مقالات
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
في مشهد يختصر لحظة "إسرائيلية" بامتياز، انعقد مؤتمر هرتسيليا في دورته الثانية والعشرين بين 30 حزيران و1 تموز 2026، تحت عنوان: "بين الأمن القومي والمناعة القومية: هل نصل إلى بر آمن؟".
لم يكن السؤال استفهامًا بلاغيًا، بل اعترافًا علنيًا بأن الكيان الذي يمتلك أحدث الطائرات الحربية في العالم، ويتباهى بذراع نووية غير معلنة، ومنظومات دفاع جوي لا تضاهى، يقف اليوم أمام مرآة تعكس له حقيقة موجعة: القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية، والحرب على إيران لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، بل فتحت شهية جديدة للمواجهات، وأثبتت أن العقيدة الأمنية التي استندت إليها "إسرائيل" لعقود قد تهشمت على صخرة الواقع الإيراني.
"الانتصار التكتيكي" والهزيمة الاستراتيجية
لم يختلف اثنان من المشاركين في المؤتمر على أن "الحرب الأخيرة مع إيران حققت نجاحات تكتيكية. فالضربات التي استهدفت المنشآت النووية والصاروخية في العمق الإيراني أحدثت أضرارًا ملموسة، وأخرت البرنامج النووي". لكن رئيس جامعة رايخمان، بوعز غانور، كان أكثر جرأة حين قال إن "إسرائيل" والولايات المتحدة حققتا نصرًا تكتيكيًا، لكنهما فشلتا استراتيجيًا.
فالنظام الإيراني لم ينهَر، والبرنامج النووي لم يُقضَ عليه، والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لا تزال تشكل تهديدًا. لقد نجحت الحرب في تدمير منشآت، لكنها فشلت في تدمير مشروع.
وهذا الفشل الاستراتيجي ليس مجرد قراءة تحليلية، بل هو ما دفع النخبة الأمنية والسياسية إلى الاعتراف بأن المعركة مع إيران لم تنتهِ، بل دخلت مرحلة جديدة وصفها المدير العام لوزارة الحرب "الإسرائيلية"، أمير بيرام، بأنها مجرد "استراحة عملياتية".
وهذا يعني أن "إسرائيل"، التي راهنت على حرب خاطفة تسحق القدرات الإيرانية وتعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، وجدت نفسها أمام واقع مختلف: إيران أكثر مرونة وقدرة على الصمود مما قدره المسؤولون، وحلفاؤها في العراق واليمن ولبنان أثبتوا قدرتهم على فتح جبهات متعددة، وهو ما لم تأخذه التقديرات الأولية في الحسبان.
انهيار العقيدة التقليدية: من "جز العشب" إلى "الحرب المستمرة"
ما كشفته الحرب أعمق من مجرد إخفاق استخباري أو عسكري. فقد انهارت العقيدة الأمنية "الإسرائيلية" التقليدية التي قامت على ثلاث ركائز: الردع، والإنذار المبكر، والحسم.
فقد أثبتت الأحداث أن الردع لم يمنع إيران من مواصلة برنامجها النووي، وأن الإنذار المبكر فشل في قراءة النوايا الإيرانية، وأن الحسم العسكري لم ينهِ التهديد، بل نقله إلى مرحلة أكثر تعقيدًا.
ورأى رئيس الحكومة الأسبق، نفتالي بينيت، أن العقيدة الأمنية "الإسرائيلية" تحتاج إلى إضافة عنصر خامس هو "المبادرة"، مطالبًا باستراتيجية هجومية شاملة تستهدف إضعاف النظام الإيراني عبر أدوات عسكرية وسيبرانية واقتصادية وسياسية.
لكن بينيت، مثل غيره من المشاركين، اعترف ضمنيًا بأن العقيدة القديمة لم تعد صالحة للاستخدام، فالنموذج الذي اعتمد على التفوق الجوي، والتكنولوجيا، والاستخبارات الدقيقة، لم يعد كافيًا في مواجهة خصم يمتلك قدرة على التحمل والانتشار، ويمتلك حلفاء في عدة ساحات.
