اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "العهد" ينشر صورًا خاصة من مسيرة السيد فؤاد شكر

خاص العهد

خاص العهد

السيد محسن.. عقلٌ تعبويٌّ صاغَ وعيَ المقاومين

144

صحافية لبنانية

فؤاد المقاومة. ليس لقبًا مستوحًى من اسم أو كُنية. في حالة القائد الجهادي الكبير السيد فؤاد شكر - السيد محسن - اللقب حقيقي وواقعي بل يحمل جذورًا منذ بدأ الشباب المؤمن ينمو ويكبر. 

في قلب هذه الحركة الإيمانية الجهادية، نشأ وأسّس السيد محسن، وكدّ كيْ يؤمّن السلاح لقتال المحتلّ. من خلدة وصرخة "الخُمينيين" الى رفاق الأوزاعي والبرج ولمّة المساجد، الى الجنوب وتلاله ومواقعه. 

صحيحٌ أن رصيد السيد محسن كان زاخرًا على صعيد الإعداد والتنشئة والتسليح والبناء الهيكلي والتشكيلي، لكنّ البصمة الأوضح في شخصية القائد الحسيني هي الطاقة التعبوية والقدرة على حشد واستنهاض هِمم المجاهدين. نحن أمام قامةٍ وشخصيةٍ رُكنية استطاعت استثمار عُمرها في العمل والقيادة.  

في أكثر من محطة، خاطب السيد محسن أجيالًا مُختلفة مرّت في مسيرته الجهادية، تدريبًا، وتنسيقًا، وتعبئةً. السمة الثابتة في أسلوب مقاربته لكلّ المسؤوليات الموكلة إليه كانت تأثيره في عزائم المقاومين، المقاتلين، قادة المستقبل، ومن سيأتي بعده. 


الوفاء لله عهدٌ ثابت..

ركّز السيد محسن في أكثر من محاضرة على الجانب الإيماني والعلاقة مع الله كقاعدة أساس يجب أن تتوفّر لدى كلّ فرد، أكان في حزب الله أم خارجه. 

يتحدّث السيد محسن عن خاصية الوفاء لله وصراطه الذي وحده يُنجي من الضياع والضلال، وهي فكرة يتوقف عندها ليحفّز من يسمعه على أهمية المواظبة على الإخلاص لله، والثبات على نهجه مهما تبدّلت الظروف وتعاظمت التحديات. فالوفاء، في رؤيته، ليس حالةً وجدانية عابرة، ولا شعارًا يُرفع في أوقات الرخاء، بل هو عهدٌ دائم يربط الإنسان بربّه، ويجعله أكثر صلابةً أمام الفتن، وأشدّ يقينًا عند المِحن، وأصدق التزامًا حين تتكاثر المغريات والدعوات إلى التراجع. ومن هذا المنطلق، كان يؤكد أن السير في صراط الله لا يستقيم إلا بإخلاصٍ لا تشوبه المصلحة، ووفاءٍ لا تزعزعه الضغوط، لأنهما السور الذي يحفظ المؤمن من الانحراف، ويمنحه القدرة على مواصلة الطريق حتى النهاية.


أول النصر معرفة العدو والهدف

في محاضراته، يضع السيد محسن معيارًا لتحقيق النصر، فيقول أمام تلامذته وجيل تربّى على تعاليمه العسكرية "أول النصر معرفة العدو والهدف". ويُشير الى مواصفات القائد الحقيقية فيُشدّد على أن "القائد الذي يقود ويرسل الاستشهاديين من دون أن يملك روح الشهادة فحتمًا هو خائن ومنافق".

الحقوا بنا..

الانسجام بين القول والفعل كان أكثر ما يطبع منهج السيد محسن، ولذلك كان يُشدّد في محاضراته وخطاباته أمام جمْع المجاهدين على "وجوب أن نتعاطى مع أنفسنا على أننا أفراد ورُماة وأن علينا أن نكون في الخطّ الأول وعلى أول مدفع وفي أول راجمة وفي أول ضربة، ونقول لمن يتبعوننا الحقوا بنا".


المقاومة امتداد لكربلاء..

