اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي Defense One: الحرب مع إيران تقوّض الولايات المتحدة أمام الصين

مقالات

عبوة مجدل زون: اختبار للاحتلال وقواعد الاشتباك وحدود الضبط الأميركي
🎧 إستمع للمقال
مقالات

عبوة مجدل زون: اختبار للاحتلال وقواعد الاشتباك وحدود الضبط الأميركي

110

تنطلق هذه المعالجة من فرضية تحليلية لا من معطى مثبت: ماذا لو كانت المقاومة هي التي تقف خلف زرع العبوة أو تفعيلها في اللحظة التي دخل فيها الجنود "الإسرائيليون" إلى المبنى في مجدل زون؟ أهمية هذه الفرضية أنها تتيح قراءة الحادثة بما يتجاوز السؤال التقني عن توقيت زرع العبوة، إلى ما يمكن أن تعنيه سياسيًا وعسكريًا إذا كانت جزءًا من قرار عملياتي مقصود. وفي الوقت نفسه، لا تسقط هذه القراءة بالكامل إذا ثبت لاحقًا أن العبوة قديمة أو أن انفجارها وقع بصورة غير مخططة.

إذا ثبت أن العملية كانت مقصودة، فإن أولى دلالاتها تتصل بما يمكن تسميته العمل من دون بصمة واضحة. فـ"إسرائيل" لا تواجه هنا صاروخًا أُطلق من نقطة يمكن تعقبها، ولا خلية ظهرت في الميدان بصورة مكشوفة، بل احتمال قدرة خصمها على التحرك أو الإعداد أو التفعيل من دون أن يترك بصمات واضحة تسمح بتحديد المسؤولية فورًا. وهذه النقطة تحديدًا تفسر جزءًا من القلق "الإسرائيلي"، لأنها تعيد إلى الواجهة نمطًا من الاشتباك يصعب التعامل معه بواسطة التفوق الناري التقليدي وحده.

وحتى لو كانت العبوة مزروعة قبل وقف إطلاق النار، فإن فرضية أنها فُعّلت في اللحظة المناسبة تعطي الحادثة معنى مختلفًا تمامًا عن مجرد وجود مخلفات ميدانية من الحرب السابقة. فهي تعني، في هذه الحالة، أن هناك قدرة على الرصد والانتظار واختيار اللحظة، أي أن الاحتلال لا يتحرك في بيئة خاضعة بالكامل لسيطرته الأمنية. أما إذا كانت العبوة قديمة وانفجرت عرضًا، فإن الرسالة التي يفرضها الواقع على الجيش "الإسرائيلي" تظل مزعجة أيضًا: مناطق اعتُقد أنها طُهرت أو أُخضعت للسيطرة لا تزال تحتوي على أخطار قادرة على إيقاع خسائر بشرية مؤثرة.

هذا يقود إلى الدلالة الثانية، وهي أن حادثة مجدل زون قد تكون ـ إذا ثبت طابعها المقصود ـ بداية ترجمة لقرار يقوم على استهداف جنود الاحتلال وضباطه داخل مناطق انتشاره. فالمسألة هنا لا تتعلق بعملية واحدة، بل بما إذا كان الهدف هو منع "إسرائيل" من تحويل احتلالها المحدود أو المؤقت إلى واقع أمني مستقر ومنخفض الكلفة. أي إن بقاء القوات "الإسرائيلية" في مناطق جنوب لبنان قد يصبح مسألة كلفة بشرية وعملياتية متراكمة.

من هذا المنظور، فإن العبوة لا تهاجم قوة عسكرية فقط؛ بل تستهدف أيضًا فكرة تكريس الاحتلال الأمني. فـ"إسرائيل" قد تستطيع الاحتفاظ بنقاط أو مناطق، لكنها تحتاج في المقابل إلى أن تكون هذه السيطرة قابلة للإدارة بكلفة مقبولة. وإذا تحولت الحركة داخل هذه المناطق إلى مصدر دائم للمخاطر، تصبح كل دورية وكل دخول إلى مبنى وكل عملية تمشيط مسألة تحتاج إلى حسابات إضافية. وهنا تتحول العبوة إلى أداة ضغط لا على المستوى التكتيكي فحسب، بل على المستوى السياسي أيضًا، لأنها تفرض على القيادة "الإسرائيلية" استحقاقات سياسية وعملياتية.

وتكتسب هذه الدلالة أهمية أكبر عند ربطها بما يسمى الإطار الثلاثي ومحاولات ترجمته إلى واقع ميداني. فإذا كان هذا الإطار يفترض الوصول تدريجيًا إلى بيئة أكثر استقرارًا للاحتلال فإن المقاومة قادرة على فرض مخاطر عملياتية في المناطق التي يفترض أن تكون خاضعة للضبط. وهو ما يربك المخطط الأميركي "الإسرائيلي" في هذا المجال.

وفي هذا السياق، تكشف حادثة مجدل زون عن تعدد الخيارات العملياتية الممكنة لمواجهة الاحتلال. فإذا كانت الطائرات المسيّرة أو الوسائل الجوية قد فرضت في مراحل سابقة معادلات مختلفة في الميدان، فإن تكتيك العبوات يذكر بأن أدوات القتال ليست محصورة بنمط واحد. العبوة أداة منخفضة الكلفة نسبيًا، لا تحتاج إلى ظهور مباشر في الميدان، ويمكن أن تفرض على القوة المحتلة تحديات من الصعب التعامل معها، وتزيد كلفة الحركة والتمشيط والسيطرة على الأبنية والمناطق. وسياسيًا، تفتح داخل "إسرائيل" نقاشًا حول جدوى البقاء وحجم الرد وطبيعة المخاطر التي يمكن تحملها. وكلما كانت المسؤولية غامضة، ازدادت المعضلة تعقيدًا: "إسرائيل" تريد الرد للحفاظ على الردع، لكنها تحتاج في هذه المرحلة إلى تجنب الانتقال إلى مسار لا تستطيع التحكم بنتائجه.

