اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي عز الدين: صمت السلطة عما يجري من تفجيرات واعتداءات يجعلها شريكة في سفك الدماء

مقالات

🎧 إستمع للمقال
مقالات

"الشرق الأوسط" بين حرب الاستنزاف وإعادة ترتيب التوازنات

غزة وإيران والبحر الأحمر في لحظة مفصلية
269

أستاذ تاريخ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

تشير التطورات المتسارعة، في منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط)، إلى أن المنطقة تدخل مرحلة تتجاوز منطق الحروب المنفصلة أو الأزمات المحلية، نحو مشهد إقليمي مترابط تتداخل فيه جبهات غزة وإيران واليمن والبحر الأحمر والخليج. إذ إن المواجهة لم تعد مقتصرة على صراع عسكري مباشر بين أطراف محددة، لقد أصبحت شبكة من الضغوط المتبادلة والحروب غير المتكافئة والعمليات السيبرانية واستهداف القواعد والمنشآت والمفاوضات السياسية، والتي تجري بالتوازي مع استمرار العمليات الميدانية.

في هذا السياق؛ يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى الجمع بين مسارين متناقضين ظاهريًا: تصعيد الضغط العسكري على إيران وحلفائها من جهة، ومحاولة إنتاج تسويات سياسية في غزة من جهة أخرى. إلا أن الربط بين المسارين يكشف أن واشنطن لا تتعامل مع ملف غزة بوصفه قضية فلسطينية مستقلة، بل لكونه جزءًا من إعادة صياغة النظام الأمني الإقليمي، ما يحد من قدرة القوى المناوئة للولايات المتحدة و"إسرائيل" على الاحتفاظ بأدوات القوة المسلحة

غزة.. من وقف إطلاق النار إلى إعادة هندسة السلطة

لقد أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى ما وصفه بـ«اتفاق تاريخي»، بشأن قطاع غزة، تساؤلات واسعة عن طبيعة الاتفاق ومدى واقعية تنفيذه والضمانات المتوافرة للأطراف جميعها. وفقًا للمعطيات المتداولة، تقوم خريطة الطريق على ربط نزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى بانسحاب إسرائيلي من قطاع غزة وانتشار قوة دولية للاستقرار وتشكيل إدارة فلسطينية جديدة تتولى إدارة الشؤون المدنية والأمنية.

لكن الإعلان السياسي لا يعني بالضرورة أن الاتفاق أصبح قابلًا للتنفيذ. إذ إن التجارب السابقة، في المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، تظهر أن الفجوة بين المبادئ العامة وآليات التطبيق قد تكون واسعة. كما يبدو أن الخلاف الأساسي يتمحور في ترتيب الخطوات: هل يبدأ نزع السلاح قبل الانسحاب الإسرائيلي، أم يجري بصورة متزامنة معه؟ هل يكون الانسحاب كاملًا أم مرحليًا؟ من الجهة التي تتحقق من تنفيذ الالتزامات؟

بالنسبة إلى "إسرائيل"، يمثل نزع سلاح الفصائل هدفًا أمنيًا مركزيًا، حيث تسعى إلى منع إعادة بناء القدرات العسكرية في القطاع. أما حركة حماس، فتربط أي نقاش في السلاح بانسحاب القوات الإسرائيلية وفتح المعابر ووقف العمليات العسكرية وبدء إعادة الإعمار. كما تؤكد تصريحات بعض مسؤولي الحركة أن مسألة السلاح لا يمكن فصلها عن الحقوق السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني، وتنفيذ أي التزامات يجب أن يكون متبادلًا لا أحاديًا. 

تكشف هذه المواقف أن مفهوم «نزع السلاح» نفسه ما يزال موضع خلاف.. فهل المقصود تسليم الأسلحة جميعها، بما فيها الأسلحة الفردية، أم تخزين الأسلحة تحت إشراف لجنة فلسطينية؟ هل ستُخرج من القطاع أم تبقى تحت رقابة إدارة فلسطينية جديدة؟ كما يبرز سؤال آخر يتعلق بدور "إسرائيل": هل تشارك في عملية التحقق، أم تقتصر العملية على لجنة وطنية فلسطينية وقوة دولية؟

يتوقف نجاح الاتفاق على الإجابة العملية عن هذه الأسئلة، لا على قوة الخطاب السياسي. قد يكون إعلان «إنجاز تاريخي» مفيدًا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، من الناحية السياسية، لكنه لا يلغي التعقيدات العميقة التي تراكمت خلال سنوات الصراع. كما تتضمن التصورات المطروحة إنشاء لجنة وطنية لإدارة غزة، تتولى تحسين الوضع الإنساني وإعادة تشغيل المؤسسات والإشراف على مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. قد تبدو هذه الخطوة محاولة لتوفير بديل إداري عن حكم الفصائل المباشر، إلا أن نجاحها يتوقف على مدى تمثيلها للفلسطينيين وقدرتها على اكتساب الشرعية

