عربي ودولي
كتب بيتر ساليسبري وولف-كريستيان بايس وهنري طومسون مقالة، نشرت في مجلة فورين أفيرز، قالوا فيها إن قدرة إيران على الاستمرار في معاقبة الولايات المتحدة وحلفائها شكلت مفاجئة عند العديد من الاستراتيجيين والمحليين.
تحدثت المقالة عن خلل في المقاربة التي أدت إلى الحرب مع إيران، فأشارت إلى أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" عندما شنا الحرب انطلقا من نظرية روج لها أميركيون مؤيدون لتغيير "النظام" (في إيران) واستراتيجيون "إسرائيليون" على مدى سنوات. مشيرة إلى أن هذه النظرية تقول بالقدرة على القضاء على "النظام الإيراني" بضرب الاقتصاد والقيادة ومنشآت السلاح وخطوط الامداد المركزية، وذلك بالقوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية. وفقًا لهذه النظرية ستوجه بالتالي ضربة قاضية إلى حلفاء إيران، إذ إن النظرية تقول إن "قطع رأس الأخطبوط في طهران" سيؤدي إلى القضاء على "الأذرع"".
تابع كاتبو المقالة بأن مثل هذه الاستراتيجية ربما كانت نجحت قبل عقدين من الزمن، فالعلاقة بين إيران وحلفائها حينها كانت أقل تعقيدًا، حيث كان يمر السلاح والتكنولوجيا والمعرفة عبر طهران. أما اليوم؛ فقالوا إن العلاقة مترابطة بشكل يشبه الشبكة التي تعيد انتاج نفسها، حيث يمكن وضع المعرفة والموارد وحتى ألية صنع القرار في أماكن عدة مختلفة في الوقت نفسه. كما أضافوا بأنه عندما "يقتل" قائد أو تقصف مواقع إنتاج أو مخزن وقطع خط إمداد، فإن المجموعات المعنية تتكيف وتقوم سريعًا بتعيين قائد بديل وملئ الثغرات في المعرفة التقنية المطلوبة لإنتاج السلاح وإعادة تشغيل خطوط الإمداد عبر المسارات البديلة.
ونبّه الكتّاب من أن واشنطن لم تعد تستطيع بالتالي الاعتماد على تكثيف الضغوط السياسية والعقوبات والضربات العسكرية، فيتعين عليها الآن النظر في احتواء إيران وأقوى حلفائها، وربما التوصل إلى اتفاقيات معهم. كما أشاروا إلى أن حركة حماس وحزب الله و"الحوثيين" (أنصار الله) يستطيعون إنتاج ونشر المُسيّرات الهجومية، حيث يقومون بإطلاق هذه المُسيّرات على أهداف تقع على بعد 1600 ميل.
كذلك قال الكتّاب إن هذه المجموعات أصبحت مع مرور الوقت تتولى أدوارًا عادة ما يؤديها المجمع الصناعي العسكري في الدول الغنية.
وتابع الكتّاب بأن التكهنات الأميركية و"الإسرائيلية" عن هزيمة إيران والمحور لم تلتفت إلى تحول مهم حصل في طريقة تنظيم قوات حرس الثورة وحلفائها لقدراتهم العسكرية والتنظيمية. كما أضافوا بأنه وبينما كانت ترتكز المعرفة العسكرية والتقنية في قوات حرس الثورة، أصبحت موجودة ضمن نظام أوسع مترابط. كذلك تحدثوا عن خطوط إمداد جديدة؛ حيث تنقل القطع بشكل منفصل في أنحاء مختلفة في العالم، ويجري تركيبها قرب نقطة الاستخدام.
أضاف الكتّاب بأن الأدوات التي كانت تستخدم في الاستراتيجية الأميركية في مواجهة إيران وحلفائها، مثل العقوبات والتصنيف الإرهابي والتلويح بإجراءات عقابية ضد من يشتبه بتورطه بالعمل مع المجموعات المصنفة، كانت تحقق النتائج على صعيد مواجهة انتشار السلاح في أوائل القرن الحالي، إذ إن الولايات المتحدة وحلفاءها كانوا يسيطرون على غالبية الصادرات والمعابر التجارية وشبكات التمويل من أجل شراء السلاح ونقله.
كذلك قال الكتّاب إن الولايات المتحدة وحلفاءها استطاعوا، في العقود الماضية، تقويض برنامج إيران للمُسيّرات باستهداف الأفراد والشركات التي يشتبه في أنهم زودوا طهران بالقطع. إلا أنهم لفتوا إلى أن المنتجين الصينيين أصبحوا ينتجون السلع الوسيطة المطلوبة من أجل انتاج المُسيّرات بوتيرة متزايدة وتكلفة أقل. كما لفتوا إلى أن الصين لا تقيد بيع العديد من القطع المستخدمة لإنتاج المُسيّرات المسلحة، وبيكين في الكثير من الأحيان ترفض اتخاذ إجراءات عقابية بحق الشركات الصينية التي فرضت عليها عقوبات أميركية بسبب بيعها هذه القطع.
ونبّه الكتّاب إلى أن إيران والمجموعات في المحور يستطيعون إنتاج المُسيّرات من طراز Abadil-T باستخدام مواقع صينية مثل Alibaba، وبتكلفة نحو 1500 دولار. كما أشاروا إلى أن حجم التجارة العالمية يجعل من شبه المستحيل تعقب الشحنات من الصين، حتى بالنسبة إلى الدول المقتدرة.
عقب ذلك تحدث الكتّاب عن ضرورة اعتماد استراتيجية جديدة، وقالوا إن المقاربة الأفضل تبدأ بالاعتراف بأن التعويل على القوة العسكرية والحرب الاقتصادية وحده لن يؤدي سوى إلى دورات متكررة من النزاع، والتي قد تجر الولايات المتحدة إلى حرب جديدة مفتوحة الأمد في منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط).
ختم الكتّاب بأنه يتعين على واشنطن وضع أولوية على مزيج ما بين تعطيل شبكات المحور التجارية والمالية، مؤكدين أن واشنطن لا تستطيع أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء. والرغبة في انهيار إيران وحلفائها في المنطقة لن تكون كافية للقضاء على هذه "الشبكة القوية"، والمطلوب أفكار جديدة.