هنا تكشف العبوة أيضًا عن وجود عوامل كابحة للقرار "الإسرائيلي". فقد أظهرت التطورات التي أعقبت الحادثة أن مجرد وقوع قتلى وجرحى في صفوف الجيش لم يكن كافيًا للانتقال تلقائيًا إلى رد واسع جدًا. جزء من ذلك يعود إلى الغموض في التحقيق، لكن الجزء الآخر يتصل بقيود أوسع تحكم حرية القرار "الإسرائيلي" في المرحلة الراهنة.

ومن أبرز هذه القيود العامل الأميركي. فواشنطن لا تنظر إلى الساحة اللبنانية بمعزل عن الحسابات الإقليمية الأشمل، وخصوصًا المسار التفاوضي مع إيران ومحاولات الوصول إلى ترتيبات تتصل بمضيق هرمز. ولذلك فإن أي توسع كبير في الرد "الإسرائيلي" قد لا يُقرأ أميركيًا فقط من زاوية لبنان، بل من زاوية احتمالات انتقال التوتر إلى مسارات أخرى وتعقيد التفاوض مع طهران.

هذا يعني أن العامل الإيراني ما يزال حاضرًا بصورة مباشرة في حسابات الساحتين الأميركية و"الإسرائيلية". فحتى عندما يكون الحدث لبنانيًا بامتياز، تبقى طريقة التعامل معه مرتبطة بمسار إقليمي أوسع. وهذه نقطة مهمة لأنها توفر للبنان مظلة حماية وردع.

لكن في المقابل، ينبغي التمييز بين وجود ضغط أميركي فعلي وبين الطريقة التي يجري تقديم هذا الضغط بها سياسيًا. فثمة محاولة، وفق هذا المنظور، لتسويق فكرة أن الولايات المتحدة كبحت "إسرائيل" حفاظًا على مفاوضات روما، بما يسمح بتقديم ذلك وكأنه إنجاز لمصلحة السلطة اللبنانية والمسار التفاوضي. غير أن هذا التوصيف يسقط فورًا عند التدقيق به. فإذا كان الطرف "الإسرائيلي" قد نفذ تهديداته وشن جولة عدوانية أوسع، فمن المرجح أن ذلك كان سيؤدي في أقصى الأحوال إلى عودة الوفد المفاوض إلى بيروت، ثم تستأنف المفاوضات بعد انتهاء الجولة العسكرية.

بمعنى آخر، الكبح الأميركي موجه أساسًا إلى منع توسع إقليمي غير مرغوب فيه أكثر من كونه دفاعًا عن مسار روما بحد ذاته.

وتظهر هنا أيضًا معضلة "إسرائيلية" أعمق. فـ"إسرائيل" من جهة تريد أن تقول إن وجودها العسكري في الجنوب يوفر لها أمنًا إضافيًا ويمنع عودة حزب الله، ومن جهة أخرى، فإن أي عملية ناجحة ضد قواتها داخل هذه المناطق تقوض جزءًا من هذه السردية، لأنها تظهر أن السيطرة على الأرض لا تساوي بالضرورة السيطرة على البيئة الأمنية. وكلما احتاجت "إسرائيل" إلى زيادة قوات الحماية، وتغيير أنماط الحركة، والحد من الدخول إلى بعض المناطق، أصبحت كلفة الاحتلال أعلى.

ومن ثم، فإن قيمة عبوة مجدل زون لا تقاس فقط بعدد القتلى والجرحى، بل بقدرتها على فرض سؤال استراتيجي: هل تستطيع "إسرائيل" البقاء في المناطق التي تحتلها من دون أن يتحول هذا الوجود إلى عبء أمني وسياسي متزايد؟

وفي المقابل، لا يعني ذلك أن الحادثة تؤسس تلقائيًا لمسار تصعيد مفتوح. فالساحة اللبنانية ما تزال، حتى الآن، أقرب إلى نموذج المواجهة المضبوطة: عمليات أو حوادث محدودة، ردود محسوبة، وضغوط سياسية وأمنية متبادلة، مع حرص الأطراف على عدم الوصول إلى النقطة التي يصبح عندها التصعيد ذاتي الحركة وغير قابل للضبط.

الخلاصة

أظهرت الحادثة أن القرار "الإسرائيلي" ليس طليقًا بالكامل، وأن هناك كوابح عملياتية وسياسية وأميركية لا تزال تمنع الانتقال السريع إلى خيارات عدوانية واسعة جدًا. وهذا يعزز الاستنتاج بأن الساحة اللبنانية ستبقى مفتوحة، في المدى القريب، على أنماط متعددة من المواجهة المضبوطة والضغط المتبادل، بينما يبقى سيناريو الحرب الشاملة مرتبطًا إلى حد كبير بالقرار الأميركي الأشمل في المنطقة وبمسار المواجهة مع إيران.

الكلمات المفتاحية
مشاركة