اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي وفد من قيادة حزب الله في البقاع يزور عائلة الشهيد حسن الأشعل في بلدة الخضر 

مقالات

عندما تحل التزكية محل التحقيق: أسئلة حول معايير العهد في التعيين والاحتضان السياسي
🎧 إستمع للمقال
مقالات

عندما تحل التزكية محل التحقيق: أسئلة حول معايير العهد في التعيين والاحتضان السياسي

86

كاتب من لبنان

استقبل رئيس الجمهورية جوزاف عون رئيس جهاز أمن مطار بيروت العميد فادي كفوري، واطلع منه على "حقيقة الأوضاع الأمنية والإجراءات المتخذة في مطار بيروت"، كما "أثنى على الجهود التي يبذلها العميد كفوري في حفظ أمن المطار"، وفق خبر وزعته الرئاسة الأولى.

الخبر يبدو عادياً، لكنه يصبح لافتاً بعد ما نُشر من معلومات صحافية في الأيام السابقة له؛ فبحسب تقرير أعده الصحافي رضوان مرتضى، تُحقّق الشرطة البريطانية في "تورّط العميد فادي كفوري في عمليات تهريب أسلحة إلى لبنان بطريقة غير شرعية، وثمة ثلاثة لبنانيين على الأقل (سابين كريكليان، وداني حداد، وشربل عقل) أوقفتهم الشرطة البريطانية في هذه القضية، بعدما تورّطوا -مع آخرين- في عمليات نقل السلاح من دون معرفتهم بأنها غير قانونية، إذ اعتقدوا أن عمليات النقل هذه تحظى بشرعيةٍ ما، لأنها تتم لحساب رئيس جهاز رسمي". وتشير مصادر معلومات مفتوحة عبر الإنترنت إلى أن هناك قضية جنائية مطروحة بالفعل أمام محكمة التاج في آيلورث Isleworth Crown Court تحمل الرقم 91NC2096926 ، وتظهر فيها أسماء المتهمين الثلاثة أعلاه، لكن المصادر البريطانية تكتمت على طبيعة التهم الموجهة إليهم لأسباب غير واضحة. 

وأثارت هذه القضية أسئلة عدة: ألا تتطلب معلومات مثل هذه تحقيقاً، خاصة أنها تتعلق بعمل مرفق حيوي أساسي مثل مطار بيروت؟ هل يطّلع الرئيس من ضابط تحيط به شبهات على "حقيقة الأوضاع الأمنية والإجراءات المتخذة في المطار"؟! أوما كان بإمكان رئيس الجمهورية أن يبعد موقعه عن قضية قد يتبين لاحقاً أن فيها مخالفات تمس مصداقية خطاب القسم عن احترام القانون؟ 

ثمة من قرأ استقبال الرئيس عون للعميد كفوري وهذه الثقة الزائدة بأدائه، على أنها بمثابة غطاء سياسي لاستمرار الأخير في إدارة أمن المطار، حتى لو كانت هناك قضية مفتوحة من جانب جهات قضائية غربية، وليس من داخل لبنان.  

هذه ليست المرة الأولى التي يمنح فيها الرئيس عون دعمه لأشخاص تدور حولهم شبهات، بل وقد يكونون مدَّعى عليهم بالفعل، كما حصل حين أقر مجلس الوزراء في بداية العام الجاري ترقية غراسيا القزي من عضو في المجلس الأعلى للجمارك إلى مديرة عامة للجمارك، وسط جدل واسع واعتراضات من أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت نظراً لكونها مدَّعى عليها في ملف التحقيق بالقضية، بينما استندت الحكومة إلى مبدأ قرينة البراءة. وأتى تعيين القزي بدعم من رئيس الجمهورية. وتساءل كثيرون: كارثة بحجم انفجار مرفأ بيروت ألم تكن تستلزم تغيير طاقم إدارة العمل في المرفأ لضخ دم جديد في عهد جديد؟ ألا يمكن أن تؤثر هذه التعيينات "المدعومة" لأشخاص في دائرة الاتهام على سير التحقيقات التي لم تنتهِ بعد؟ هل تبرر قرينة البراءة في قضية قيد التحقيق ترقية موظف إلى رتبة أعلى، أم تفرض إبقاءه في موقعه الحالي أو تعليق مهامه مؤقتاً كما هو المعتاد في مثل هذه الحالات الخطيرة؟ ولماذا لم تسْرِ هذه القرينة على موظفين آخرين في المرفأ؟ يُذكر أنّ القاضية غادة عون كانت قد أحالت القزي إلى قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان نقولا منصور مرتين عامي 2019 و2021، بجرائم تتعلق بالإثراء غير المشروع والهدر، ووجّهت كتاباً إلى وزير المال طلبت فيه كفّ يدها عن العمل ومنعها من السفر.

