إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الخميس (06 آب/أغسطس 2026)، بتحليل التطورات المستمرة في ميدان الدبلوماسية والحرب، حيث ركزت بعض التقارير على قضية تراجع مخزون الأسلحة الأميركية الدفاعية ودور هذا الأمر على قرارات الحرب والسلم الأميركية، كما اهتمت بتحليل قضية الاتفاق الإيراني العماني على ممرات مضيق هرمز ودوره في إعادة الترتيبات في المنطقة.
كيف استطاعت إيران إضعاف آلة الحرب الأمريكية؟
بداية، كتبت صحيفة همشهري: "تعاني جغرافية السياسة الدولية، من أشد أشكال الفوضى اضطرابًا هذه الأيام. فالمواجهات غير المتكافئة تُزعزع أركان الجيوسياسة، وفي خضم هذه التطورات المتسارعة، لا تنفتح أو تُغلق أي نافذة جيوسياسية بمعزل عن الأخرى. كل أزمة تُؤثر على أزمة أخرى في منطقة مختلفة من العالم، وتُعيد ترتيب موازين القوى. في منطق النظام الدولي، يُعيد تزايد وتيرة الأزمات تعريف البيئة الأمنية للقوى المهيمنة على الصعيد العالمي. فإذا كان التنافس بين الشرق والغرب حتى الآن يُحلل بشكل أساسي على جبهتي حرب الاستنزاف في أوكرانيا والردع في مضيق تايوان، فإن دخول إيران إلى قلب هذه الصراعات قد غيّر بنية ميزان القوى. لم تعد طهران مجرد لاعب إقليمي، بل أصبحت ثقلًا بنيويًا في معادلة القوى بين الولايات المتحدة ومحور الصين وروسيا.
وبحسب الصحيفة، تؤكد التقارير الأخيرة، بما فيها تقييمات شبكة "سي بي إس" والتحذيرات السابقة لصحيفة "وول ستريت جورنال"، حقيقةً مُرّة: وهي أن الاستهلاك السريع وغير المتوازن لاحتياطيات الأسلحة الاستراتيجية الأمريكية في المواجهة مع إيران قد شكّل تحديًا خطيرًا أمام واشنطن في الحفاظ على التوازن العسكري. إن اختلال التوازن في ترسانة الأسلحة الأمريكية حدثٌ لم يكن متوقعًا حتى في أكثر تقديرات البنتاغون تشاؤمًا. ومع ذلك، فقد دفعت الضغوط العسكرية المتزامنة من أوروبا الشرقية إلى غرب آسيا والشرق الأقصى واشنطن إلى نقل بعض أسلحتها من الجبهة الأوكرانية إلى مناطق أخرى، وفقًا لمتطلبات استراتيجية الدفاع الوطني".
وقالت الصحيفة "ما تجاهله ترامب في حساباته هو محدودية القدرة الاستراتيجية الأمريكية. لا تستطيع الولايات المتحدة في الوقت نفسه دعم حرب استنزاف في أوروبا والحفاظ على الردع ضد الصين في شرق آسيا، مع تحمل تكاليف المواجهة المباشرة وغير المباشرة مع إيران دون تقويض قوتها العسكرية".
إلى جانب هذا الخلل في ميزان القوى، تراقب الصين وروسيا عن كثب تحركات البنتاغون ونقاط ضعفه. في الوقت نفسه، تمكنت إيران من بناء سلسلة استراتيجية مع بكين وموسكو بربط صراعها الإقليمي بميزان القوى العالمي؛ وهو متغير زاد من تعقيد حسابات واشنطن للمكاسب والخسائر.
ووفق الصحيفة، لا يقتصر دور إيران في هذه المعادلات على كونه تكتيكًا قصير الأجل، بل هو إعادة تعريف لموقعها الهيكلي في النظام الدولي.