أما القوة الدولية المقترحة، فتطرح إشكاليات أكثر تعقيدًا؛ من قبيل: من الدول التي ستشارك فيها؟ ما طبيعة تفويضها؟ هل ستكون مهمتها حفظ الأمن أم مراقبة الاتفاق أم إدارة الحدود؟ الأهم: هل ستدخل غزة في بيئة ما تزال فيها احتمالات المواجهة قائمة؟ علمًا أن الدول قد تكون مستعدة لتقديم مساعدات مالية أو دعم لوجستي، لكنها قد تتردد في إرسال قوات عسكرية إلى منطقة معرضة للتوتر. لذلك، فإن إنشاء قوة دولية يحتاج إلى توافق سياسي واسع وضمانات أمنية واضحة وقبول فلسطيني وتحديد دقيق للعلاقة بينها وبين المؤسسات المحلية

إيران وتوسيع نطاق الردع ونقل المواجهة إلى العمق الإقليمي

بالتوازي مع تطورات غزة، تشير التقارير المتداولة إلى تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وامتدادها إلى قواعد ومنشآت عسكرية في منطقة الخليج. إذ أعلن الجيش الإيراني تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة ضد أهداف مرتبطة بالقوات الأميركية، في قاعدة أحمد الجابر في الكويت، في إطار ما وصفه بـــ"العملية الصاعقة". تحمل هذه العمليات دلالة استراتيجية مهمة. هي تشير إلى أن إيران تسعى إلى توسيع نطاق الردع بإظهار أن القواعد الأميركية في المنطقة ليست بمنأى عن الاستهداف. يهدف هذا النهج إلى رفع كلفة أي عمليات عسكرية ضد إيران وإجبار واشنطن على إعادة حساباتها بشأن انتشارها الإقليمي. لا يعني ذلك، بالضرورة، أن إيران تريد حربًا شاملة، قد يكون الهدف هو بناء معادلة تقول إن أي هجوم على الأراضي الإيرانية سيؤدي إلى تهديد المصالح الأميركية وقواعدها في مناطق متعددة. يعتمد هذا النوع من الردع على القدرة على الاستمرار وتنويع وسائل الهجوم، بين الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات غير المباشرة

هذا؛ وتكتسب تصريحات المسؤولين الإيرانيين عن صعوبة اعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ أهمية خاصة في هذا السياق. إذ إن الحرب الحديثة لا تقاس فقط بعدد الأسلحة، أيضًا بكلفة الدفاع عنها. إذا اضطرت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى استخدام صواريخ اعتراضية مرتفعة الكلفة ضد وسائل هجومية أقل كلفة، فهذا يخلق معادلة استنزاف قد تؤثر في المخزونات العسكرية والقدرة على الاستمرار. لقد تزامنت التقارير عن الهجمات الإيرانية مع معلومات عن مراجعة الولايات المتحدة لنطاق وجودها العسكري في الكويت وتقليص بعض قواتها بهدف خفض المخاطر؛ فإذا كانت هذه المراجعة مرتبطة فعلًا بتصاعد التهديدات، فهي قد تعكس تحوّلًا في طبيعة الانتشار الأميركي في المنطفة.

إذ إن الوجود العسكري الواسع يوفر قدرة على التدخل والردع، لكنه يجعل القواعد أهدافًا محتملة في أي مواجهة إقليمية. قد تجد واشنطن نفسها أمام معادلة صعبة: زيادة القوات قد تعزز القدرة العسكرية، لكنها ترفع أيضًا احتمال الاستهداف؛ في حين يؤدي تقليصها إلى خفض المخاطر، لكنه قد يثير تساؤلات عند الحلفاء بشأن الالتزام الأميركي بأمن المنطقة. من هنا، قد تتجه الولايات المتحدة إلى نموذج أكثر مرونة، يعتمد على قواعد متحركة وقدرات بحرية وجوية بعيدة المدى وانتشار مؤقت بدلًا من الاعتماد الكامل على القواعد الثابتة. غير أن هذا التحول لا يعني انسحابًا أميركيًا من الخليج، إنما هو إعادة توزيع للأدوار والوسائل.