الحسين (ع) في خطاب السيد محسن كان محوريًا. في كلّ محاضرة له، ذكرُ الحسين (ع) لا يغيب. ولأن مدرسته (ع) تُرشدنا الى تصويب البوصلة لإعلاء كلة الحقّ وإصلاح الأمة وتحقيق النصر، كان السيد محسن يُبيّن دائمًا أن الثابت في طريق الوصول الى النصر أو الشهادة هو رفض الظلم. 

أفرَد السيد فؤاد لمعاني وقيم كربلاء مساحةً كبيرةً في خطبه المتعدّدة أمام رفاق السلاح وتلامذته، فاعتبر أن "المقاومة امتداد لكربلاء، فهي كانت قبل اجتياح الـ1982 قيمة اعتبارية، لكن بعده رأينا كيف تجسّدت كلّ معانيها وتُرجمت الأقوال الى أفعال وأدّت الى ولادة المقاومة الإسلامية". وهذه هي الرسالة التي أراد أن يغرسها في نفوس سامعيه، أن الحسين (ع) ليس ذكرى تُستعاد في موسم، ولا واقعةً تاريخية تُروى على المنابر، بل منهجٌ دائمٌ لصناعة الإنسان المقاوم. فمن فهم كربلاء على حقيقتها، أدرك أن نصرة الحق ليست شعارًا، بل مسؤولية، وأن الوقوف في وجه الظالم ليس خيارًا يرتبط بالظروف، بل تكليفٌ لا يسقط بتبدّل الأزمنة. لذلك، كان السيد محسن يربط بين راية الحسين (ع) وراية المقاومة، لأن كلتيهما تنطلقان من مبدأ واحد: رفض الخضوع، ومواجهة الباطل، والاستعداد لبذل الأغلى.

ومن هنا، لم يكن استحضاره الدائم للإمام الحسين (ع) مجرد استشهادٍ ديني، بل كان فعلًا تربويًا وتعبويًا، يصنع الوعي قبل أن يصنع الموقف، ويغرس اليقين قبل أن يدعو إلى المواجهة. كان يريد للمجاهدين ممّن يسمعونه أن يحملوا كربلاء في عقولهم وقلوبهم وسلوكهم، حتى تصبح عاشوراء مشروعًا مستمرًا، ويغدو كل ميدانٍ للدفاع عن الحق امتدادًا لذلك الموقف الخالد الذي سطّره الإمام الحسين (ع) في كربلاء.

وبمنطق السيد محسن، الإعداد الحسيني يُحصّن الإرادة لدى المجاهدين والمنخرطين في صفوف المقاومة، على قاعدة أن المؤمن القوي خيرٌ وأحبّ إلى الله، وهذا يعني صقل الوعي والاستعداد تسليحًا وعزيمةً لمواجهة الهدف. 

شخصية تعبوية استثنائية

شكّل السيد محسن قيمة عسكرية ومعنوية لتشكيل حزب الله في آن. لم ينحصر دوره في بناء الهياكل التنظيمية، بل تجاوز ذلك إلى صناعة الفرد المجاهد والمؤمن بقضيته، والواثق بخياراته، والمستعدّ لبذل كلّ ما يملك في سبيلها.

امتلك السيد محسن شخصيةً تعبويةً استثنائية، قادرةً على النفاذ إلى العقول والقلوب معًا. لم يكن يخاطب المجاهدين بلغة الأوامر، وإنما بلغة الإيمان والاقتناع، فيزرع فيهم المعنى قبل التكليف، ويؤسّس في وجدانهم القضية قبل أن يكلّفهم بأعبائها. لذلك، لم تكن تعبئته ظرفيةً مرتبطةً بمعركة أو مواجهة، بل كانت مشروعًا متكاملًا يصنع الإنسان الذي يحمل الرسالة بإرادةٍ واعية، ويواصل الطريق مهما عظمت التضحيات.

ولعلّ سرّ تأثيره الكبير أنّه لم يكن يدعو إلى ما لا يعيشه، ولم يحثّ على تضحيةٍ لم يكن أول المبادرين إليها. فقد انسجم قوله مع فعله، وفكره مع سلوكه، فتحوّلت شخصيته إلى نموذجٍ يقتدي به المجاهدون، وإلى مرجعيةٍ أخلاقيةٍ وتعبويةٍ. السيد محسن لم يكن يدير الرجال، بل كان يصنعهم، لهذا كان فؤاد المقاومين.

 

 

 

الكلمات المفتاحية
مشاركة