أولًا، استطاعت إيران فرض أعلى معدل استهلاك لأغلى احتياطيات الدفاع لدى الولايات المتحدة وحلفائها بأقل تكلفة استراتيجية؛ وهو نمط من عدم تناسق التكلفة الذي شكّل تحديًا لحسابات البنتاغون. السؤال الأساسي هنا هو أن ترامب دخل الساحة بهدف تدمير القدرة النووية الإيرانية، لكنه يتحدث اليوم عن تفاهم بشأن مستقبل مضيق هرمز.
ثانيًا، تعزز موقع طهران الاستراتيجي بالنسبة لموسكو وبكين. لم تعد إيران مجرد حليف إقليمي أو مشتري للأسلحة، بل أصبحت فاعلاً يخلق وقتاً استراتيجياً للصين في شرق آسيا ولروسيا على الجبهة الأوكرانية من خلال إشراك القدرات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط؛ وهي قضية تم تناولها أيضاً في وثائق الأمن القومي الأمريكي.
ثالثًا، تغيرت حسابات واشنطن. فقد اعتقد ترامب أن مهاجمة إيران ستجلب نصرًا سريعًا وغير مكلف، لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن كسر الجمود في الشرق الأوسط دون الاعتراف بالثقل الاستراتيجي لإيران أصبح معادلة معقدة وصعبة بالنسبة للبيت الأبيض.
فالصدوع الجيوسياسية التي كانت تُعتبر في السابق نقاطًا منفصلة على خريطة العالم، تعمل الآن كنظام واحد. كما أثرت التطورات المتعلقة بإيران على معادلات أوكرانيا وتايوان. فمن خلال استغلال قدراتها غير المتكافئة، حوّلت طهران نفسها إلى عامل مستقل في التوازن بين الشرق والغرب، وتدرك واشنطن الآن أكثر من أي وقت مضى أن ثمن احتواء إيران لا يقتصر على الخليج فحسب، بل يمتد أيضًا إلى تقليص قوة الردع الأمريكية في أوروبا الشرقية وشرق آسيا".
مسار ترامب الفاشل
هذا؛ وكتبت صحيفة وطن أمروز: "يبدو أن الاتفاق بين إيران وعُمان بشأن الترتيبات المستقبلية لمضيق هرمز قد وصل إلى مراحله النهائية. وقد شهدت المفاوضات التي استمرت شهرين بين البلدين الساحليين لأهم ممر مائي استراتيجي في العالم تقدماً فنياً وقانونياً، وإذا لم يكن هناك أي عرقلة أو تدخل من الولايات المتحدة، فيمكن اعتبار هذه العملية مكتملة عملياً. ويستند هذا التقييم إلى تصريحات رسمية من مسؤولين في بلادنا. وقد أُغلق مضيق هرمز، وهو أهم ممر للطاقة في العالم، والذي يمر عبره أكثر من خُمس نفط العالم، قبل خمسة أشهر في أعقاب الحرب العدوانية التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران. والآن، باتت طهران ومسقط على وشك الإعلان عن ترتيبات من شأنها أن تُعيد صياغة معادلات الملاحة في هذا الممر المائي لسنوات قادمة.
