خاص العهد
مرة جديدة، تختار وزارة الطاقة والمياه اللبنانية الطريق الأسهل: نفي الأزمة بدل تفسيرها. فبينما تؤكد وزارة الطاقة والمياه أن "لا أزمة محروقات"، كانت مشاهد إقفال عدد من محطات الوقود، خصوصًا في الجنوب والبقاع، ترسم صورة مختلفة على الأرض، بعدما دفعت المخاوف من انقطاع المادة المواطنين إلى التهافت على المحطات المفتوحة.
الوزارة أكدت في بيان أن "مادة البنزين متوافرة"، مشيرة إلى أن متطلبات السوق يتم تسليمها في مختلف الأراضي اللبنانية، داعية المواطنين إلى عدم الهلع، لكن السؤال الذي فرض نفسه في الشارع كان مختلفًا: "إذا لم تكن هناك أزمة، فلماذا أُغلقت محطات في مناطق لبنانية عدة، ولماذا شهدت المحطات المفتوحة تهافتًا من المواطنين؟".
في جولة ميدانية لموقع "العهد" في الجنوب، لوحظ إقفال عدد من المحطات. كما لوحظ إقفال عدد من المحطات في البقاع نتيجة شح في مادتي البنزين والمازوت، في وقت كانت وزارة الطاقة "تنفي" الأزمة!!
هنا تأتي رواية نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس لتشرح ما يجري.
بواخر لم تحصل على إذن التفريغ
يقول البراكس لـ "العهد" إن الإقفالات تركزت بصورة أساسية في البقاع والجنوب، فيما اضطرت بعض المحطات في مناطق أخرى أيضًا إلى الإقفال، مؤكدًا وجود أزمة، بعكس ما ذكر بيان وزارة الطاقة.
وبحسب البراكس، فإن السبب المباشر يعود إلى عدم حصول باخرتين في بداية الأسبوع على إذن لتفريغ حمولتهما من وزارة الطاقة، على خلفية مسألة مرتبطة بنسبة الكبريت في البنزين، إذ إن المواصفات لم تكن مطابقة تمامًا للمواصفات اللبنانية. ويوضح البراكس أن نسبة الكبريت في الشحنة بلغت 16 جزءًا من المليون، بدلًا من 10 أجزاء من المليون المعتمدة وفق المواصفات اللبنانية.
وهذه النقطة تحديدًا هي التي تفسر لماذا لم تظهر المشكلة بالطريقة نفسها في كل المناطق: فالمشكلة لم تكن، انعدام البنزين من السوق اللبنانية بالكامل، وإنما تعطل جزء من دورة الإمداد في وقت كانت فيه بعض المناطق تعتمد على الكميات التي يفترض أن تصل عبر هذه الشحنات.
وبحسب البراكس، فإن هناك دولًا عديدة في المحيط تستخدم نسبًا أعلى من ذلك، وأن هذه النسبة، من وجهة نظره، لا تؤثر على محركات السيارات، لكنها تؤدي إلى انبعاثات إضافية في الهواء.
وبالتالي، فإن جوهر المشكلة لم يكن اختفاء البنزين من الأسواق، بل تأخر وصول كميات كانت تحتاج إليها مناطق محددة، نتيجة عدم السماح بتفريغ البواخر في الوقت المطلوب.
المفارقة أن الحل الذي بدأ يظهر لم يكن وصول السوق إلى وضع طبيعي من دون تدخل، بل جاء بعد اتخاذ قرار بالسماح بتفريغ الشحنات.
ويقول البراكس إن القرار اتُّخذ بعد حصول "بلبلة" في السوق، لأن الكميات لم تعد كافية لتغطية الحاجة في بعض المناطق، خصوصًا في ظل الأوضاع المحيطة بلبنان.
وبحسبه، بدأت بعض البواخر بالفعل بعملية التفريغ، فيما ستبدأ بواخر أخرى بالتفريغ، الأمر الذي من شأنه إعادة ضخ الكميات إلى السوق.
وبالتالي، إذا كانت هناك بواخر تنتظر الإذن بالتفريغ، ومحطات أغلقت أبوابها بسبب عدم حصولها على الكميات المطلوبة، فهذا يعني أن السوق شهد بالفعل أزمة إمداد، ولو أنها كانت موضعية ومؤقتة وليست نقصًا شاملًا في البنزين على مستوى لبنان كله.
الأزمة إلى الحل... ولكن بعد أيام من الاضطراب
البراكس لا يتحدث عن أزمة طويلة أو عن نفاد شامل للمادة، بل يؤكد أن الوضع يتجه إلى الانفراج.
وبحسب تقديره، غدًا الاثنين ستبدأ الأمور بالتحسن تدريجيًا، ويوم الثلاثاء يعود توزيع البنزين إلى طبيعته، مع وصول كميات إضافية إلى السوق.
ويضيف أن بواخر أكبر في طريقها إلى لبنان، مشيرًا إلى وجود خمس بواخر أكبر في عرض البحر، ما يعني أن الإمدادات المقبلة ستكون قادرة على معالجة النقص الذي ظهر خلال فترة الانتظار.
بمعنى آخر، الأزمة التي ظهرت أمام اللبنانيين ليست، وفق المعطيات المتاحة، أزمة نفاد احتياطي على المدى الطويل، وإنما أزمة تأخير في سلسلة الإمداد انعكست فورًا على محطات بعينها، ودفعت المواطنين إلى التهافت على المحطات المفتوحة.
وفقًا لنقيب أصحاب المحطات، فإن لبنان يتأثر بصورة أكبر بما يحدث في السوق الدولية للمازوت، نتيجة تداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا. ويشرح أن جزءًا من مادة المازوت يأتي عبر البحر الأسود إلى حوض البحر المتوسط، وأن روسيا اتخذت قرارًا بمنع تصدير المازوت، فيما اتخذت تركيا قرارًا بتقييد حركة البواخر بين البحر الأسود، الأمر الذي يضغط على كميات المازوت المتاحة في الأسواق الدولية. وهذا الضغط الخارجي ينعكس بدوره على السوق اللبنانية، التي تعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد، وبالتالي تصبح أي اضطرابات في طرق الإمداد أو في مصادر التوريد الدولية قابلة للانتقال سريعًا إلى الداخل. ولا يخفي البراكس كذلك أن لبنان متأثر بالأسعار العالمية للمحروقات.