وهنا يبرز التحول الأكثر جوهرية: الانتقال من مفهوم "إدارة التهديدات"، الذي ساد لعقود، إلى مفهوم "المنع المطلق والحرب متعددة الجبهات"، ما يعني أن "إسرائيل" لم تعد تتعامل مع إيران كتهديد يمكن احتواؤه، بل كمنظومة متكاملة يجب تفكيكها.
وهذا يستدعي قدرات عسكرية مختلفة، لا تقوم على التفوق الجوي فقط، بل على القوات البرية، والقدرة على إدارة حروب طويلة وممتدة، والاستعداد لمواجهة متزامنة في لبنان واليمن والعراق وغزة وسورية والضفة الغربية، إلى جانب التحدي الإيراني.
العقد الداخلي يفشل حيث فشلت القنابل
لكن اللافت في مؤتمر هرتسيليا أن النقاش لم يقتصر على الملف العسكري، بل احتل الانقسام الداخلي موقع الصدارة.
فقد أقرت النخبة بأن التهديد الأكبر لـ"إسرائيل" لم يعد يأتي من إيران أو حزب الله فقط، بل من داخلها.
وحذر عاموس جلعاد، رئيس معهد السياسة والاستراتيجية، من أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها، من دون استراتيجية سياسية، "سيقود إلى أخطاء استراتيجية"، وربط أزمة تجنيد الحريديم بالتهديد الإيراني، معتبرًا أن استمرار التهرب من الخدمة العسكرية يضعف قدرة الكيان على مواجهة التحديات المستقبلية.
وهذا يعني أن المؤسسة الأمنية تعترف اليوم بأن المناعة القومية - أي تماسك المجتمع وقدرته على تحمل أعباء الحرب - أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي.
فالحرب الطويلة تتطلب جنودًا من قوات الاحتياط، وجنود الاحتياط يحتاجون إلى اقتصاد مستقر وثقة بالمؤسسات، والثقة بالمؤسسات تحتاج إلى عدالة في توزيع الأعباء، وعدالة توزيع الأعباء تتعارض مع إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية.
وهكذا، فإن الحرب على إيران كشفت عن حلقة مفرغة لا يمكن حلها بالقنابل وحدها.
المأزق الأميركي: التحالف الذي لم يعد كافيًا
لم يغفل المؤتمر البعد الدولي، ولا سيما العلاقة مع الولايات المتحدة.
فالمدير العام لوزارة الحرب "الإسرائيلية" كان صريحًا حين قال:
"بالنسبة لنا، إيران تهديد وجودي؛ وبالنسبة للولايات المتحدة، هي تحدٍّ إقليمي مزمن، بينما تبقى الصين ومنطقة المحيط الهادئ الشغل الشاغل. نحن نفكر في طهران، وهم يفكرون في تايوان."
ويعكس هذا التصريح وعيًا "إسرائيليًا" مؤلمًا بأن التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، وإن كان لا يزال حجر الزاوية للأمن "الإسرائيلي"، لم يعد كافيًا وحده لمواجهة التهديد الإيراني.
فالولايات المتحدة، كما أوضح بيرام، لا ترغب في حرب طويلة في الشرق الأوسط تستهلك ذخائرها، وتشتت انتباهها عن منافستها مع الصين.
لذلك، فإن مذكرة التفاهم الأمنية الجديدة مع واشنطن يجب أن تقوم على المصالح المشتركة، لا القيم المشتركة فقط، وهو ما يعني أن "إسرائيل" مضطرة إلى إثبات جدواها بوصفها أصلًا استراتيجيًا، لا عبئًا أمنيًا.