وتابعت الصحيفة، في هذا الصدد، أفاد مصدر مطلع لهيئة الإذاعة الإيرانية بأن الاتفاق المحتمل بين إيران وعُمان بشأن مضيق هرمز لا علاقة له بالفتح الفوري لهذا الممر المائي، وأنه في حال استمرار الانتهاكات الأمريكية، فلن يُفتح المضيق حتى مع وجود اتفاق. هذا الموقف الواضح يعني أن الاتفاق بين طهران ومسقط بشأن مضيق هرمز لا يعني بأي حال من الأحوال تجاهل إيران للتحركات الأمريكية. وقد أكدت إيران مرارًا وتكرارًا أن الاتفاق الثنائي مع عُمان مُحدد بمعزل عن السلوك العدائي لواشنطن، وأنه طالما استمر الحصار البحري للموانئ الإيرانية والتهديدات العسكرية، فلن يكون أمن الملاحة في المضيق مضمونًا. بعبارة أخرى، تسعى طهران إلى الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي وإظهار أن الفتح الكامل للممر المائي مشروط بإنهاء الأعمال العدوانية الأمريكية. لفهم أهمية هذا الاتفاق المحتمل بشكل أدق، ينبغي النظر إلى الوضع قبل الحرب. قبل بدء العدوان العسكري الأمريكي الإسرائيلي على إيران، كان المسار الذي تسلكه السفن وناقلات النفط لعبور مضيق هرمز مسارًا وسطيًا يمر عبر منتصف المضيق. بعد اندلاع الحرب ورد إيران على الإجراءات الأمريكية، أغلقت طهران المضيق. ولأن أي حركة مرور دون موافقة الجمهورية الإسلامية كانت شبه مستحيلة، أنشأت إيران ممرًا بحريًا قرب سواحلها، وأعلنت أن على السفن المرور عبره لضمان سلامة الملاحة. والآن، في ضوء تصريحات بقائي بالاتفاق على إحداثيات هذا الممر، ثمة احتمال كبير أن يكون هو نفسه المسار الوسطي الذي كان قائمًا قبل الحرب، مع اختلاف جوهري يتمثل في أن إيران ستسيطر عليه وتديره هذه المرة.
وأضافت "لهذا السبب تحديدًا، تُقيّم وسائل الإعلام الأمريكية هذا الاتفاق على أنه ترسيخ لرغبة طهران في السيطرة على مضيق هرمز وفشل لترامب. وقد صرّح مسؤولون في الحكومة الأمريكية، بمن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو، مرارًا وتكرارًا، حتى قبل أيام قليلة، بأن إيران لا تملك الحق في السيطرة على مضيق هرمز. مع ذلك، يُظهر التقدم المُحرز في المفاوضات الإيرانية العمانية أن الواقع على الأرض ونفوذ إيران بعد الحرب قد وضعا واشنطن في موقفٍ محدود الخيارات، مُجبرةً إياها على الرضوخ لمطالب إيران".
الطريق الوحيد للمقاومة
بدورها، كتبت صحيفة كيهان: "للحرب الأمريكية ضد إيران ثلاثة أبعاد: ما وراء النص، والنص، وما بعد النص. يتمثل البعد ما وراء النص لهذه الحرب في أن ترامب كان يبحث أولًا عن لعبة بوكر مبنية على أوهام هوليوود وتحقيق أهدافه في ثلاثة أيام، وكان يحاول جر إيران إلى لعبته، لكن إيران جعلت ترامب يلعب على رقعة الشطرنج الخاصة بها، وبفهمها الصحيح، أدارت لعبته وحولت كلمات الشهيد سليماني إلى حقيقة: إذا بدأتم الحرب، فسنحدد نهايتها!. لذلك، فإن ترامب، بدون استراتيجية، يقع في حلقة مفرغة من حساباته الخاطئة.
وتابعت "ثانيًا، يكمن انتصار إيران الاستراتيجي في أنها أظهرت للعالم أن القوة العسكرية، حتى مع امتلاكها قنبلة نووية، لا تعني بالضرورة النجاح والنصر الاستراتيجي. ونتيجةً لذلك، فإن جوهر هذا الصراع يكمن في أنه على الرغم من تفوق أمريكا عسكريًا، إلا أنها عجزت عن فرض إرادتها السياسية على الشعب الإيراني، لدرجة أن ترامب نفسه، في حالة يأس، اضطر للاعتراف بذلك وبخطئه في تقدير أن صمود الشعب الإيراني هو سبب إخفاقاته المتكررة في إجبار إيران على التراجع والاستسلام؛ وهذا هو سر تهديدات ترامب المتكررة وتراجعه عنها. والأهم من ذلك، أن أمريكا، بقوتها العظمى، انتقلت من ادعاء تدمير ونهب النفط، وإعادة إيران إلى العصر الحجري، واستسلامها في غضون ثلاثة أيام، إلى الاعتراف بعجزها العسكري بعد خمسة أشهر، وأن أملها الوحيد هو محاولة زيادة تكلفة سياسات إيران.
