إيران
اهتمّت الصحف الإيرانية، اليوم الثلاثاء (18 آب 2026)، بتحليل الأوضاع الإقليمية والدولية التي تعكس نوعًا من الارتباك والتصعيد في التصريحات والقرارات، مع غياب الوضوح الأميركي إزاء السلوك الذي ستتبعه في الأيام القادمة، وخاصة مع التفاوت في الآراء داخل البيت الأبيض.
تدخّل ترامب المجنون
كتبت صحيفة «وطن أمروز»: «الرئيس الأميركي يجد نفسه الآن في موقف تتسع فيه الفجوة يومًا بعد يوم بين الصورة التي كان يتصورها عن الانتصار في الحرب ضد إيران والواقع الذي صدمه بشدة بعد ما يقرب من ستة أشهر. الحرب، والتي كان من المفترض أن تنتهي في غضون ثلاثة أيام وفقًا للحسابات الأولية لواشنطن وتل أبيب، والتي كان من شأنها تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية بتوجيه ضربات عسكرية قوية، وتؤدي في نهاية المطاف إلى تفكك إيران وانهيار الجمهورية الإسلامية، لم تنتهِ فحسب، أصبحت أيضًا مأزقًا متفاقمًا بالنسبة لترامب. الجمهورية الإسلامية الإيرانية صامدة، ومضيق هرمز تحت سيطرة طهران الكاملة، والأهداف المعلنة للولايات المتحدة تتخلى عنها واشنطن تباعًا، والولايات المتحدة تكافح التكاليف العسكرية والسياسية المتزايدة للحرب".
لكن الأهم الآن من مأزق الحرب نفسه، بحسب الصحيفة، هو كيفية تعامل ترامب مع هذا الوضع. وقالت:" يبدو أنه كلما قلّت قدرة الرئيس الأميركي على تغيير المعادلة ضد إيران، زاد سعيه لتوجيه ضغوطه وغضبه نحو من يراهم أكثر ضعفًا؛ بدءًا من كوريا الجنوبية، إحدى أقدم حلفاء أميركا في شرق آسيا، وصولًا إلى عُمان، الشريك الاستراتيجي العريق لواشنطن في الخليج وأهم وسيط تقليدي في المنطقة. في الواقع، ما يُرسم الآن من سلوك ترامب هو صورة شخص يواجه قيودًا خطيرة أمام خصم لم يتمكن من إخضاعه، وبالتالي يُحوّل الضغط إلى حلفائه وشركائه.. في غضون ذلك، أمر الرئيس الأميركي وزارة الحرب الأميركية بتقليص المشاركة في المناورات العسكرية السنوية مع كوريا الجنوبية بشكل كبير. حجّة ترامب المعلنة هي أن هذه الأنشطة مكلفة، ومن ناحية أخرى، تُسيء إلى أصدقائه في كوريا الشمالية! لكن مجلة «ذا أتلانتيك» تعتقد أن السبب الرئيسي لقرار ترامب يجب البحث عنه في مكان آخر. في المنشور نفسه، والذي أعلن فيه تقليص المشاركة في التدريبات، اشتكى من أن كوريا الجنوبية لم تساعده في هزيمة إيران. وكتب أنه سأل مؤخرًا الرئيس الكوري الجنوبي عما إذا كانت سيول مستعدة للانضمام إلى الولايات المتحدة في نزع السلاح النووي من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكان رد كوريا الجنوبية «لا، شكرًا!».
بحسب التقرير؛ فإن تقليص مشاركة الولايات المتحدة في المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية قرارٌ لا يُسهم في حل مشكلات واشنطن مع إيران، بل يُضعف حليفًا ويُحفّز أعداء أميركا على اختبار إرادة واشنطن.
وتابعت الصحيفة: "يمكن ملاحظة هذا النمط أيضًا في سلوك آخر حديث لترامب؛ حيث أصبحت عُمان، الشريك الأميركي العريق في المنطقة، هدفًا لتهديد مباشر من الرئيس الأميركي. سُئل ترامب، يوم الاثنين، في مقابلة مع قناة فوكس نيوز عن المفاوضات بين إيران وعُمان بشأن اتفاق محتمل عن مضيق هرمز. كان جوابه: إذا وقفت عُمان في طريق أهداف الولايات المتحدة، فستقصفها الولايات المتحدة بشدة. لا يمكن فهم هذا التهديد بمعزل عن الوضع في مضيق هرمز. الممر المائي، والذي كان شريان حركة سلسة للسفن وناقلات الطاقة في العالم قبل الحرب، بات الآن تحت سيطرة إيران، وعجزت الولايات المتحدة عن تغيير هذا الوضع رغم كل جهودها. في ظل هذه الظروف، يهدد ترامب، العاجز عن تغيير موازين القوى في المضيق وإجبار إيران على فتح مضيق هرمز، بقصف سلطنة عُمان، شريكتها التاريخية".