وفي سياق الحديث عن القضايا التي أثارت تبعات قانونية وسارع العهد إلى احتضانها، استقبال الرئيس جوزاف عون في الشهر الأول لانتخابه الصحافية ليال الاختيار، بعد القضية التي رُفعت بحقها بسبب مقابلتها مع المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي على شاشة "العربية" ومناداته بـ"الأستاذ أفيخاي"! فقد رُفعت عليها دعوى في بيروت بشأن التواصل مع العدو انطلاقاً من كونها مواطنة لبنانية وتخضع للقانون اللبناني الذي يجرّم هذا التواصل، ولكن تم ترتيب مخرج لها بجلسة تحقيق صورية عقب وصولها الى المطار، حيث تمّ اصطحابها من قبل جهاز أمني إلى قاضي التحقيق الأول في بيروت فادي صوان الذي استجوبها وأخلى سبيلها مباشرة. ثم بادر رئيس الجمهورية إلى استقبالها في القصر الرئاسي وسمح بالتقاط الصورة التذكارية معها، وبعد اللقاء نشرت صورة جمعتها به عبر إنستغرام، وكتبت: "فخامة الوطن.. شكراً"!! ولم يتضح حينها لماذا وضع رئيس الجمهورية نفسه في موقع الدفاع عن الاختيار: هل هو بسبب عملها في قناة سعودية، أم لأنه كان يدرك أن التطبيع مع إسرائيل آتٍ، وفقاً لمقولة: "أنتم السابقون ونحن اللاحقون"؟!

وعام 2017، دوّت قضية قرصنة إلكترونية وُصفت بأنها أكبر عملية قرصنة بتاريخ لبنان استهدفت مواقع إلكترونية تابعة لإدارات الدولة وأجهزة أمنية منها المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، والأمن العام، ووزارات الدفاع والعدل والداخلية والبلديات، بالإضافة إلى هيئة أوجيرو وشركات الإنترنت وصحف وداتا عائدة لمئات المواقع الالكترونية التي تم اختراقها. وتم إيقاف ثلاثة خبراء في المعلوماتية، أبرزهم خليل الصحناوي. ولم تتضح وجهة استخدام المعلومات الناتجة عن هذه القرصنة، حيث عُثر على كميات هائلة من المعلومات على حواسيب الصحناوي. وصدر حكم بالسجن لأربع سنوات ونصف السنة بحقه وبحق متهمَين آخرين يعملان معه في تموز/يوليو 2020، لكن حصلت تدخلات في عمل القضاء أفضت الى إخلاء سبيله. والمفارقة أن خليل الصحناوي يعمل الآن مستشاراً للأمن السيبراني في رئاسة الجمهورية، وهذا ليس سراً فقد نشرت صحيفة "النهار" في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2025 تقريراً عن اجتماع لجنة الإعلام والاتصالات النيابية لبحث ملف "ستارلينك"، حيث أوردت ضمن لائحة الحاضرين اسم "مستشار الأمن السيبراني والرقمي لدى رئيس الجمهورية خليل صحناوي"، وكان مشاركاً بصفته الرسمية في المناقشات إلى جانب ممثلين عن الأجهزة الأمنية وقطاع الاتصالات. والسؤال هنا: كيف أمكن تكليف شخص متورط في اختراق داتا وزارات سيادية وأجهزة أمنية ووسائل إعلام في موقع رسمي حساس ومنحه هذه الثقة؟ هل يُؤْمَن من قيامه بالاستمرار في مثل هذه الأنشطة سواء في اتجاه داتا القصر الجمهوري أو داتا بقية أجهزة الدولة، وهذه المرة بغطاء رئاسي؟ 

