اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حملة أنصار القدس في رحاب كربلاء والنجف.. رفضٌ لمسارات التطبيع وبيع القضية الفلسطينية

خاص العهد

بين آخر موجة وصوتٍ أراد الوصول إلى غزة... حكاية مشاركة بأسطول الصمود 
🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

بين آخر موجة وصوتٍ أراد الوصول إلى غزة... حكاية مشاركة بأسطول الصمود 

64

لم يكن "أسطول الصمود" مجرد رحلة بحرية باتجاه غزة، بل كان رحلة في معنى الإنسان حين يختار أن يقف إلى جانب المظلوم، وأن يحوّل تضامنه إلى فعل. بين أمواج البحر المتوسط، وحين كانت السفن تقترب من شواطئ مدينة محاصرة منذ سنوات، كانت لينا الطبال تحمل معها أكثر من رسالة؛ تحمل صوتًا لمن لا يصل صوته، وشهادة لمن يُراد تغييب معاناته، وإيمانًا بأن التضامن الحقيقي لا يُقاس بالكلمات، بل بالمواقف التي يدفع الإنسان ثمنها.

كانت تعلم أن رحلة "أسطول الصمود" قد لا تصل إلى ميناء غزة، وأن الطريق قد ينتهي بالاعتراض والاعتقال، لكنها كانت ترى أن هناك معارك لا تُخاض بالسلاح، بل بالحق والقانون والشهادة. فمن لحظات التحضير والانطلاق، إلى الترقب في عرض البحر، ثم الاعتراض والاحتجاز، تحولت مشاركتها في الأسطول إلى حكاية إنسانية عن الإصرار في مواجهة الخوف، وعن الحرية التي لا تُسجن خلف القضبان.

في هذه الشهادة، تروي الناشطة والأستاذة في القانون الدولي لينا الطبال لموقع "العهد" الإخباري تفاصيل رحلة "أسطول الصمود"؛ رحلة أرادت أن تكسر جدار الصمت حول حصار غزة، وأن تؤكد أن البحر يمكن أن يكون جسرًا بين الشعوب لا وسيلة لعزلها، وأن كلمة الحق قد تجد طريقها حتى من خلف أسوار السجن.

"بالنسبة إليّ، فلسطين ليست مجرد قضية شعب أو أرض، بل هي قضية الإنسان في جوهرها. إنها المعيار الحقيقي الذي تُختبر به صدقية القيم التي يرفعها العالم، من عدالة، وحقوق إنسان، وحرية للشعوب"، تقول الطبال، مضيفة: "فإذا خذلت الإنسانية فلسطين، فإنها تخذل جزءًا من ضميرها، ويسقط معها جزء من إنسانيتنا جميعًا".

وتتابع: "شاركت في أسطول الصمود؛ لأنني أردت أن أبعث برسالة واضحة إلى أهل غزة: أنكم لستم وحدكم، وأن هناك من لا يزال يؤمن بأن التضامن لا يُقاس بما يُكتب على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بما يُترجم إلى مواقف وخطوات وأفعال، حتى وإن كانت كلفتها باهظة"، مردفة: "أردت أن أحمل رسالة مفادها أن البحر الذي يُستخدم اليوم لمحاصرة غزة يجب أن يتحول إلى جسر يربط بين الشعوب، لا إلى جدار يعزلها عن العالم، كنت أعلم أن هذه الرحلة قد تنتهي بالاعتقال، وربما بما هو أسوأ، لكنني كنت مقتنعة بأن الدفاع عن الكرامة الإنسانية يستحق أن نتحمل ثمنه، وأن الصمت أمام الظلم أثقل كلفة من أي تضحية".

وتبيّن لـ "العهد": "ذهبت أيضًا بوصفي امرأة لبنانية تعرف معنى الاحتلال والعدوان. فأبناء الجنوب اللبناني والفلسطينيون يتقاسمون ذاكرة واحدة من القصف والتهجير والسجون، كما يواجهون العدو نفسه. لذلك شعرت أن هذه الرحلة لم تكن مجرد تضامن مع شعب آخر، بل دفاعًا عن جزء من هويتنا، وعن مستقبلنا المشترك".