تابعت الصحيفة:" في تصريح غريب، قال ترامب إنه سيقصف عُمان إذا تجاهلت المسارات التي ترغب بها الولايات المتحدة في الاتفاقية بين عُمان وإيران. يقصد ترامب بالمسارات الأميركية المسار الجنوبي لمضيق هرمز، والذي انتهكت الولايات المتحدة فعليًا اتفاقية إنهاء الحرب مع إيران بإنشائه. وتنص الفقرة الخامسة من الاتفاقية صراحةً على أن آلية الملاحة عبر مضيق هرمز ستُحدَّد في اتفاقية بين إيران وعُمان، ولكن بعد إبرام الاتفاقية الإيرانية العُمانية، يحاول الرئيس الأميركي التدخل في بنودها، بل ويهدد بقصف عُمان، الدولة التي لطالما تمتعت بعلاقات طيبة مع واشنطن».. إن سلطنة عُمان ليست عدوًّا للولايات المتحدة، ولا حتى منافسًا إقليميًّا لواشنطن. بل على العكس، لطالما كانت من أهم حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين لعقود. لذلك، يُظهر التهديد المباشر لعُمان مدى تفاقم ضغوط الجمود الحربي، وما ترتب عليها من توسّع في نطاق سلوك ترامب اليائس. في الواقع، لو كان من المقرر إنهاء الحرب في غضون ثلاثة أيام، وفقًا لحسابات واشنطن الأولية، لما كان ينبغي للولايات المتحدة أن تُهدّد بقصف حليفتها وشريكتها اليوم لإعادة الأوضاع في مضيق هرمز إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
يأتي هذا السلوك، وفقًا لما كتبته الصحيفة: "في وقت فشلت فيه الولايات المتحدة، من جهة، في إجبار إيران على التراجع عن مواقعها القوية، ومن جهة أخرى، فقدت ثقة حلفائها الإقليميين. لقد نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية مؤخرًا تقريرًا عن تزايد استياء حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، وذكرت أن السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين قد تقاربت في استيائها من إدارة ترامب...منذ بداية الحرب ضد إيران، تضاءلت أهداف أميركا الأولية تدريجيًّا، وتغيّرت، واقتصرت الآن على استقرار أسعار الطاقة وإعادة فتح مضيق هرمز، لكن خطاب ترامب لحلفاء الولايات المتحدة أصبح أكثر حدّة. تواجه كوريا الجنوبية تقليصًا في التعاون العسكري لرفضها الانضمام إلى الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران، وتتعرض عُمان للتهديد بالقصف لتفاوضها مع إيران بشأن مضيق هرمز، كما تعاني دول الخليج تكاليف حرب فشلت واشنطن في تحقيق أهدافها. لعل هذا من أهم مؤشرات تآكل استراتيجية أميركا في الحرب ضد إيران. يواجه ترامب الآن مشكلة جوهرية: فهو عاجز عن هزيمة إيران كما وعد، وعاجز عن إعادة مضيق هرمز إلى وضعه السابق، ولا يستطيع ببساطة استرداد تكاليف الحرب العسكرية والتسليحية. نتيجة لذلك، يبدو الخيار الأسهل أمامه هو الضغط على حلفائه الذين لا يملكون القدرة على الدفاع عن كرامتهم أمام الولايات المتحدة، والذين هم أكثر عرضة للخطر".
كما بيّنت الصحيفة: "إلا أن هذا النهج، خلافًا لما يتصوره ترامب، لن يخرجه من المأزق. قد يُخفف تهديد الحلفاء مؤقتًا من غضبهم إزاء فشلهم، ولكنه سيزيد من تآكل ثقتهم بالولايات المتحدة. إذا استنتجت كوريا الجنوبية وعُمان ودول الخليج أن واشنطن ليست عاجزة فقط عن حل الأزمة في وقتها الراهن، بل تجعلهم أيضًا ضحايا لإخفاقاتها، فإن التكلفة الاستراتيجية لهذا السلوك على الولايات المتحدة ستكون أكبر بكثير من مجرد خلاف مؤقت مع حليف».
يأس نتنياهو في إدارة الصراع
كتبت صحيفة «رسالت»: «في تصريحاته الأخيرة، ادعى رئيس الوزراء الإسرائيلي وجود خلاف بينه وبين الرئيس الأميركي حيال تفاهم غزة! هذا الادعاء السخيف من نتنياهو جاء في الوقت الذي عقد فيه، وفقًا لمصادر مطّلعة، اجتماعًا لمجلس الوزراء عشية زيارته لواشنطن الأسبوع الماضي، وافق خلاله، رغم فشل نزع سلاح حماس، على دخول قوات حفظ السلام الدولية إلى قطاع غزة إرضاءً لترامب. بعبارة أخرى، لم يتم التوصل إلى التفاهم الأخير في قطاع غزة من دون تشاور وموافقة نتنياهو للبيت الأبيض. هنا تكمن نقطة مهمة في تحليل السلوك والخطاب المتناقضين ظاهريًّا لترامب ونتنياهو".
تابعت الصحيفة:" فمن المؤكد، استنادًا إلى التقارير الميدانية والاستراتيجية والوثائق، والتي قدمها جنرالات الجيش الإسرائيلي وكبار مسؤولي الموساد، أن نزع سلاح حماس أمر شبه مستحيل. في العام 2023، زعم نتنياهو أنه سيدمر حماس وينزع سلاحها خلال فترة زمنية محددة. إلا أن مقاومة الفلسطينيين في حرب غزة، وخلق موازين قوى جديدة (على حساب تل أبيب)، دفع واشنطن إلى الاعتراف أكثر من أي وقت مضى باستحالة القضاء التام على حماس ونزع سلاحها. أدى هذا الأمر إلى تفاقم الخلافات التكتيكية والعملياتية في معسكر أعداء فلسطين. خلص العديد من الاستراتيجيين الأميركيين، بناءً على تقييم تكاليف وفوائد تصعيد حرب غزة، إلى أن نتنياهو وترامب عالقان في حلقة مفرغة، لا مخرج منها إلا بالقبول القسري ببقاء حماس والتخلي عن شعار القضاء التام عليها ونزع سلاحها. فمن جهة، يدرك نتنياهو عجزه عن القضاء على المقاومة الفلسطينية، ومن جهة أخرى، يعد الاعتراف الرسمي، أو حتى شبه الرسمي، بهذا الطرح الاستراتيجي بمثابة هزيمته في حرب غزة. لذا، لا يملك نتنياهو، في الخفاء، خيارًا سوى قبول وجود حماس في قطاع غزة، وفي الوقت نفسه، يعد التعبير عن الرضا بالتفاهم الذي تم التوصل إليه نقطة ضعف في حكومته الائتلافية".
كما رأت الصيحفة: "الوضع واضح: خسر نتنياهو معركة غزة، لكنه عاجز عن تكييف سلوكه وتصريحاته مع الواقع الراهن في فلسطين والأراضي المحتلة. في المقابل، يحاول ترامب خلق مسافة بين واشنطن وتل أبيب، على الأقل في مواقفه الظاهرة. بعبارة أخرى، يعتزم الرئيس الأميركي تحميل نتنياهو معظم تكاليف الهزيمة في حرب غزة، وتخفيف العبء المالي عليه في هذا الصراع. لقد أدى عجز نتنياهو عن إدارة الصراعات الميدانية والاستراتيجية والسلوكية إلى تذبذبه بين «الظروف القسرية التي فرضتها المقاومة الفلسطينية على تل أبيب» و«سرد هزيمته في حرب غزة». لن يتمكن ترامب أيضًا من مواكبة نتنياهو في إدارة مشهد الهزيمة، لأنه سيتحمل هو نفسه تبعات الهزيمة في حرب غزة».
ارتباك البيت الأبيض بشأن إيران
كتبت صحيفة «جام جم»: «أدى التناقض والارتباك الواضحان بين كبار المسؤولين الأميركيين إلى عدم وضوح أولويات واشنطن الحقيقية ف يما يتعلق بإيران؛ وهو وضع حظي بتغطية إعلامية واسعة النطاق في أعقاب تصريحات متناقضة من دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس. في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، وصف فانس الحفاظ على استقرار سوق الطاقة العالمية، وتوفير النفط والغاز، وخفض أسعار الوقود للمواطنين الأميركيين بأنه "الهدف الأول" لواشنطن، بينما وضع منع إيران من الحصول على سلاح نووي في المرتبة الثانية. إلا أنه بعد تحليل إعلامي اعتبر هذا الخطاب مؤشرًا على التراجع، سارع دونالد ترامب إلى الردّ على تصريحات نائبه عبر منصة التواصل الاجتماعي "تروث سوشيال". وأكد رئيس موظفي البيت الأبيض أن "الهدف الأول" الوحيد والدائم للولايات المتحدة، تحت أي ظرف من الظروف، هو منع إيران بشكل كامل من الحصول على سلاح نووي. يرى مراقبون أن هذا الموقف المتسرّع من ترامب، وخطابه العدائي اللاحق، بما في ذلك تحذيره وتهديده لسلطنة عُمان إذا ما تصرفت ضد المصالح الأميركية، ما هو إلا محاولة لتحييد الضغط الشعبي واستعادة صورة واشنطن كقوة مؤثرة والتغطية على الخلل والارتباك في استراتيجية الولايات المتحدة الإقليمية".
