عين على العدو
قال محلل الشؤون العسكرية في صحيفة هآرتس عاموس هرئل إن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب كرر في الأسبوع الماضي تهديداته العلنية باستئناف الهجمات الواسعة على إيران. وقبيل نهاية الأسبوع، صعّد الرئيس تهديداته، وأشار إلى احتمال مشاركة دول أخرى في الهجوم، وتحدّث صراحة عن استهداف مواقع مرتبطة بقطاع الطاقة في إيران. وهذه هي المرة السادسة أو السابعة التي تتكرر فيها هذه القصة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة.
وسأل: "ماذا تفعل دولة شرق أوسطية في حالة كهذه؟"، مردفًا: "على الأرجح تستنفر سلاحها الجوي بالكامل. تُلغى الرحلات والإجازات في سلاح الجو، ويُعاد أشخاص من الخارج، وتُسلح الطائرات، وتُقدم إحاطات للطواقم تحسبًا لاحتمال اندلاع الحرب، ومن المؤكد أن قائد سلاح الجو يقدم أيضًا إحاطات إلى قادة الوحدات، وتُتخذ خطوات مشابهة في مجتمع الاستخبارات ومنظومات حماية الجبهة الداخلية. ولكل حدث كهذا تكاليف هائلة، سواء في استثمار الموارد المالية أو في استنزاف أعصاب جميع المعنيين. وهذا من دون ذكر تأثير ذلك في معنويات الجمهور الواسع، فيما ينتظر كثير من المواطنين بقلق أو يُجبرون على إلغاء خططهم الصيفية. ثم، مجددًا، يلغي ترامب كل شيء بضربة تغريدة ليلية أخرى".
ورأى هرئل أن ترامب أيضًا فنان كبير في الهراء. من الصعب معرفة ما إذا كان ينوي أصلًا مهاجمة إيران مجددًا، كما قدّر وأفاد المستوى السياسي في "إسرائيل"، أم إن الأمر لم يكن سوى مناورة تضليل محسوبة أخرى تهدف إلى دفع القيادة في طهران إلى موقف ضاغط، على أمل أن توافق على العودة إلى طاولة المفاوضات وربما تقديم تنازلات. وما يتضح، مرة تلو أخرى، هو أن الرئيس مرتدع جدًا عن العودة الكاملة إلى الحرب، ولن يختارها إلا كملاذ أخير كليًا، بعد استنفاد جميع الخيارات الأخرى".
واعتبر أن مشكلة ترامب هي أن جميع الأطراف في المنطقة أدركت بالفعل أن هذا هو موقفه، وتتصرف وفقًا لذلك. فالسعودية ودول أخرى في الخليج، التي كانت ستسعد سابقًا بخطوة حاسمة من الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضد إيران، لم تعد تؤمن بأن ذلك ممكن، وتضغط عليه للموافقة على تسوية. وتخشى الدول الكبرى المنتجة للنفط في الخليج بشدة من أن يُقابل استهداف المواقع الإيرانية باستهداف مصافي النفط وحقول النفط والغاز لديها. أما الإيرانيون، فيشمون ضعف الولايات المتحدة، ولذلك يزيدون الاستفزازات في كل جولة، انطلاقًا من افتراض أن ترامب يخشى مواجهتهم. وقد ينتهي الأمر تحديدًا بصِدامٍ كبير، لكن حتى تطور كهذا لن يضمن بالضرورة أن تُبدي إيران مرونة.
ووفقًا لهرئل، يبث النظام الإيراني قناعة عميقة بأمرين: أولًا، أنه كانت له اليد العليا حتى الآن في ضوء المحاولة الفاشلة للولايات المتحدة و"إسرائيل" لإسقاطه. وثانيًا، استنادًا إلى الاستنتاج الأول، أنه قادر على تحمل ضربات أقسى من تلك التي تستطيع الولايات المتحدة أو "إسرائيل" أو دول الخليج المجاورة لإيران تحملها.
وتابع: "ليست هذه أرضية خصبة وواعدة بصورة خاصة لنجاح الاتصالات السياسية، بعد جميع الإخفاقات السابقة. وتعتمد نتيجة المفاوضات التي ستُستأنف الآن إلى حد كبير على خطورة الوضع الاقتصادي في إيران. وقد يكون استمرار الضغط الأميركي جنوب مضيق هرمز طوال الصيف قادرًا على تحقيق نتائج أفضل من استئناف القصف".
وقال: "يمكن الادعاء أن ترامب اضطر، من أجل إقناع الإيرانيين بجدية تهديده بالتحرك، إلى اتخاذ خطوات عملية. ليس تصريحات علنية فقط، بل استنفار المنظومة الأميركية، وإلى حد ما "الإسرائيلية"، بطريقة تزرع فيهم التردد بل وحتى الخوف. وهناك خطر في أنه عندما يصرخ في المرة المقبلة "ذئب، ذئب"، لن يرمش النظام في طهران، وعندها ستنجر الولايات المتحدة إلى استئناف الحرب، وهو السيناريو الذي اتضح بالفعل أن الرئيس لا يريد تحققه".
وأردف: "يبدو أن تقلب ترامب بشأن القرارات المتعلقة بكيفية التصرف مع إيران يعكس أيضًا تراجعًا معينًا في مكانة "إسرائيل" أمام الولايات المتحدة. ويبدو أن القرارات في واشنطن اتُخذت مع مراعاة محدودة لمواقف نتنياهو. وتظهر السمات نفسها أيضًا في الخطوات الأخيرة للرئيس بشأن قطاع غزة".