مقالات مختارة
حسام مطر - صحيفة الأخبار
منذ نشأته، عانى سمير جعجع من تنازع بين شعورين: من ناحية التهميش الجغرافي (بشرّي ثم عين الرمانة) والطبقي (ابن عائلة فقيرة) والعائلي (عائلة على هامش الإقطاع) والسياسي (بظل الصعود السوري)، ومن ناحية أخرى الإحساس بالفرادة والاستحقاق وأنه مُكرّس لمهمة انطلاقًا من تصورات ومشاعر دينية وشخصية، وأخرى مرتبطة برمزية بشري لديه. هكذا مال جعجع نحو التمرّد وكراهية «الغرباء» وادّعاء التفلسف وتقمّص القائد «الفادي» واعتناق الواقعية الميكافيللية (كان ينصح كوادره بقراءة كتاب «الأمير») والعنف الممنهج ولا سيما ضد «الخونة» (أبناء بروتوس كما يصفهم).
انطلاقًا من ذلك لدى جعجع هوس الظهور بما يتجاوز كونه رجل سياسة وعسكر فيبذل وسعه لأن يبدو فيلسوفًا ومُنظِّرًا ومثقّفًا وهو ما يجعله مرارًا عرضة للسخرية. فلدى جعجع «ولع بلعب دور المعلم الذي يعمّم قراءاته على جمهور الكوادر والذي يجاهر بقدرته على المجادلة في النظريات الفلسفية» (كلير شكر)، وأحد شواهد ذلك كثرة ظهور جعجع في أرشيفات «القوات» مُحاضِرًا بجنودها وضباطها، ولا سيما في ثكنة القطارة. ويستخلص حازم صاغية بعد معاينة خطاب جعجع ونصه أنه «ليس من الصعب على أي قارئ نبيه أن يلاحظ البارانويا (جنون الارتياب) وهي تتوهّج عند جعجع بما لا حدّ له من الهذيان الادّعائي».
كان «التاريخ» أكثر ما حاول جعجع التنظير فيه في إطار التوظيف السياسي والتعبوي. «نظرية» جعجع للتاريخ بسيطة، فالتاريخ يتقدّم نحو الحق، والحق هو ما يؤمن به جعجع دينيًّا وسياسيًّا، ولذلك كل ما يصبّ في صالح ما يؤمن به جعجع سيتحقّق في نهاية المطاف. وحين تخيب توقّعات جعجع انطلاقًا من «فلسفته للتاريخ» يقوم بعملية تأويل سريعة للواقع يصون بها مُسلّمات نظريته وحتمياتها أو يعتبر ذلك مجرد انتكاسة لمسار حتمي. وقد ذكر محامو جعجع أثناء وجوده في السجن أنه يعمل على «نظرية فلسفية تستند إلى مسار التاريخ هي أقرب إلى نظرية مقارنة لفلسفة التاريخ»، وفي ضوئها كان يرجّح أن آل غور لن يفوز بانتخابات الرئاسة الأميركية عام 2000 بوجه جورج بوش الابن. في الواقع كان جعجع يتمنى فوز المحافظين الجدد واليمين المسيحي الأميركي، في مقابل الديمقراطيين، لكونهم الخيار الأمثل ليمينيّي لبنان الانعزاليين، بسبب نزعتهم التدخلية العسكرية ضد سوريا الأسد وإيران ولذا لا بدّ أن يفوزوا.
يمكن النظر إلى هزائم جعجع وإخفاقاته المتكررة بكونها وقود «فلسفته» للتاريخ. كيف سيبرّر لنفسه ولمجتمعه هزائم الحرب الأهلية ونكبة انتهازيته في اتفاق الطائف ودخوله السجن وفشل حركة 14 آذار واندثار رهاناته على «الربيع العربي» وصمود محور المقاومة؟ بكل بساطة كلها مجرد انتكاسة لحركة التاريخ أو ثمن محاولة تحدّي حركة التاريخ. فالتاريخ في خطاب جعجع هو أداة لإنتاج الشرعية، وتنظيم الذاكرة، وتحصين نفسه من المحاسبة. يقوم تصوّر رئيس حزب القوات للتاريخ على غائية دينية–خلاصية ترى أن البشرية تتقدّم، رغم التعرّجات، نحو الحرية والإنسانية وفق منطق إلهي مُحدّد.
