اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي تيمور جنبلاط: لإعادة النظر بـ "اتفاق الإطار" لأنه لا يضمن انسحابًا "إسرائيليًا" كاملا

خاص العهد

من قلب الركام..
🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

من قلب الركام.. "مبادرة حياة" تعيد الأمل إلى شوارع فرون

99


رغم الدمار الهائل الذي خلّفه العدوان الصهيوني في القرى الجنوبية، لم يستطع الاحتلال أن ينتزع من أبناء الجنوب إيمانهم بالحياة ولا تمسكهم بأرضهم. 

في بلدة فرون، حيث ما تزال آثار العدوان ماثلة في المنازل والشوارع والمؤسسات، خرجت مبادرة استثنائية من مجموعة أطفال حملت اسم "مبادرة حياة"، لتؤكد أن إعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت والحجارة فحسب، بل بإرادة الإنسان الذي يرفض الاستسلام.

فقد قرر الأطفال إنشاء مطعم صغير يعود ريعه لبلدية فرون، في خطوة هدفت إلى إعادة نبض الحياة إلى البلدة وتشجيع الأهالي وأصحاب المحال على العودة وفتح مؤسساتهم من جديد.

وفي حديثه لموقع العهد الإخباري، يروي عباس بزي، والد أصحاب المبادرة في بلدة فرون الجنوبية، كيف وُلدت الفكرة من الأطفال أنفسهم، ولماذا تحولت إلى رسالة صمود تعكس روح الجنوب الذي اعتاد أن ينهض بعد كل عدوان، مؤكدًا أن الاحتلال، رغم ما ألحقه من دمار، عجز عن كسر إرادة أبناء الأرض أو اقتلاعهم من قراهم.

وأكد عباس بزي، أن المبادرة التي أطلقها عدد من أطفال البلدة لم تكن ثمرة توجيه من أي جهة أو مؤسسة، بل جاءت بشكل عفوي من الأطفال أنفسهم الذين رفضوا الاستسلام لمشهد الدمار الذي خلفه العدوان "الإسرائيلي"، وأرادوا أن يثبتوا أن إرادة الحياة لدى أبناء الجنوب أقوى من كل محاولات الاحتلال لتهجيرهم وكسر صمودهم.

وقال بزي، إن "فكرة المبادرة انطلقت من نجله مهدي الذي طرحها على أصدقائه، قبل أن يجتمعوا جميعًا ويقرروا القيام بخطوة عملية تعيد شيئًا من الحياة إلى بلدتهم"، موضحًا أن الأطفال شعروا منذ اللحظة الأولى أن عليهم تحمل جزء من المسؤولية تجاه قريتهم، وأن انتظار الآخرين لن يغيّر الواقع.

وأضاف أن الأطفال كانوا يشاهدون يوميًا حجم الدمار الذي أصاب فرون، ويرون أن البلدة تكاد تخلو من أبسط مقومات الحياة، فلا متجر مفتوح، ولا مكان يستطيع الأهالي الحصول منه حتى على زجاجة مياه، الأمر الذي كان يضطر السكان والعاملين في ترميم منازلهم إلى الانتقال إلى البلدات المجاورة لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

وأشار إلى أن أبناء البلدة الصغار لم يكتفوا بالتعبير عن حزنهم لما آلت إليه قريتهم، بل بدؤوا يبحثون عن وسيلة عملية تساعد الناس وتخفف عنهم أعباء العودة، فكانت فكرة إنشاء مطعم صغير يقدم السندويشات، بما يوفر على الأهالي الوقت وكلفة التنقل والمحروقات، ويشجع في الوقت نفسه أصحاب المحال التجارية على إعادة فتح مؤسساتهم وعدم انتظار المبادرات الخارجية أو تبدل الظروف.

وأوضح بزي أن الأطفال كانوا يدركون أن مشروعهم لن يغيّر الواقع الاقتصادي بصورة كاملة، لكنه سيحمل رسالة معنوية كبيرة، مفادها أن إعادة إعمار الجنوب تبدأ بخطوة، وأن المبادرة الفردية قادرة على تحريك المجتمع بأكمله، لافتًا إلى أنهم أرادوا أن يقدموا نموذجًا يشجع الآخرين على المبادرة وعدم الاستسلام.

ولفت إلى أنه سأل الأطفال عن الأسباب التي دفعتهم إلى هذه الخطوة، فكانت إجاباتهم تحمل وعيًا يفوق أعمارهم، إذ أكدوا أنهم يريدون توفير الوقت على الأهالي، وتخفيف كلفة التنقل إلى القرى المجاورة، وبيع المنتجات بالسعر نفسه المتداول دون استغلال، على أن يخصص كامل الربح لدعم بلدية فرون.