معركة أخلاقية وقانونية 

تسهب في حديثها مع "العهد" عن الاستعدادات التي سبقت انطلاق أسطول الصمود، وتلفت إلى أن التحضير كان دقيقًا على المستويات القانونية واللوجستية والإعلامية، حيث خضع الجميع لتدريبات مكثفة حول كيفية التعامل مع أي اعتراض عسكري، مع التشديد على الالتزام بالمقاومة السلمية، وعدم منح أي ذريعة لاستخدام القوة ضد الأسطول.

وتقول: "قبل لحظات من احتمال اعتراضنا، علّقنا جوازات سفرنا حول أعناقنا، فيما كتب كثير منا أرقام محاميه على يده، تحسبًا لأي اعتقال أو احتجاز. كنا ندرك أننا قد نتعرض للعنف، وربما لما هو أسوأ، لكن ذلك لم يدفع أحدًا إلى التراجع أو التفكير في الانسحاب. كان الجميع يعلم أنه لا يشارك في رحلة بحرية عادية، بل يدخل معركة أخلاقية وقانونية دفاعًا عن الكرامة الإنسانية، وعن حق شعب غزة في الحياة والحرية".

بحسب الطبال، كان الهدف الأول لأسطول الصمود هو كسر الحصار المفروض على غزة، ولو بصورة رمزية، والتأكيد على أن هذا الحصار غير قانوني، وأنه لا يجوز للعالم أن يتعامل معه كما لو كان أمرًا واقعًا أو حالة طبيعية. أما الهدف الثاني، فكان سياسيًا وقانونيًا، ويتمثل في إعادة غزة إلى واجهة الضمير العالمي، ودفع الرأي العام والحكومات إلى مواجهة سؤال لا يمكن تجاهله: كيف يقبل العالم الحر باستمرار حصار وتجويع وإبادة أكثر من مليوني إنسان؟

لذلك لم يكن أسطول الصمود مجرد رحلة بحرية، بل شكّل منصة سياسية وقانونية وأخلاقية وإعلامية، هدفت إلى فضح الحصار، وكسر الصمت الدولي، وإعادة تسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين وحقوقهم التي يكفلها القانون الدولي، وفقًا للطبال.

تفاصيل الاعتراض والاعتقال

تروي لينا الطبال عن الظروف التي واجهها المشاركون خلال الرحلة، وتقول: "منذ اقترابنا من غزة، بدأ التوتر يتصاعد، وكان ذلك متوقعًا. فقد انسحبت السفن الكبيرة التي كانت حكومات أوروبية قد أرسلتها لمرافقتنا، وبقينا نراقب الطائرات المسيّرة والسفن الحربية "الإسرائيلية" التي كانت تلاحقنا عن كثب. ثم جاء اقتحام القوات "الإسرائيلية" للسفينة في المياه الدولية، وهو بحد ذاته يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي".

وتردف: "بعد اعتقالنا، تعرضنا لسلسلة من الإجراءات القاسية، شملت تقييد الأيدي، والتفتيش، والنقل إلى سجن "كتسيعوت"، والاحتجاز في ظروف صعبة، والحرمان من حقوق أساسية، إلى جانب ضغوط نفسية متواصلة. وما تعرضنا له لا يمكن اعتباره مجرد إجراءات أمنية، بل يندرج، في جوانب عديدة منه، ضمن الأفعال التي تعرفها اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيرها من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللإنسانية أو المهينة".

وتشدد على أنه "رغم كل ذلك، لم تنجح تلك الممارسات في كسر معنويات المشاركين أو زعزعة قناعتهم بعدالة القضية التي أبحروا من أجلها".

الكلمة الحرة

عن أكثر المواقف التي تركت أثرًا فيها خلال المشاركة، توضح: "أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرتي هو ذلك التضامن الإنساني العميق بين المعتقلين. داخل الزنازين، كان كل واحد منا يحاول أن يحمي الآخر نفسيًا قبل أي شيء، وأن يخفف عنه وطأة الاحتجاز والخوف، فكانت الإنسانية هي وسيلتنا الأولى للمقاومة".