وتابعت الصحيفة "لكن نص الحرب، وفقًا لصحيفة الغارديان، يقول إنه بالنظر إلى انتشار الصراعات في جميع أنحاء الشرق الأوسط من السعودية والعراق واليمن إلى الأردن ومصر، وحتى السفن الروسية والهندية، فإن الحرب ضد إيران خارجة عن سيطرة ترامب، ويواجه البنتاغون واقعًا متزايدًا بعد أشهر من الصراع، ويدرس ما إذا كان بإمكانه الاستمرار في الاتجاه الحالي للهجمات الانتقامية أم لا! من جهة أخرى، دفعت قدرات إيران وتطويرها لإمكانيات وأدوات جديدة، إلى جانب الإخفاقات المتكررة للولايات المتحدة، الميدان إلى الاعتراف بأن إيران تمتلك زمام المبادرة في تحييد سيناريوهات العدو والرد على العدوان. ويتجلى هذا الأمر بوضوح في اعتراف قائد القيادة المركزية الأمريكية بعجز أمريكا عن فتح مضيق هرمز".
وأضافت "ويؤكد معظم المحللين أيضاً أن إيران لم تعد تقاتل لمجرد الرد على الهجمات الأمريكية، بل تعمل على وضع ترتيبات أمنية جديدة للخليج وتغيير موازين القوى في غرب آسيا من خلال سيطرتها على مضيق هرمز".
ونتيجة لذلك، تتفاعل إيران مع أي تصعيد للتوتر وتعكسه عبر أسواق الطاقة والأسواق المالية، من سنغافورة إلى لندن، ومن فرانكفورت إلى نيويورك. وتُظهر العديد من التقارير العسكرية والسياسية والاقتصادية الموثوقة والمنشورة أنه، خلافاً للدعاية السائدة، لا يمكن للعالم تجاوز مضيق هرمز، حتى مع وجود خطوط أنابيب ومشاريع بقيمة 200 مليار دولار!
السبيل الوحيد المتبقي هو المقاومة في المضيق والشوارع..
أولًا، أحد مكونات هذه المقاومة، كما نصح به وحذر منه قائد الثورة، هو الثقة في مسؤولي البلاد وقواتها المسلحة، ويجب ألا نتأثر بالحرب النفسية التي يشنها ترامب ووسائل الإعلام الأمريكية الصهيونية، التي لا أمل لها الآن سوى كسر التحالف المقدس مع إيران.
ثانيًا، القضية الوحيدة المطروحة هي الاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري الأمريكي المفروض عليها، حتى لو تطلب الأمر إشعال فتيل الحرب في المنطقة وتوسيع نطاقها.
ثالثًا، ستُحل قضايا مثل العقوبات وتجميد الأصول، فضلًا عن القضية النووية، تلقائيًا، وستُحذف من جدول الأعمال ومن النقاش، من خلال الحفاظ على مضيق هرمز واستقراره، وأي حديث عنها الآن هو مضيعة للوقت ووسيلة للضغط على أمريكا.
رابعًا، على الرغم من أن المفاوضات الثنائية مع عُمان بدأت قبل أسابيع ولا علاقة لها بتهديدات ترامب، وأن إيران فصلت بذكاء مسألة أي اتفاق مع عُمان عن مسألة فتح مضيق هرمز إلى حين زوال التهديدات الأمريكية؛ إلا أنه في ظل الأجواء التي خلقتها وسائل الإعلام الغربية بادعاء أن ترامب قد منح إيران مهلة للتوصل إلى اتفاق مع عُمان بشأن مضيق هرمز، يجب توخي الحذر من تضليل ترامب واستغلاله للمفاوضات مع عُمان، محاولًا نسب نتيجة الاتفاق المحتمل إلى نفسه، والتلميح إلى النصر نتيجة لتهديداته!".