وبالإضافة إلى هذه القضايا، تُستعاد قضية المقدم سوزان الحاج التي فبركت عام 2014 ملفاً للممثل المسرحي زياد عيتاني عبر قرصنة حسابه الإلكتروني مستفيدةً من موقعها في مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية في قوى الأمن الداخلي، ما تسبب في سجنه نحو 4 أشهر. وأحيلت الحاج بعد انكشاف سوء استخدام وظيفتها إلى المحكمة العسكرية وجرى توقيفها وصدرت قرارات قضائية بحقها قبل أن تتفاعل القضية عبر مراحل محاكمة متعددة. وصدر قرار عام 2017 بفصلها من مؤسسة قوى الأمن الداخلي، لكنها استفادت من علاقات زوجها وشقيقه النائب هادي حبيش السياسية والقضائية لتجميد ملف طردها من السلك. وبالرغم من سلوكها غير المشرف، تم في عهد الرئيس جوزف عون تعيينها "مساعداً لرئيس الإدارة المركزية" في قوى الأمن الداخلي. ومجدداً، ما هي القيمة الإضافية التي يحصل عليها العهد من جراء ترقية أشخاص تثور حولهم شبهات مسلكية أو غيرها؟ّ! أليس من الأوْلى تقديم من تتوافر فيهم صفات النزاهة والمناقبية، وهم موجودون في أجهزة الدولة؟ ألا يكرس دعم مثل هؤلاء الأشخاص المتهمين أو المدانين سياسة الإفلات من العقاب؟ والأهم، ألا يخدش ذلك في مصداقية من يرعاهم ويشكّل ضربة لخطاب القسم وعناوين محاربة الفساد واستقلالية القضاء وبناء الدولة العادلة؟ 

نكتفي بهذه النماذج من التعاطي الرئاسي مع قضايا اختلطت فيها الحسابات السياسية بالقضاء والإدارة. وتكشف هذه الوقائع عن إشكالية تتصل بمعايير ممارسة السلطة أكثر مما تتصل بمصائر الأشخاص أنفسهم. فليس المطلوب إدانة أحد خارج القضاء، ولا مصادرة مبدأ قرينة البراءة الذي يشكل ركناً أساسياً في دولة القانون، وإنما التساؤل عمّا إذا كانت هذه القرينة تكفي وحدها لتبرير منح الثقة السياسية أو الإدارية، أو الإبقاء في مواقع أمنية وإدارية بالغة الحساسية، أو حتى الترقية إليها، فيما لا تزال ملفات المشتبه فيهم محل اتهام أو تحقيق قضائي.

ففي الدول التي تجعل من النزاهة العامة معياراً للحكم الرشيد، تصبح الثقة العامة وصورة المؤسسات وحماية التحقيقات ضرورية. ولهذا تلجأ دول كثيرة إلى إبعاد المسؤول مؤقتاً أو تجميد صلاحياته إلى حين اتضاح الحقيقة، ليس باعتبار ذلك عقوبة مسبقة، بل حفاظاً على هيبة الدولة وصوناً لصدقية مؤسساتها. من هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي تثيره هذه الوقائع لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بالنهج: ما هي المعايير التي يعتمدها العهد في منح ثقته؟ وهل ينسجم هذا النهج مع التعهدات التي تضمّنها خطاب القسم بشأن بناء دولة القانون وترسيخ مبدأ المحاسبة؟

لذلك، فإن حماية صورة الرئاسة والثقة بالمؤسسات تتطلب أخذ مسافة واضحة من القضايا المثيرة للشبهات وإرساء قاعدة مفادها أن المواقع العامة يجب أن تبقى بمنأى عن كل ما قد يثير الريبة، إلى أن يقول القضاء كلمته النهائية. بهذه القاعدة وحدها يكتسب خطاب الإصلاح صدقيته، وتتحول دولة القانون من شعار سياسي إلى ممارسة مؤسسية راسخة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة