اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي السيادة معطّلة والحماية مفقودة: الجيش اللبناني يتراجع في دير ميماس بعد تقدم صهيوني

مقالات مختارة

مؤتمر باريس أمام اختبار الجنوب| المنطقة الأمنية: ورقة تفاوض أم عقيدة
مقالات مختارة

مؤتمر باريس أمام اختبار الجنوب| المنطقة الأمنية: ورقة تفاوض أم عقيدة "إسرائيلية" جديد

53

حمزة الخنسا - صحيفة الأخبار
بين دعم الجيش اللبناني والبحث عن بديل من «اليونيفل»، يطرح مؤتمر باريس سؤالاً يتجاوز التمويل والتجهيز ويتصل بقدرته على تكريس فكرة هل تعزيز حضور الدولة في الجنوب يضمن انسحاباً "إسرائيلياً" فعلياً، أم أن «المنطقة الأمنية» باتت جزءاً من معادلة إسرائيلية أبعد من شروط التفاوض؟

صحيح أن مؤتمر باريس لبحث دعم الجيش اللبناني واليوم التالي لـ«اليونيفل»، ليس جزءاً رسمياً من مفاوضات السلطة اللبنانية مع العدو الإسرائيلي التي ترعاها الولايات المتحدة، لكنه يقع في صلب المعادلة التي تحاول "تل أبيب" تكريسها لمرحلة ما بعد الحرب، والتي تتلخّص باستمرار الاحتلال حتى يتم نزع سلاح حزب الله، مع وضع الجيش اللبناني تحت ضغط المُطالبة بإثبات قدرته على الإمساك بالأرض، في ظل وجود قوة دولية لا تعتبرها "إسرائيل" بديلاً من الاثنين ولا ضمانة أمنية كافية بذاتها.

وكانت وزارة الخارجية الفرنسية قد حدّدت رسمياً ثلاثة أهداف للمؤتمر هي تقييم الوضع الأمني، وسماع احتياجات الجيش وقوى الأمن، وتنسيق الشركاء حول كيفية تعزيز قدراتهما، ما يعني أن اجتماع الأمس لم يكن مؤتمر المانحين النهائي بالمعنى الذي تُعلِن فيه الدول عن مبالغ وتعهدات مالية محدّدة، بل كان اجتماعاً تحضيرياً ضمن «مسار العقبة»، والهدف منه تحديد احتياجات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، والاتفاق على الأولويات، ثم أخذ الدول المشاركة هذه الطلبات إلى عواصمها تمهيداً لمؤتمر دعم المانحين لاحقاً.
«القلق الأكثر إلحاحاً» من وجهة نظر العدو هو الفراغ الذي سينشأ بعد انتهاء مهمة «اليونيفل» نهاية السنة؟ وسط خيارات بديلة بينها قوة متعدّدة الجنسيات خارج مظلة الأمم المتحدة، أو مهمة بقيادة الاتحاد الأوروبي، على أن تتركّز وظيفتها على التدريب والتجهيز وتبادل المعلومات الاستخبارية وتقديم المشورة للجيش اللبناني.

هذه الصيغة تلتقي جزئياً مع ما تطلبه إسرائيل بأن يصبح الجيش اللبناني الجهة القادرة على تنفيذ الترتيبات الأمنية، وبما ينسجم مع الاتفاق الإطاري الذي أنتجته «الرعاية» الأميركية، والذي يقوم على انسحاب "إسرائيلي" تدريجي بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح حزب الله. إلا أن ما تقوله "إسرائيل" منذ أسابيع يشي بأن الربط بين هذه العناصر لم يعد آلياً، بل أصبح تعزيز الجيش اللبناني شرطاً ضرورياً للانسحاب، لكنه ليس شرطاً كافياً بعد.

وكان رئيس أركان جيش العدو إيال زامير قال الأربعاء الماضي، إن الجيش اللبناني يحتاج إلى أن «يحسّن بشكل كبير فاعليته على الأرض»، وإن هدف نزع سلاح حزب الله لا يمكن دفعه ضمن «اتفاق مرغوب مع الحكومة اللبنانية» طالما لم يحدث ذلك. وأكّد في الوقت نفسه أن جيش الاحتلال "الإسرائيلي" مُصمِّم على منع عودة الحزب إلى جنوب الليطاني وإعادة بناء بناه العسكرية. وكان سبقه الى الموقف، بنيامين نتنياهو نفسه ووزير حربه يسرائيل كاتس بالقول إن عملية علي الطاهر أكملت «ترسيخ المنطقة الأمنية في جنوب لبنان»، وإن جيش الاحتلال سيبقى فيها لمنع حزب الله من إعادة بناء قدراته. ولاحقاً، رفع كاتس السقف، مُعلِناً أن "إسرائيل" لن تنسحب أو تعيد انتشار قواتها قبل نزع سلاح حزب الله «في لبنان كله»، لا جنوب الليطاني فحسب. وهو ما يوسّع عملياً الشرط "الإسرائيلي" من مهمة أمنية مرتبطة بالمنطقة الحدودية إلى ملف داخلي لبناني شامل، ويترك من دون جواب واضح السؤال عن المعيار الذي ستعتبر "إسرائيل" عنده أن نزع السلاح قد تحقّق بالقدر الذي يسمح بالانسحاب.

يمكن قراءة مؤتمر باريس كاختبار مباشر لأحد المبرّرات التي تقدّمها "إسرائيل" لبقاء احتلالها في الجنوب

من هنا يمكن قراءة مؤتمر باريس كاختبار مباشر لأحد المبرّرات التي تقدّمها إسرائيل لبقاء احتلالها في الجنوب. فإذا كان الجيش اللبناني، بحسب "تل أبيب"، غير قادر بعد على منع عودة حزب الله، فإن المؤتمر يحاول توفير المال والسلاح والتدريب والاستخبارات التي يُفترض أن ترفع هذه القدرة. وإذا كانت "إسرائيل" تشكّك منذ سنوات في قدرة «اليونيفل» على تنفيذ القرار 1701، فإن الصيغ التي بُحثت أمس لا تهدف، مبدئياً، إلى إنشاء «يونيفل 2»، بل إلى بناء آلية دولية داعمة للجيش اللبناني.

وهذا التفصيل يتناسب مع الموقف "الإسرائيلي" المُعلن من القوة الدولية. ففي عرض رسمي لموقفها من الحرب في لبنان، تقول الخارجية "الإسرائيلية" إن "إسرائيل" «لن تعهد بأمنها إلى قوات أجنبية»، وتستشهد بتجربة «اليونيفل» لتبرير هذا الموقف. كما أن "إسرائيل" والولايات المتحدة لم تعلنا تأييد طلب لبنان وفرنسا تمديد مهمة «اليونيفل»، في وقت يناقش فيه الأوروبيون بدائل لما بعد نهاية المهمة.
وعليه، فإن البديل الدولي الذي قد لا تعارضه "إسرائيل" ليس قوة تفصل بينها وبين لبنان ثم تطلب منها الانسحاب، بل صيغة تساعد الجيش اللبناني على تنفيذ المهمة الأمنية فيما تحتفظ هي بحرية تقييم نتائجها. وهنا تكمن العقدة، إذ مَن يقرر أن الجيش اللبناني أصبح «فاعلاً بما يكفي»، ومن يحدّد أن حزب الله نُزع سلاحه بالقدر المطلوب؟.

هذا التناقض يتوضّح أكثر مع التحوّل في العقيدة العسكرية للعدو، حيث يعتبر جيش العدو السيطرة داخل لبنان كجزء من مفهوم دفاعي جديد يقوم على منع التهديد قبل وصوله إلى الحدود. وتلة علي الطاهر، الواقعة على نحو 15 كيلومتراً من الحدود، أصبحت نموذجاً لهذا المنطق بعدما أعلنت "إسرائيل" «السيطرة العملياتية» عليها ثم ربط نتنياهو وكاتس العملية بتثبيت «المنطقة الأمنية». وهذا يقود الى استنتاج واقعي مفاده أن مؤتمر باريس يتحرك - شاء المشاركون فيه أم لا - في قلب المعضلة التي صنعتها "إسرائيل" ورمتها في حضن السلطة اللبنانية، باشتراطها استعادة الدولة لسلطتها في الجنوب قبل أن تنسحب منه.

ويقول المقرّبون من الرئيس عون إن أهمية المؤتمر الحقيقية تظهر إذا تحوّلت مُقرّراته إلى برنامج ملموس لرفع قدرات الجيش وانتشاره، وإذا أمكن إنشاء آلية دولية موثوقة لما بعد «اليونيفل». وعندها، يعتبرون أن الاختبار ينتقل من بيروت إلى "تل أبيب". فإذا تحسّنت قدرة الجيش، وتقدّم ملف السلاح، ولم تعد حجة «الفراغ» قائمة، يصبح السؤال أكثر مُحرِجاً لـ"إسرائيل" عمّا إذا «المنطقة الأمنية» ورقة تفاوضية يُفترض أن تنتهي عند تحقّق الشروط، أم أنها تحوّلت إلى مُكوِّن دائم في العقيدة الأمنية "الإسرائيلية" الجديدة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة