مقالات مختارة
علي حيدر - صحيفة الأخبار
بموازاة العدوان "الإسرائيلي" على لبنان بالصواريخ والغارات، يتشكّل عدوان سياسي وإعلامي، هدفه توفير الشرعية للاحتلال، وتهيئة البيئة السياسية لما قد يأتي بعده من خطوات وضغوط وإملاءات. وهو ما يقود الى واقع ان البعض صار يضع العدوان في خانة «ردّ الفعل»، فيما تُحمَّل المقاومة مسؤولية الفعل والنتيجة معاً. وهنا يحدث الانقلاب الأخطر في السردية: يصبح وجود الاحتلال نتيجة لسلاح المقاومة، والغارات نتيجة لردّ المقاومة على الاحتلال، وهذا بالضبط ما يجعل المعركة على تفسير ما يحدث جزءاً من المعركة نفسها.
الاعتداءات الأخيرة، عمد الطرفان "الإسرائيلي" والأميركي إلى وضع المقاومة في موقع المعتدي، والعدو في موقع ردّ الفعل الدفاعي، من دون إغفال الدور الذي يلعبه الخطاب السياسي وبعض المحلّلين الذين يتبنّون خطاباً متساوقاً مع هذه الاستراتيجية. ويُطلب من الطرف اللبناني الذي يتعرّض لهذا الواقع أن يمتنع عن الرد كي لا «يمنح "إسرائيل" ذريعة».
هذه المعادلة تحمل تناقضاً واضحاً: يُسمح لـ"إسرائيل" بأن تحتل مواقع، وأن تنفّذ عمليات، وأن تحدد قواعد الاشتباك، فيما يُراد للمقاومة أن تتعامل مع هذا الواقع بوصفه أمراً محايداً لا يحق لها تغييره بالقوة. وبذلك يصبح الدفاع عن موقع متقدّم للمقاومة «تصعيداً»، فيما يتحوّل وجود الجيش "الإسرائيلي" داخل الأراضي اللبنانية إلى مجرد «واقع أمني».
تقول "إسرائيل" إنها تعمل على حماية المستوطنات الشمالية ومنع نشوء تهديد مستقبلي لها. وهذا المنطق يفرض سؤالاً بسيطاً: لماذا يجب أن تكون المنطقة الأمنية داخل لبنان لا داخل "إسرائيل"؟ إذ بمقدورها، وفق منطقها الأمني ذاته، إقامة ترتيبات دفاعية واسعة داخل ما تعتبره أراضيها: نشر الجيش بين المستوطنات والحدود، وإقامة التحصينات ومنظومات المراقبة والاعتراض، وتعزيز الجبهة الداخلية، بالتوازي مع الإجراءات التي يمكن أن يتخذها الجيش اللبناني داخل الأراضي اللبنانية. وقد كان هذا الخيار مُتاحاً في السابق، وهو مُتاح اليوم، وسيبقى مُتاحاً مستقبلاً.
لذلك، فالإصرار على أن يتحقّق "الأمن الإسرائيلي" عبر السيطرة العسكرية وفرض منطقة منزوعة القدرة العسكرية داخل لبنان، يكشف أن المسألة تتجاوز مجرد الدفاع عن المستوطنات، وتتصل بتصوّر أوسع لـ"الأمن الإسرائيلي" يقوم على نقل خطوط الدفاع إلى داخل أراضي الآخرين، وفرض بيئة استراتيجية إقليمية تتلاءم مع موازين القوة التي تريدها إسرائيل. وهو مُشابه لمنطق "إسرائيل" في تبرير احتلالها للأراضي الفلسطينية والعربية في أعقاب حرب عام 1967.
وبهذا المعنى، تصبح الذريعة الأمنية غطاءً لسياسة أوسع لا تنفصل عن الطبيعة العدوانية والتوسعية للاستراتيجية "الإسرائيلية" في لبنان والمنطقة. وعليه، لا تبدو الضربات "الإسرائيلية" منفصلة عن المسار السياسي الجاري، فالتصريحات "الإسرائيلية" نفسها تكشف الصلة بين الضغط العسكري والهدف التفاوضي.
وعندما يقول متحدّث باسم رئيس الحكومة "الإسرائيلية" إن "إسرائيل" تريد «مفاوضات جديدة وأكثر طموحاً مع لبنان برعاية أميركية»، وإن الضربات ضد حزب الله يُفترض أن تمنح تلك المحادثات «دفعاً قوياً وتجعلها أكثر جدّية»، لا نكون أمام عملية عسكرية منفصلة عن السياسة، بل أمام استخدام متعمّد للقوة من أجل تعديل البيئة التفاوضية.
الخطاب السياسي المتزامن مع الاعتداءات يعمل بصورة منهجية على وضعها في موقع «ردّ الفعل»
يتكامل هذا المسار مع خطاب أميركي يحمل، في كثير من الأحيان، المنطق نفسه. فعندما يُسأل السفير الأميركي عن موعد توقف الاعتداءات "الإسرائيلية" فيرد: «أطلبوا من حزب الله تسليم سلاحه»، فهذه رسالة شديدة الوضوح تقول إن توقف العدوان لا يرتبط بقرار "إسرائيلي" بوقفه، وإنما بشرط ينبغي أن ينفّذه الطرف اللبناني. وهو ما أكد عليه متحدّث باسم الخارجية الأميركية بقوله لقناة الجزيرة إن «حزب الله يتحمّل المسؤولية عن الوجود "الإسرائيلي" على الأراضي اللبنانية». فهذا المنطق يقلب التسلسل السببي بصورة كاملة، وعلى هذا المنطق قامت فلسفة اتفاق الإطار الثلاثي؛ أي إن السياسة الرسمية للسلطة في لبنان تقوم، في هذا الجانب، على المنطق "الإسرائيلي" - الأميركي نفسه.
لهذا السبب تحديداً، يصبح الخطاب السياسي الداخلي الذي يحمّل المقاومة، مسؤولية كل تصعيد، من دون وضع الاعتداءات "الإسرائيلية" واحتلال الأرض في مركز التحليل، يؤدّي موضوعياً إلى تعزيز المعادلة التي تريدها "إسرائيل": كلّما ردّت المقاومة أصبحت هي المُتّهمة، وكلّما امتنعت عن الرد يمنحها ذلك تنفيذ مخططاتها ويوسّع هامشها في المبادرة في كلّ المجالات السياسية والميدانية.
إذا ترسّخت هذه المعادلة، تصبح ردّة الفعل السياسية والإعلامية بعد كل عدوان هي مُطالبة اللبنانيين بتغيير سلوكهم السياسي والأمني. وهنا تكمن الخطورة الكبرى. فالمسألة لم تعد مجرد تبرير اعتداء وقع وانتهى، وإنما بناء قاعدة تسمح بتكرار الاعتداء مستقبلاً كلّما أرادت "إسرائيل" انتزاع تنازل جديد: اليوم يكون الشرط متعلّقاً بسلاح المقاومة أو بموقع عسكري معين؛ وغداً قد يتعلق بترتيبات أمنية جديدة؛ وبعده بحدود حركة الجيش اللبناني، أو بالعلاقات السياسية الإقليمية، أو بملفات أخرى. لذلك، فالمعركة ليست فقط على الأرض. ويجب النظر إلى العدوان العسكري والخطاب السياسي الذي يواكبه باعتبارهما مسارين متكاملين. الأول يغيّر الوقائع بالقوة.
والثاني يحاول تغيير طريقة فهم تلك الوقائع. الأول يقصف ويحتل والثاني يظهر الفعل "الإسرائيلي" باعتباره «رداً»، ويظهر الرد اللبناني باعتباره «سبباً»، وتُستخدم هذه الرواية لإقناع الرأي العام بأن الحل ليس في وقف "إسرائيل" عدوانها وانسحابها من الأرض التي تحتلها، بل في تقديم المزيد من التنازلات لها.
هذا هو الجانب الذي ينبغي التنبه إليه في كل جولة مقبلة: فكل عدوان "إسرائيلي" ستكون له، إلى جانب أهدافه العسكرية، معركة سياسية على تفسيره واستثماره وتحويل نتائجه إلى وقائع دائمة.