نقاط على الحروف
العدو يرسم حدود كيانه في لبنان ورجي منشغل برسم سياسة "القوات"
رجي يدير ظهره لخارطة "إسرائيلية" تقضم أراض لبنانية
دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال
بيانات وزارة الخارجيّة والمغتربين:
"لبنان يدين استهداف ناقلة نفط إماراتيّة في مضيق هرمز"
لبنان يدين تهديدات الحوثيين للمملكة العربيّة السعوديّة"
"لبنان يدين الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج"
"لبنان يدين الاعتداءات على سلطنة عُمان"
"وزارة الخارجية تدين التعرض لسيادة وأمن الكويت"
"وزارة الخارجية تطلب من إيران أجوبة خطية وتذكرها بوجوب احترام قواعد القانون الدولي"
"رجي يستقبل سفير الكويت ويتسلم مذكرة تطالب بقطع العلاقات مع إيران"
"رجي: إيران تحاول خطف أمن وسلام الدول العربية والإسلامية لأهداف انتهازية"
"رجي يتصل بنظيره القبرصي ويؤكد تضامن لبنان مع نيقوسيا"
"رجي يتصل بنظيره الإماراتي متضامنًا ويتلقى رسالة دعم من الاتحاد الأوروبي"
"رجي للسفير الفرنسي المغادر: شكرًا لكل ما قدمتموه للبنان"
ما أدرج أعلاه من عناوين لبيانات تصلنا كصحفيين من وزارة الخارجية اللبنانية ليس إلا عيّنة من مواقف عديدة تصدر تباعًا عن الوزارة، في ملفات إقليمية ودولية مختلفة من الخليج الى نيقوسيا وباريس. مواقف تتنوع بين الإدانة والاستنكار والتضامن والاتصالات والرسائل والتحذيرات، وتصل إلى حد مطالبة دول أخرى بتقديم أجوبة خطية والالتزام بقواعد القانون الدولي.
لكن بين كل هذه البيانات، ثمة بيان واحد كان يفترض أن يكون بديهيًا: بيان يتعلق بلبنان نفسه، وهنا تبدو المفارقة. فوزارة الخارجية، التي تبدو حاضرة بهذا القدر في تفاصيل ما يجري خارج الحدود اللبنانية، بدت غائبة عندما تعلّق الأمر بما يجري داخلها، ليس في ملف ثانوي أو قضية هامشية، بل في مسألة تمسّ الأرض والحدود والسيادة مباشرة.
فقبل أيام، نشرت وزارة الخارجية "الإسرائيلية" على حسابها الرسمي على منصة "إكس" خريطة عن سوء التغذية لدى الأطفال، ظهرت فيها حدود المنطقة على نحو مغاير للحدود المعترف بها. وبحسب الخريطة، تم اقتطاع جزء كبير من الأراضي اللبنانية، وضمّه إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهنا، لا تبدو الخريطة مجرد خطوط وألوان، بل رؤية واضحة لمطامع "إسرائيلية" عمرها عقود. وهي تختصر كل ما يخضع له لبنان وشعبه من اعتداءات وقتل وتهجير وتدمير.
لذلك، فإن نشر وزارة خارجية العدو خريطة تقلّص مساحة لبنان، لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلًا عابرًا. إنه بمثابة "إعلان" صادر عن جهة رسمية يُفترض أنها تعبّر عن سياسة الكيان، وتجسيد فعلي لخارطة "إسرائيل الكبرى" على أرض الواقع. ما يطرح في المقابل مسؤولية الدولة اللبنانية في التصدي لأي محاولة، ولو على الورق، للمساس بحدودها وسيادتها.
لكن اللافت أن هذه المسؤولية لم تنعكس، حتى الآن، في موقف علني واضح، لا سيما من وزارة الخارجية اللبنانية. فقد بقيت الخريطة متداولة على الحساب "الإسرائيلي" أيامًا قبل أن يثار الانتباه إليها في لبنان، ثم تُحذف مساء الأحد.
وما بين تاريخ النشر وتاريخ الحذف، لا تبقى علامات الاستفهام عن مضمون الخريطة فحسب، بل عن غياب أي حس أو حركة لوزارة الخارجية. فلماذا لم نسمع إدانة واحدة من وزير الخارجية يوسف رجي، وهو الذي لا يفوّت ــ في العادة ــ مناسبة للرد على تصريح إيراني أو موقف يصدر عن مسؤول في طهران، أما عندما يتعلق الأمر بحدود لبنان وسيادته، وبخريطة صادرة عن وزارة خارجية العدو نفسها، فيبدو أن الصوت يخفت واللسان يُبلع، فلا بيان ولا من يدينون؟ بكل بساطة، لأن بيانات السيادة تتعارض مع سياسة حزب "القوات" اللبنانية، التي ينفّذها رجي في وزارة الخارجية.
وفي هذا السياق، ثمة أسئلة كثيرة تُطرح: أين رجي من خريطة تمسّ بصورة مباشرة سيادة الدولة التي يتولى تمثيلها الدبلوماسي؟ هل يحتاج الدفاع عن السيادة اللبنانية إلى كل هذا التريث عندما يكون المعتدي "إسرائيليًا"؟ وأين هي البيانات التي اعتادت وزارة الخارجية أن تُصدرها عند كل تطور إقليمي يمسّ دولة أخرى أو أمنها؟
والواقع أن خطورة الخريطة لا تكمن في خطوطها وحدها، بل في السياق الذي تأتي فيه. فالأطماع "الإسرائيلية" في لبنان ليست وليدة هذه الخريطة، ولا يمكن اختزالها في منشور على منصة "إكس". فمنذ عقود، كان لبنان، ولا سيما جنوبه، محط أطماع في الحسابات العسكرية والأمنية والسياسية "الإسرائيلية"، من الاجتياحات والاحتلال إلى استمرار احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية، وصولًا إلى الاعتداءات المتكررة التي لم تتوقف حتى اليوم.
ومن هنا، لا تبدو الخريطة مجرد خطأ في الرسم أو تفصيلًا تقنيًا في منشور إلكتروني. والتاريخ هنا ليس تفصيلًا، فـ"إسرائيل" لم تدخل الجنوب اللبناني مرة واحدة ثم تغادره لتطوي الصفحة؛ بل شهد لبنان اجتياحات واحتلالًا طويلًا، وبقيت قضايا الأراضي اللبنانية المحتلة، وفي مقدمتها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من الغجر، حاضرة.
لذلك، فإن أي إعادة رسم "إسرائيلية" للحدود اللبنانية، ولو على خريطة، لا يمكن فصلها عن هذا التاريخ، خصوصًا في الوقت الحالي، حيث عاثت "إسرائيل" ــ ولا تزال ــ احتلالًا وقتلًا وتدميرًا في لبنان، الأمر الذي يتطلب من السلطة اللبنانية موقفًا جديًا وجريئًا بدل "الهرولة" إلى مفاوضات العار والتنازل عن الحقوق.