفع سقف مطالبه عبر جبهة لبنان: نقص في العديد والآليات

مقالات مختارة

إيران الخامنئي: لبنان في الشارع أكثر من أيّ وقت مضى
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

إيران الخامنئي: لبنان في الشارع أكثر من أيّ وقت مضى

40

ميسم رزق- صحيفة "الأخبار"

 كان يُفترض أن يكون المشهد إيرانياً خالصاً. خرج الملايين لتشييع الشهيد السيد علي خامنئي، يحملون حزنهم وأسئلتهم وغضبهم، ويودّعون رجلاً اختصر، لعقود، مرحلة كاملة من تاريخ الجمهورية الإسلامية. لكن، بين الأعلام السُّود والحُمر، وبحر البشر الذي غصّت به الشوارع، كان ثمّة بلد آخر يحضر بإلحاح غير مُتوقّع... إنه لبنان.

لم يكن حضور لبنان بروتوكولياً، ولا تجسّد بوفد رسمي أو بزوار قدموا للمشاركة في التشييع، بل كان حاضراً في الشارع نفسه. على قطعة كرتون كُتبت بالإنكليزية كلمة Revenge، وتحتها بالعربية: «إيران لن تترك لبنان». وفي مكان آخر، رفعت امرأة إيرانية لافتة تهاجم مسار التفاوض وتطالب بالعودة إلى الحرب، معتبرة أن الحرب على لبنان لم تنتهِ أصلاً. وبين هذه اللافتات وتلك، كان اسم لبنان يتكرّر في الأحاديث والهُتافات، كأن جبهة تبعد مئات الكيلومترات انتقلت فجأة إلى قلب طهران. ولم يكن ذلك مجرّد تفصيل في جنازة استثنائية، بل رسالة سياسية وشعبية لافتة.

ولم يأتِ هذا الحضور من فراغ. ففي تفاصيل المشهد، بدا واضحاً أن لبنان الذي كان حاضراً في أذهان الإيرانيين ليس لبنان العناوين العامة، بل لبنان ما بعد وقف إطلاق النار تحديداً؛ البلد الذي واصلت إسرائيل استهدافه بالغارات والاغتيالات، فيما بقي الاتفاق عاجزاً عن وقف القتل. كانت أرقام الاعتداءات، وأعداد الشهداء الذين سقطوا منذ إعلان وقف إطلاق النار، حاضرة في النقاشات والفعّاليات التي خُصّص بعضها للبنان، وكأن ثمّة من يتابع، من طهران، العدوان يوماً بيوم، لا باعتباره سلسلة خروق لاتفاق، بل استمراراً لحرب لم تتوقّف فعلياً.

وفي موازاة مراسم التشييع، برزت تحرّكات وفعّاليات أعادت لبنان إلى واجهة المشهد. لم يقتصر الأمر على لافتة فردية أو هتاف عابر، بل عكس مزاجاً عاماً أمكن التقاطه في أكثر من مكان. كانت الأسئلة تدور حول الجنوب، واستمرار الغارات، والشهداء الذين يواصلون السقوط رغم اتفاق قيل إنه أوقف الحرب، وعن السبب الذي يجعل اليد الإسرائيلية لا تزال طليقة في لبنان. وكان السؤال الأكثر حضوراً يتردّد بصيغ مختلفة: إذا كان وقف إطلاق النار لم يوقف القتل، فما جدوى استمرار التفاوض؟

وهكذا، تحوّلت الأرقام نفسها إلى مادة سياسية. فكل غارة جديدة كانت تُقرأ دليلاً إضافياً على أن الحرب لم تنتهِ، وكل شهيد يسقط بعد إعلان وقف إطلاق النار كان يعيد فتح النقاش حول حدود الصبر وجدوى الانتظار. لذلك، لم تكن الدعوات إلى العودة إلى الحرب مجرّد انفعال وُلد في لحظة التشييع، ولا مجرّد غضب عاطفي على فقد قائد، بل جاءت أيضاً نتيجة تراكم طويل من صور القصف والاغتيالات وأخبار الجنوب، ومن شعور متنامٍ بأن لبنان دفع ثمن التهدئة من دمائه، من دون أن يحصل على التهدئة نفسها.

لهذا السبب أيضاً، تمّ تخصيص لبنان بمساحات داخل المشهد الأوسع: لقاءات، تحرّكات، أحاديث وفعّاليات تستعيد جبهته وتضعها في صلب السؤال عن المرحلة المقبلة. لم يكن المطلوب، بالنسبة إلى كثيرين، مجرّد التضامن مع لبنان، بل الإجابة عن سؤال أكثر إلحاحاً. ماذا بعد؟ ماذا يعني أن تستمر الاعتداءات فيما يبقى الرد مُعلّقاً، وأي معنى لوحدة الساحات إذا بقيت إحدى هذه الساحات تنزف وحدها؟

هكذا، لم يكن لبنان حاضراً في طهران بوصفه ذكرى من حرب مضت، بل بوصفه حرباً لم تنتهِ بعد. كانت الغارات التي لم تتوقف، والشهداء الذين يسقطون، والقرى التي بقيت تحت التهديد، كلها حاضرة خلف تلك اللافتات والهُتافات. وما بدا، للوهلة الأولى، أنه مجرّد تعاطف مع بلد بعيد، كان في عمقه اعتراضاً على واقع كامل: لا يمكن أن يُترك لبنان تحت النار، فيما يُطلب منه ومن أهله أن يتصرّفوا كما لو أن الحرب انتهت.