البحر الأحمر واليمن

في البحر الأحمر، تعود قضية أمن الملاحة إلى الواجهة مع الحديث عن استعدادات سعودية لتحرك بحري أو بري ضد جماعة أنصار الله في اليمن. يبدو أن الهدف المعلن هو تأمين مرور السفن وحماية صادرات النفط ومنع استمرار استهداف طرق الملاحة. لكن التجربة السابقة تثير تساؤلات عن قدرة أي تحالف جديد على تحقيق أهدافه؛ فقد أظهرت سنوات الحرب أن التفوق الجوي والتقني لا يؤدي بالضرورة إلى حسم سياسي أو عسكري، لا سيما في بيئة جغرافية معقدة، حيث تستطيع القوى المحلية استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب غير التقليدية. كما أن تشكيل تحالف واسع لا يعني بالضرورة وجود استعداد مشترك لتحمل الخسائر؛ فقد تقدم بعض الدول دعمًا سياسيًا أو معلومات استخبارية أو مساعدات لوجستية، لكنها قد تتردد في الانخراط المباشر في عمليات عسكرية طويلة.

إزاء ما تقدم؛ تواجه السعودية تحديًا إضافيًا؛ يكمن في ضرورة التوفيق بين حماية مصالحها الاقتصادية وتجنب حرب مفتوحة قد تؤثر في الاستقرار الإقليمي. لذلك، قد يكون الهدف من الدعوة إلى تحالف دولي هو تعزيز الضغط السياسي والعسكري، وليس بالضرورة إطلاق حرب شاملة.

بالتوازي مع ذلك؛ تثير التقارير المتعلقة باجتماعات وزارة الدفاع الأميركية مع شركات الصناعات العسكرية، مسألة مهمة هي سرعة استهلاك الذخائر والصواريخ الاعتراضية. ذلك أن الحروب الحديثة تستنزف المخزونات، خلال مدة أقصر مما تتوقعه الخطط العسكرية، لا سيما عندما تستخدم أنظمة الدفاع صواريخ مرتفعة الكلفة لاعتراض أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة والمقذوفات. هذا يضع الولايات المتحدة أمام تحدٍ صناعي، لا عسكري فقط؛ فالقوة العسكرية تعتمد على قدرة الاقتصاد والصناعة على إنتاج الذخائر وتعويض الخسائر. أما إذا أصبح الاستهلاك أسرع من الإنتاج، فقد تضطر واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها بين مناطق مختلفة. كما أن الضغط على الصناعات العسكرية قد يؤدي إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع العقود مع الشركات وإعادة بناء خطوط الإنتاج. إلا أن هذه العملية تحتاج إلى وقت، وقد لا تستطيع الاستجابة فورًا لحاجات الحروب المتعددة؟
 
في الخلاصة :

تكشف التطورات الراهنة أن منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط) تقف أمام مرحلة انتقالية؛ تتداخل فيها المفاوضات مع التصعيد. في غزة، قد تمثل خريطة الطريق فرصة لوقف الحرب وبدء إعادة الإعمار، لكنها تواجه خلافات عميقة حيال السلاح والانسحاب والضمانات. في الخليج، تسعى إيران إلى تعزيز قدرتها على الردع ورفع كلفة المواجهة، فيما تعيد الولايات المتحدة تقويم انتشارها العسكري. أما في البحر الأحمر، فقد أصبح أمن الملاحة جزءًا من الصراع الإقليمي، ولم يعد قضية بحرية منفصلة. تبقى قدرة أي تحالف على تحقيق أهدافه مرتبطة باستعداد أعضائه لتحمّل التكاليف، لا بعدد الدول التي تعلن دعمها له.

كما قد تكون المنطقة أمام مسارين متوازيين: أولهما مسار سياسي يحاول إنتاج ترتيبات جديدة في غزة، ومسار عسكري يقوم على الاستنزاف والردع المتبادل بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما. لكن نجاح التسويات يتطلب معالجة جذور الصراع، لا الاكتفاء بإدارة نتائجه. أما إذا تحولت الاتفاقات إلى ترتيبات أمنية تركز على السلاح من دون معالجة الحقوق الوطنية والسياسية، فقد تبقى قابلة للانهيار. أما إذا اقترنت بانسحاب فعلي، وإعادة إعمار وإدارة فلسطينية ذات شرعية وأفق سياسي واضح، فقد تشكّل بداية لمرحلة مختلفة.

في المقابل؛ استمرار الحرب الإقليمية قد يؤدي إلى مزيد من استنزاف الموارد العسكرية والاقتصادية، ويزيد احتمالات انتقال المواجهة من الجبهات غير المباشرة إلى صدام أوسع. لهذا، السؤال الأساسي لم يعد ما إذا كانت الأطراف قادرة على التصعيد، بل ما إذا كانت قادرة على بناء توازن سياسي يمنع التصعيد من التحول إلى حرب إقليمية مفتوحة؟

الكلمات المفتاحية
مشاركة