وأضاف أن الأطفال رأوا في البلدية الجهة التي تتحمل مسؤولية كبيرة في مرحلة استقبال العائدين والعمل على تأمين احتياجاتهم، ولذلك قرروا أن يكون ريع المشروع إسهامًا متواضعًا منهم في دعم جهودها، مؤكدين أن قيمة المبلغ ليست هي الأساس، بل ثقافة المشاركة وتحمل المسؤولية.

وأشار إلى أن إحدى العبارات التي قالها الأطفال لخصت فلسفة المبادرة بالكامل، عندما أكدوا: "نحن صغار، ولذلك نقدم مبلغًا صغيرًا، أما الكبار فعليهم أن يقدموا ما هو أكبر، وبهذه الطريقة يبني الجميع البلد".

وشدد بزي على أن هذه الكلمات تعكس حجم الوعي الذي ولدته الحرب والعدوان لدى أبناء الجنوب الذين تعلموا منذ طفولتهم أن حماية الأرض لا تكون فقط في ميادين المواجهة، بل أيضًا بالتمسك بالقرى وإعادة إعمارها وإحياء الحركة الاقتصادية فيها.

وأكد أن ما جرى في فرون ليس حالة استثنائية، بل هو امتداد لثقافة راسخة لدى أبناء الجنوب الذين اعتادوا النهوض بعد كل عدوان "إسرائيلي"، موضحًا أن الاحتلال دمّر المنازل والمؤسسات والبنى التحتية، لكنه فشل في كسر إرادة الناس أو دفعهم إلى التخلي عن أرضهم.

وقال بزي إن "مشهد الأطفال وهم يعملون داخل المطعم المؤقت، ويستقبلون أبناء البلدة والعاملين في ترميم المنازل، يحمل رسالة واضحة بأن الجيل الجديد ورث عن آبائه وأجداده ثقافة الصمود والتشبث بالأرض، وأن الاحتلال مهما بلغت جرائمه لن ينجح في تحويل القرى الجنوبية إلى مناطق مهجورة".

وأوضح أن الأطفال كانوا أيضًا يشعرون بغياب الدولة عن المشهد، إذ لاحظوا أن المساعدات الرسمية لم تكن بالمستوى المطلوب، وأن الأهالي يعتمدون بصورة كبيرة على إمكاناتهم الذاتية وبعض الجهات الداعمة، ولذلك توصلوا إلى قناعة بأن عليهم أن يبدؤوا من أنفسهم بدل انتظار الحلول.

وأضاف أن هذه القناعة دفعتهم إلى إطلاق مشروعهم بإمكانات متواضعة جدًا، بعيدًا عن أي تمويل أو رعاية، في رسالة تؤكد أن أبناء الجنوب اعتادوا الاعتماد على أنفسهم في أصعب الظروف، وأن ثقافة المبادرة والعمل التطوعي أصبحت جزءًا من هوية المجتمع الجنوبي.

وكشف بزي أن عدد الأطفال الذين شاركوا في إطلاق المبادرة بلغ سبعة، وجميعهم من أبناء الحي الأقل تضررًا في البلدة، حيث اجتمعوا ووزعوا المهام بينهم، وبدؤوا بتنفيذ المشروع بكل حماس وإصرار.

وختم عباس بزي حديثه بالتأكيد، أن ما فعله أطفال فرون يجسد حقيقة الجنوب المقاوم الذي كلما حاول الاحتلال تدميره عاد أبناؤه ليبنوه من جديد. وقال إن صمود الجنوبيين لم يكن يومًا مجرد شعار، بل هو نهج حياة متجذر في نفوسهم، يتوارثه الأبناء عن الآباء، ولذلك فإن الاحتلال، مهما بلغت جرائمه، لن ينجح في اقتلاعهم من أرضهم أو كسر إرادتهم، لأنهم يعتبرون البقاء في قراهم وإعادة إعمارها شكلًا من أشكال المقاومة والانتصار على العدوان.

بدوره، رئيس بلدية فرون حسن عادل بزي في حديث لموقع العهد ثمّن مبادرة الأطفال، مؤكدًا أنها تعكس وعي وانتماء الأطفال للبلدة رغم صغر سنهم، وتشكل رسالة أمل وصمود في مواجهة آثار العدوان "الإسرائيلي".

وأشار إلى أن البلدية تقدر هذه المبادرة الإنسانية التي قام بها الأطفال والتي تجسد روح التكافل والتعاون التي لطالما تميز بها أبناء الجنوب، وتؤكد أن إرادة الحياة تنبع أولًا من أهل الأرض أنفسهم.

الكلمات المفتاحية
مشاركة