يعكس اهتمام جعجع الخاص بالتاريخ تصوّراته الإيمانية والإيديولوجية. يؤمن جعجع أن «التاريخ يسير دائماً إلى الأمام» (ربّما من هنا مصدر مقولته: ما بيصح إلا الصحيح). يقول «الحكيم» في خطاب له عام 2012: هذه القضية، في كل الأحوال، ستصل إلى أهدافها، إذ إن التاريخ له اتجاه محدّد سيوصل هذه القضية إلى نهايتها السعيدة. فالتاريخ له «غاية» و «اتجاه معيّن يسير به» نحو العدالة والسلام. إن نقطة ارتكاز جعجع الجوهرية، بحسب قوله من سجنه (عام 2000)، هي «منطق الحياة والتاريخ... لأنه منطق الله بالذات» ولذلك «لا يقلقني المستقبل ولا لحظة لا بالنسبة إليّ ولا بالنسبة إليكم ولا بالنسبة إلى بلادنا». وبذلك صنع جعجع تطابقًا بين التقدّم الكوني ومشروعه السياسي الخاص، والخصم لم يعد مجرّد منافس سياسي بل عقبة بوجه التاريخ.
لدى جعجع «إيمان أعمى بالتاريخ الذي يمكن أي يحيد أحيانًا باتجاه اليمين أو اليسار ولكنه يملك حتمية معينة (ليس بالمعنى الماركسي للكلمة)، باتجاه المزيد من النمو والترقّي والمزيد من الإنسانية والحرية للشعوب وصولًا إلى منتهى البشرية الذي خطّط له الربّ... لكنه يمر أحيانًا ببعض التعرّجات قبل بلوغ هدفه المحدّد» (2013). من خلال هذه «الفلسفة» سعى جعجع لاحتواء الانتكاسات التي عانى منها جمهوره ولتجديد إيمانهم بالمستقبل وللحفاظ على التفافهم حوله كقائد لصناعة المستقبل.
يجادل جعجع أن التاريخ هو مسؤولية الله وحده، أمّا مسؤولية الفرد فهي أن يبحث عن دوره، «وعندما تدرك ذلك ترتاح كثيرًا». فدور النخبة عند جعجع هو أن تتدخّل لتسرّع التطور الطبيعي لتطويع التاريخ والاجتماع وتحقيق الخلاص الديني (صاغية)، والسياسة بقوله هي «صناعة التاريخ» (2008). بذلك يعلن جعجع بوضوح: «وعدي لنفسي أن أحاول تسريع المسيرة البشرية أكبر قدر ممكن» (العمل، 1984). يطمح جعجع أن يكون من كبار صانعي التاريخي الماروني (متأثّرًا بـ يوسف بك كرم الذي يجري العمل لتطويبه قدّيسًا) وليس أن يذوب في هذا التاريخ. ومن المُحتمل أن غياب وريث الدم لجعجع يعزّز رغبته بأن يضمن استمرارية اسمه من خلال مُنجزاته.
يتلاقى جعجع مع نظرية رئيس حكومة العدو المجرم بنيامين نتنياهو حول حلف حضاري مسيحي يهودي يشمل «إسرائيل» واليونان وقبرص وأقليات المشرق العربي من غير المسلميين ضد الأصوليتين الشيعية والسنّية
وبما أن هذا هو اتجاه التاريخ، ينفر جعجع من المساومة إلا كخيار تكتيكي عند الضرورة لكسب الوقت (يجادل جان عزيز أن جعجع أوعز إلى القواتيين من سجنه بدعم لوائح يرضى عنها السوريون في الانتخابات النيابية والبلدية)، والأصل لديه الصراع والمواجهة والسعي للحسم فهكذا يتحقق «تسريع التاريخ» وضحايا ذلك هم مجرّد أضرار جانبية ضرورية. كان جعجع الأكثر تطرّفًا داخل قوى 14 آذار بعد عام 2005 ووضع ثقله مرارًا لمنع المساومة ولا سيما بين تيار المستقبل وقوى 8 آذار، وهذا من أبرز أسباب كرهه لسعد الحريري وتآمره عليه.