هذا، وقد وضّحت الصحيفة:" بصفته شخصية شعبوية وممثلًا لحركة "أميركا أولًا"، يدرك جيه دي فانس أن ارتفاع أسعار البنزين والتضخم الناجم عن أزمة الشرق الأوسط سيؤثر بشكل مباشر على قاعدة الناخبين من الطبقة المتوسطة. على قناة فوكس نيوز، حاول فانس طمأنة المواطنين والناشطين في سوق النفط بشأن معيشتهم، وإيصال رسالة مطمئنة للمجتمع من خلال إعطاء الأولوية لاستقرار سوق الطاقة. سبب آخر لهذا الخلاف هو الاختلاف في أسلوب القيادة وتقسيم العمل التكتيكي بين ترامب ونائبه. بنظرة واقعية وتركيز على العواقب الملموسة للحرب، لعب فانس دور إدارة الأزمة وتقييم التكاليف الاقتصادية الحقيقية. في المقابل، يتبع ترامب دائمًا منطق الردع الأقصى واستعراض القوة، ويرفض إرسال أي رسالة ضعف؛ لذلك، سارع إلى استعادة أولويته الرئيسة، وهي القضية النووية. بينما يصرّ طيف من المحافظين، يتمحور حول فانس، على تجنب الصراعات المكلفة والحفاظ على المصالح المحلية الملموسة، يركز طيف آخر على المواجهة المباشرة. أدى هذا التباين إلى تفسير تصريحات فانس في وسائل الإعلام على أنها تراجع، ما أجبر ترامب على الدفاع عن قدرته الاستراتيجية المتضررة بنفي موقف نائبه، وكشف في الوقت نفسه عن الارتباك والخلافات داخل البيت الأبيض.
ترى الصحيفة أن الاختلافات في الخطاب بين ترامب ونائبه تنبع :" من اختلاف الأهداف داخل الولايات المتحدة. يؤكد جيه. دي. فانس ضرورة التوصل إلى اتفاق مع طهران لتخفيف الضغط الاقتصادي على الشعب الأميركي بخفض التوترات وإعادة فتح طرق النفط. ويرى أن هذا النهج وسيلة لتحقيق استقرار الاقتصاد وكسب تأييد الناخبين قبل انتخابات العام 2028، حتى لو تم تجاهل بعض جوانب الضعف أو التنازلات في المفاوضات. لقد قاد فانس شخصيًّا محادثات إسلام آباد، وشدد على فوائد الدبلوماسية لإنهاء الصراع واستقرار أسعار الطاقة. مع توقيع مذكرة التفاهم وإعادة فتح مضيق هرمز جزئيًّا، انخفضت أسعار النفط بشكل حاد (نحوا 80 دولارًا)، وانخفضت أسعار البنزين إلى أقل من 4 دولارات، وتحسنت تدفقات النفط من المنطقة. هذا يعزز القدرة الشرائية للأسر، ويقلل من الضغوط التضخمية، ويفتح المجال أمام النمو الاقتصادي. يمكن أن يؤدي خفض تكاليف الطاقة إلى زيادة رضا الجمهور، ويفيد الحزب الحاكم في السباق الانتخابي. في المقابل، يرى ماركو روبيو، بصفته وزير خارجية ومستشار الأمن القومي في إدارة ترامب، إلى جانب فريقه الأمني المقرب، أن الضغط العسكري والاقتصادي على طهران نجاحٌ رئيسي، ويصرّ على مواصلته وتكثيفه لانتزاع المزيد من التنازلات من إيران، وتقديم نتائجه على أنها نصرٌ يُمكن استخدامه في انتخابات 2028. وقد شدّد روبيو على وضع شروط صارمة للزيارات الإقليمية، وتجنّب التوصل إلى اتفاق بأي ثمن. في ظل هذه الظروف، سيُحدّد التباين بين هذين النهجين، مع تقلبات ترامب بين مستشاريه، مسار الحزب الجمهوري في المستقبل».