سردية مُضادّة

لسنوات طويلة مضت، صُنعت سردية كاملة عن الإيرانيين ولبنان. جرى الحديث عن أن الشارع الإيراني ضاق بما يُنفِق خارج الحدود، وأنه يرى في دعم المقاومة اللبنانية عبئاً عليه، وأن المسافة بين المزاج الشعبي الإيراني وخيارات القيادة في المنطقة تتّسع. وكانت لهذه السردية شواهدها في مراحل سابقة، خصوصاً في تظاهرات احتجاجية، كانت تطالب بوقف توفير الدعم المالي لحزب الله وحماس، وإنفاق الأموال داخل إيران. لكنّ ثمّة شيئاً جوهرياً تبدّل، والمسألة لا تتعلّق بمزاج أو لحظة تضامن، بل ما ظهر في شوارع التشييع، كان يقول إن شيئاً عميقاً قد تبدّل. حتى وصل الأمر إلى حدّ أن الناس عدلوا من وجهة سؤالهم. فمن كان يسأل في الأمس: لماذا لبنان؟، صار يسأل اليوم: أين نحن من لبنان؟

الحرب التي اعتقد كثيرون أنها ستفصل الساحات، أعادت وصلها في الوعي الشعبي، لا على المستوى الرسمي أو القيادي فقط. والاعتداءات المتواصلة على لبنان لم تعد، بالنسبة إلى قطاعات واسعة ظهرت في الشارع الإيراني، خبراً يأتي من بلد بعيد، بل صارت جزءاً من معركة يرون أنفسهم فيها. بدا كأنّ الدم الذي سال في لبنان صنع قرباً جديداً، أكثر عطفاً وأقل خضوعاً للحسابات الرسمية.

وهنا تحديداً تكمن المفاجأة السياسية: في لحظة بدا فيها أن القيادة الإيرانية تميل إلى الحسابات الأكثر حذراً، كان الشارع أكثر اندفاعاً منها نحو لبنان. كأنّ الناس سبقوا القرار السياسي، ورفعوا سقفهم قبل أن ترفعه الدولة. لم تكن النقمة موجّهة إلى العدو وحده، بل ظهرت أيضاً في الغضب من المفاوضين ومن فكرة أن تستمر الاعتداءات فيما السياسة تبحث عن مخارج وتسويات.

أن تكون لبنانياً

اللبنانيون الذين حضروا التشييع، كانت لهم حصتهم الخاصة من المشهد. يكفي أن يعرف الإيرانيون أن مَن أمامهم هو لبناني حتى تتغيّر ملامح اللقاء. عناق، أسئلة، اهتمام زائد، وكلمات شكر تتكرّر بعفوية: شكراً للبنان، شكراً لصمودكم، شكراً لأنّكم قاتلتم ودافعتم. لم يكن اللبناني هناك يشعر بأنه غريب جاء ليشارك في مناسبة إيرانية. كان يُستقبل، في كثير من الأحيان، كأنه قادم من جبهة يعرف هؤلاء الناس أخبارها وأثمانها وأسماء شهدائها.

وفي المدينة، كان اسم آخر حاضراً في كل مكان: السيد حسن نصرالله. على الجدران، في الصور، بين الرايات، وفي الذاكرة الشعبية. حتى في زاوية قديمة، داخل قوس حجري أكل الزمن بعض جدرانه، تظهر صورته كأنها جزء من المكان. ليست صورة زعيم لبناني عابر للحدود، بل صورة رجل دخل الوجدان الإيراني وصار، بالنسبة إلى كثيرين، واحداً من رموزهم هم أيضاً. ربّما لهذا بدا لبنان في طهران أكبر من مساحته بكثير.

في أيام التشييع، لم يكن لبنان «ساحة نفوذ» كما تحب اللغة السياسية الباردة أن تصفه، ولم يكن مجرّد بند في استراتيجية إقليمية أو ورقة على طاولة تفاوض. كان شيئاً أكثر تعقيداً: ذاكرة دم، وجدان مشترك، جبهة يشعر كثيرون أن هزيمتها ستصل إليهم، وأن صمودها يعنيهم مباشرة.

ومن قلب تشييع كان يُفترض أن ينشغل الإيرانيون فيه بفقدهم ومستقبل بلادهم، خرج لبنان حاضراً على اللافتات والألسنة وفي العناق. وربما كانت تلك واحدة من أكثر المفارقات دلالة: بينما كان البعض، خارج إيران، يشرح للإيرانيين أنهم تعبوا من لبنان، كان الإيرانيون أنفسهم، في الشارع، يهتفون له. وبين ملايين المشيّعين، صار الشعار المرتفع بصوت أكثر غضباً: لماذا نترك لبنان يُضرَب وحيداً؟

الكلمات المفتاحية
مشاركة