جعجع في الثقافة القواتية هو «الزعيم المنقذ» الذي يقوم بتسريع حركة التاريخ، وجعجع شخصيًّا لديه إيمان دفين بأنه مختار من الربّ لمهمة إنقاذ مسيحيّي لبنان (تحديدًا الموارنة) ولذا كرّر طوال سنوات سجنه أن الظروف ستتغيّر يومًا ويخرج، فيما كان كثر من معاونيه يشكّكون في ذلك من جملة أمور أخرى، فكان جعجع معتادًا على التهكّم عليهم بالقول: يا قليلي الإيمان ـــــ بحسب ما تنقل ندى عنيد. تعكس هذه الجملة نظرة جعجع إلى نفسه بكونه يعبّر عن مُسلّمات تنسجم مع منطق الدين والتاريخ وليس مجرّد رأي. ركّزت آلة الدعاية والتعبئة القواتية على ترسيخ فرادة جعجع وتمتّعه بنعم غيبية محجوبة منها قدرته الاستثنائية على معرفة التفاصيل واستشراف المستقبل، وأنها قدرات ناتجة من جهد ذاتي استثنائي وموهبة إلهية. يروي أنطوان زهرا للاستدلال على هذه القدرة أنه أثناء جولة لجعجع في دير ميفوق صافح شابًّا لا يعرفه مناديًا إياه باسمه، ما أدهش الموجودين.
هلّل جعجع لـ«الربيع العربي» باعتباره «مفصلاً ومساراً، وعصراً جديداً بدأ وسيستمر لسنوات طويلة بمعزل عن ما قد يعترضه» ولذلك «فليحكم الإخوان» الذين سرعان ما انتهى حكمهم على عكس نبوءة جعجع. أصرّ جعجع حينها على صحة مقولته مع أنه تفاجأ بانتهاء تجربتهم لأنه «كان يتوقّع أن يجرّب الإخوان 10 أو 15 سنة في الحكم قبل أن تظهر نتيجة تجربتهم لأن دورات التاريخ طويلة» (النهار، 2013). لكن ماذا عن فلسفة جعجع للتاريخ؟ يجيب جعجع أن سقوط «الإخوان» هو دليل على صحة شعاره لأنهم «خالفوا التاريخ وخرجوا عن إرادة الشعب فثار عليهم في انقلاب شعبي وليس في انقلاب عسكري» (اللواء، 12/7/2013). فوصول «الإخوان» إلى الحكم وسقوطهم بعد عدة أشهر كلاهما حجة على صدق نظرية جعجع للتاريخ، وفقًا له.
وحين سقط نظام الرئيس السوري بشار الأسد عام 2024، سارعت «القوات اللبنانية» لأسطرة مقولات جعجع لكونه أكّد منذ عام 2012 حتمية سقوط الأسد لأن «التاريخ لا يعود إلى الوراء وجلّ ما في الأمر هو مسألة وقت». لكن بالعودة إلى أرشيف جعجع يتبيّن أمران: الأول، أن جعجع توقّع حينها سقوط الأسد خلال أسابيع أو شهور وليس بعد 12 عامًا. والثاني، وهو الأهم، أن جعجع، وفقًا لفلسفته لتقدّم التاريخ، توقّع سقوط نظام الأسد و«جبهة النصرة» معًا، في حين أن قائد «النصرة» قد أصبح رئيس سوريا الآن.