وتلفت إلى أنه "هناك، في سجن "كتسيعوت"، أدركت أن الاحتلال، رغم كل ما يمتلكه من قوة وسلاح، يعيش في خوف دائم. رأيت السجّان عن قرب؛ لم يكن يحمل حجة، ولا يدافع عن قضية، بل كان مجرد موظف ينفذ الأوامر داخل منظومة تقوم على تجريد الآخر من إنسانيته، وأيقنت أن أكثر ما يخشاه الاحتلال هو الكلمة الحرة، والصورة الصادقة، والشاهد الذي يروي ما رآه. فلو لم يكن يخشى الحقيقة، لما أرسل جيشه لاعتراض سفينة مدنية في عرض البحر تحمل الحليب والأدوية إلى مدينة محاصرة، ولما اعتقل مدنيين عزّل لم يحملوا سوى رسالتهم الإنسانية".

وفقًا لطبال، فإن الرأي العام العالمي كان، في كثير من الأحيان، أكثر تقدمًا من عدد من الحكومات. فقد تابع ملايين الأشخاص مهمة الأسطول الإنسانية الهادفة إلى كسر حصار غزة، وتحولت الرحلة إلى قضية رأي عام في العديد من الدول. أما الإعلام، فقد انقسم في تعامله مع الأسطول؛ فهناك وسائل تناولته باعتباره قضية إنسانية وقانونية، بينما حاولت وسائل أخرى اختزال القضية أو الاكتفاء بتقديم الرواية "الإسرائيلية". لكن في نهاية المطاف، فإن مجرد إعادة الحصار المفروض على غزة إلى دائرة النقاش العالمي، وإجبار العالم على مواجهة هذه القضية، كان بحد ذاته نجاحًا.

رسالة من أجل غزة

تتحدث لينا الطبال لـ "العهد" عن الرسالة التي أرادت إيصالها من خلال مشاركتها: "رسالتي كانت ولا تزال واضحة: لا يجوز أن يتحول الحصار إلى واقعٍ مألوف أو أمرٍ يمكن للعالم التعايش معه، كما لا يمكن الصمت أمام ما يحدث في غزة. على العالم أن يرى الحقيقة كاملة، وأن يواجه الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين والشعوب. كما يجب أن يدرك العالم أن المسؤولين عن هذه الجرائم يجب أن يخضعوا للمساءلة وفق القانون الدولي. وأؤكد أن الشعوب لا تزال قادرة على التحرك حين تعجز الحكومات، وأن التضامن الحقيقي لا يقتصر على إعلان المواقف أو إطلاق الشعارات، بل هو فعل أخلاقي قد يدفع الإنسان إلى التضحية بحريته الشخصية، لكنه في المقابل يحفظ كرامته، ويصون إنسانيته، ويمنح الضحايا يقينًا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الظلم".

ترى الطبال أن الأسطول قد لا يكون وصل إلى غزة، لكن اعتراضه بالقوة من قبل الاحتلال كشف للعالم طبيعة هذه الممارسات وحقيقة التعامل مع مهمة مدنية وإنسانية. كما أن التجربة لم تنتهِ عند لحظة الاعتقال، بل بدأت بعدها مرحلة جديدة من العمل القانوني، موضحة: "نحن نعمل اليوم على ملاحقة المسؤولين "الإسرائيليين" أمام المحاكم الوطنية والدولية، وتحويل ما جرى في البحر وفي أماكن الاحتجاز إلى ملفات قضائية وشهادات موثقة".

فالنجاحات، بحسب الطبال، لا تُقاس دائمًا بالوصول إلى الوجهة النهائية، بل أحيانًا بقدرة القضية على الوصول إلى العالم، والتأثير في الرأي العام، وتغيير طبيعة النقاش الدولي حول غزة وحقوق أهلها.

ختامًا، تقول لينا الطبال: "تعلمت أن الإنسان يكتشف حجم قوته الحقيقية عندما يدافع عن قضية عادلة. فالحرية لا تعني فقط أن يكون الإنسان خارج أسوار السجن، بل أن يبقى ضميره حرًا حتى عندما يكون خلف القضبان. والأهم أنني ازددت اقتناعًا بأن الدفاع عن القضايا العادلة مسؤولية مشتركة، وأن المقاومة، بمعناها الواسع، يمكن أن تتخذ أشكالًا متعددة؛ فقد تكون سفينة تبحر نحو المحاصرين، أو شهادة تنقل الحقيقة، أو دعوى قضائية تطالب بالعدالة، أو كلمة صادقة ترفض الصمت".

الكلمات المفتاحية
مشاركة