العقيدة الجديدة: ملامح تحول جذري
من خلال مخرجات مؤتمر هرتسيليا، يمكن استخلاص ملامح العقيدة الأمنية الجديدة التي تعمل المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية" على صياغتها.
أولًا: الانتقال من الردع إلى المنع. فلم يعد الردع كافيًا لردع إيران، لذا تحول التركيز إلى منعها من إعادة بناء قدراتها النووية والعسكرية. وهذا يعني عمليات استباقية مستمرة، وتدمير البنية التحتية قبل اكتمالها، وليس مجرد الرد على الهجمات.
ثانيًا: تحويل الإنجازات العسكرية إلى نتائج سياسية. فقد انتقد غادي آيزنكوت الأداء السياسي، واعتبر أن "إسرائيل تعاني تآكلًا في المستوى الاستراتيجي"، مشددًا على ضرورة تحويل الإنجازات العسكرية إلى نتائج سياسية مستدامة. وهذا يعني أن العقيدة الجديدة ترفض الفصل بين الحرب والسياسة، وتؤكد أن الضربات العسكرية من دون أفق سياسي ليست سوى استنزاف.
ثالثًا: تعزيز المناعة الداخلية. فلم تعد المناعة الداخلية مسألة اجتماعية ثانوية، بل أصبحت ركيزة أساسية للأمن القومي. وهذا يستدعي إصلاحات في نظام التجنيد، واستعادة الثقة بالمؤسسات، ومعالجة الانقسامات المجتمعية التي باتت تهدد تماسك الكيان.
رابعًا: بناء تحالف إقليمي جديد. فقد دعا أمير بيرام إلى تحالف يمتد من الهند عبر الإمارات إلى اليونان وقبرص، وهو ما يعني أن "إسرائيل" تسعى إلى بناء منظومة أمنية إقليمية بديلة أو مكملة للتحالف مع واشنطن، تقوم على المصالح الأمنية المشتركة في مواجهة إيران.
حرب لم تنتهِ وعقيدة في طور التشكل
كان مؤتمر هرتسيليا في تموز 2026 أكثر من مجرد منتدى سنوي؛ إذ مثل اعترافًا جماعيًا بأن الحرب على إيران لم تحقق أهدافها، وأن العقيدة الأمنية "الإسرائيلية" تحتاج إلى إعادة كتابة جذرية.
لم يعد هناك مكان للتفاؤل الساذج بأن الضربة العسكرية يمكن أن تحسم الصراع، ولا للمراهنة على التفوق التكنولوجي وحده.
لقد تحول الصراع مع إيران إلى منافسة استراتيجية ممتدة، تتطلب مزيجًا من القوة العسكرية، والضغوط الاقتصادية، والدبلوماسية الذكية، والتماسك الداخلي.
لكن السؤال الذي لم يجب عنه المؤتمر هو: هل تملك النخبة "الإسرائيلية" القدرة على تنفيذ هذه التحولات في ظل الانقسام الداخلي العميق، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وأزمة القيادة السياسية، وأزمة الانتخابات "الإسرائيلية" المقبلة؟
المؤشرات لا تبشر بالخير
ففي الوقت الذي تعترف فيه المؤسسة الأمنية بفشلها الاستراتيجي، تواصل القيادة السياسية التمسك بالخطاب العسكري - الأمني، وكأن الحرب يمكن أن تحل ما فشلت العقيدة في حله.
وفي النهاية، فإن ما حدث في هرتسيليا هو أن "الإسرائيليين" أعلنوا، بطريقة غير مباشرة، أنهم خسروا الحرب على إيران، لكنهم لم يجدوا الشجاعة للاعتراف بذلك علنًا. وبدلًا من ذلك، يكتبون عقيدة جديدة تهدف إلى إدارة الهزيمة بدلًا من الاعتراف بها، وإطالة أمد المواجهة بدلًا من البحث عن مخرج.
وهذا، في التحليل الأخير، هو أخطر ما في الأمر.