قبل ذلك، رأى جعجع أن هزيمة العماد ميشال عون بوجه السوريين (وقد وفّر لهم الغطاء لتحقيق ذلك) هي مفتاح لتقدّم التاريخ نحو تكريسه زعيمًا مسيحيًّا وشريكًا كاملًا في مرحلة ما بعد الطائف، وإذ ينتهي به الحال سجينًا وبـ«القوات» حزبًا محظورًا. دخل جعجع السجن وعمره 42 عامًا وهو غارق في فشل كارثي كاد يضيّع كل ما قاتل من أجله. قسوة تجربة السجن على المستوى الشخصي والسياسي لجعجع، دفعته إلى البحث عن معنى وجده في قراءته اللاهوتية والنفسية إلى أن وصل به الأمر أن اعتبر سجنه شيئًا يشبه التدبير الإلهي، وأصبح شديد التعلّق بالروحانيات.
من الحرب الأهلية إلى ما بعد الطائف ثم السجن ثم تجربة 14 آذار ثم صعود حزب الله، كلها مراحل كرّست لدى جعجع مركزية الصراع مع المسلمين سواءٌ اللبنانيون أو «الغرباء» (مع الأقوى منهم تحديدًا) مدخلًا لاستعادة مركزية دور المسيحيين الموارنة، فالمسيحية الحرة «بيتها الآن لبنان» كما يقول شارل مالك. هذه العودة المارونية لدى جعجع هي حتمية لأنها نتاج طبيعي لحركة التاريخ الذي يسير لصالح الإيمان المسيحي مدفوعًا بصعود اليمين في الولايات المتحدة وأوروبا وحتى في «إسرائيل». وهنا يتلاقى جعجع مع نظرية رئيس حكومة العدو المجرم بنيامين نتنياهو حول حلف حضاري مسيحي يهودي يشمل «إسرائيل» واليونان وقبرص وأقليات المشرق العربي من غير المسلمين ضد الأصوليتين الشيعية والسنّية.
أنتجت تحوّلات العامين الأخيرين نوبة جديدة من الإيمان بالتاريخ لدى جعجع وقواته يجري استغلالها لفرض التسليم بخيارات جعجع وإضفاء هالة من القداسة عليه. تركّز «القوات» سرديتها الآن على أن الخسائر التي تعرّض لها مشروع حزب الله تُعدّ بمثابة تحقيق الانتصار الذي وعد به جعجع طويلًا. فطموح جعجع أن يكون «سمير الأول» وليس «بشير الثاني» من خلال الإمساك بالقرار المسيحي والتحوّل إلى الزعيم المسيحي الذي لا منازع له وهزيمة المشروع الإسلامي – الوطني (حزب الله في هذه المرحلة) وإعادة المركزية المارونية في حكم لبنان وهو ما عجز عنه بشير الجميل. لقد جعل جعجع من تفسيره الشخصي للتاريخ جزءًا من عقيدة حزبه وهذا ما يتجاوز بكثير كونه ممثل تاريخ جماعته. كما أن اقتراب جعجع من نهاية عمره السياسي بفعل تقدّمه في السن (74 عامًا) يجعل انجرافه في هوس التاريخ شديد الخطورة، فهو قد يغامر كثيرًا حتى لا «ينتكس» التاريخ مجدّدًا.
فلسفة التاريخ عند جعجع في عمقها تقوم على القوة لكن مع قشرة مرتبطة بإيمانه المسيحي. لم يكن رهان جعجع المديد في تقدّم التاريخ على الربّ بل على صعود المحافظين الجدد واليمين "الإسرائيلي" منذ التسعينيات وهما كانا يعلنان بوضوح سعيهما للإطاحة بكل من سوريا الأسد وإيران الجمهورية الإسلامية. يرى جعجع في تحقّق واحدة من أسوأ إبادات التاريخ الحديث، أي الإبادة "الإسرائيلية" – الأميركية في المنطقة منذ عام 2023، تصديقًا لنبوءة الإنسانية والحرية الإلهية التي خطّط لها الربّ. في الحقيقة، يعتقد جعجع أن قضيته ستنتصر في نهاية المطاف لأنه ببساطة وضع مشروعه في تصرّف بطش الإمبراطورية العالمية لكنه يستر كل ذلك بافتراء على الله.