خاص العهد
كاتب من العراق
مع بدء العدّ التنازلي لحلول الموعد النهائي لجلاء قوات التحالف الدولي من العراق، في الثلاثين من أيلول/ سبتمبر المقبل، ارتفعت نبرة الجدل والسجال في المشهد السياسي العراقي حول ملف حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء كافة المظاهر المسلحة خارج الأطر الرسمية للمؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية.
رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، كرر خلال الآونة الأخيرة، تأكيده وإصراره على إنجاز هذا الاستحقاق بالكامل في غضون الأسابيع الستة المقبلة، حتى لا تبقى أي حجة أو ذريعة للأطراف الدولية -وتحديدًا الولايات المتحدة الأميركية- للإبقاء على وجودها العسكري على الأراضي العراقية، إذ يرى "أن حصر السلاح بيد الدولة، وفقًا للقانون، يحمي الجميع، ويعزز سلطة الدولة وسيادتها، ويضمن الأمن والاستقرار، ويمثل شرطًا أساسيًا للانتقال بالعراق إلى مرحلة جديدة من التنمية والازدهار".
ولا شك أن هذه الرؤية صائبة وسليمة، إذا نظرنا إليها وتعاطينا معها بصورة مجردة بعيدًا عن أي مؤثرات. فالدولة لا تستقيم ولا تستقر، ولا تتكامل مؤسساتها المختلفة من حيث المهام والأدوار، ولا ينعم أبناؤها بالأمن إذا لم تكن قوية ومهيمنة، وتمتلك أدوات ووسائل إنفاذ القانون وفرض النظام، وتعمل على تحقيق الرفاهية والازدهار للمجتمع.
أما ارتباطًا بالظروف الموضوعية العامة على الصعيد الإقليمي، والتحديات الماثلة أمام العراق بصورة خاصة، فإن الزيدي ربما يرى أن تقوية الدولة وتعزيز تماسك مؤسساتها ومركزية قرارها، يمكن أن يسحب الكثير من الحجج والذرائع والمبررات التي يسوقها هذا الطرف أو ذاك للتدخل في الشؤون الداخلية العراقية، أو لإقحام العراق في صراعات هو ليس طرفًا فيها، بقدر ما يمكن أن يكون وسيطًا وعنصر تهدئة واحتواء للأزمات.
قد تكون أوضاع العراق السياسية والأمنية، واختلاف وتقاطع الأجندات والأولويات فيه، ساهمت بشكل أو بآخر في فسح المجال لقوى خارجية -إقليمية ودولية- للتدخل والاستحواذ على مساحات من النفوذ، لا سيما في ظل الاحتلال والتواجد العسكري الأميركي لأعوام طوال، والذي أسس لمنهجيات سلبية راكمت الأخطاء والانحرافات، وجعلت البيئة السياسية العراقية عرضة للتجاذبات والصدامات والصراعات، ولاختراق التنظيمات والجماعات الإرهابية التكفيرية كالقاعدة وداعش، بتمويل ودعم وتشجيع وتحريض من الخارج.
ومن هذه النقطة تبرز الرؤية الأخرى المختلفة عن رؤية رئيس الوزراء في بعض الجوانب، والتي تتبناها قوى وفصائل مقاومة، ترفض التخلي عن أسلحتها في هذه المرحلة بالذات، كحركة كتائب حزب الله، وحركة النجباء.
وتتفق هذه القوى مع رئيس الوزراء على أهمية تقوية الدولة وترسيخ ركائزها، وضرورة تعزيز سيادة القانون، بيد أنها تقدر أن التحديات والمخاطر المحدقة بالبلد، والظروف الإقليمية المرتبكة، وعدم وضوح مسارات ومآلات الصراع المحتدم في المنطقة، تجعل من الخطأ التخلي عن كل وسائل الردع مرة واحدة، دون تهيئة المستلزمات المطلوبة والأرضيات المناسبة.
فالأمين العام لحركة كتائب حزب الله، "أبو حسين الحميداوي"، صرح قبل بضعة أيام قائلًا: "يجب مواصلة الجهاد في سبيل الله، وردع كل معتد، ليدفع أثمان اعتدائه مضاعفة، ولا سيما ما ارتكبه العدو الأميركي السعودي من جريمة بحق أبنائنا، في سابقة خطيرة تنذر بتداعيات قد تؤسس لمرحلة جديدة في المنطقة"، معتبرًا "أن ذلك مدعاة إلى تمسكنا بسلاح المقاومة، وعدم التفريط به، بل تطويره وتعظيم ترسانته، والسعي لتنقية فضائنا الأمني، مع التشديد على ضرورة الالتزام التام بالإجراءات الأمنية وحفظ الأسرار، بما يتناسب وحجم التحديات، لردع كل من يريد بنا شرًا في حروب هذه المرحلة؛ تلك الحروب التي لم تنفك عن مواءمة الجهاد العسكري مع الجهاد الإعلامي لمواجهة الأعداء وأذنابهم ببأس شديد وثبات لا يتزعزع".
وفي ذات السياق، يؤكد المتحدث الرسمي باسم حركة النجباء، حسين علي الموسوي، "أن الحركة لن تسلم سلاحها إلى الدولة بأي شكل من الأشكال"، معتبرًا "أن التحركات الرامية لحصر السلاح، هي خطة مدبرة من قبل الولايات المتحدة و"إسرائيل" تستهدف قوى المقاومة الإسلامية".
ويضيف الموسوي "أن قضية تقييد السلاح بيد الدولة تهدف حصرًا إلى استهداف أسلحة جبهة المقاومة، وأن هذا التوجه يأتي استجابة لإملاءات وطلبات مباشرة من واشنطن وتل أبيب".
ومن أجل ألا تتجه الأمور إلى نقاط حرجة ومنعطفات خطيرة، دعت منظمة بدر، التي تعد أحد أطراف الإطار التنسيقي، رئيس الوزراء علي الزيدي إلى التعاطي بمرونة أكبر مع هذا الملف، في ذات الوقت الذي وجهت له انتقادات حادة، معتبرة "أن اندفاعه نحو ملف حصر السلاح يأتي استجابة لضغوط أميركية، لأن واشنطن جعلت هذا الملف شرطًا لانسحاب قواتها في الثلاثين من أيلول/ سبتمبر المقبل".
وطرحت المنظمة ثلاثة عوامل -أو أولويات- تسبق تسليم السلاح، وهي:
الانسحاب الكامل والشامل للقوات الأميركية من الأراضي العراقية.
زوال المخاطر الاستراتيجية التي تهدد أمن واستقرار العراق.
استكمال بناء القوات المسلحة، لا سيما في مجال الدفاع الجوي، لضمان السيادة الكاملة على الأجواء.
إلى جانب ذلك، فإن هناك من يرى أن رؤية قوى المقاومة تنسجم إلى حد كبير مع رؤية المرجعية الدينية بهذا الخصوص، والتي طرحتها عبر بيان رسمي في الثالث عشر من أيلول/ سبتمبر من عام 2020، حينما قالت "إنَّ الحكومة الراهنة مدعوة إلى الاستمرار والمضي بحزم وقوة في الخطوات التي اتخذتها في سبيل تطبيق العدالة الاجتماعية، والسيطرة على المنافذ الحدودية، وتحسين أداء القوات الأمنية بحيث تتسم بدرجة عالية من الانضباط والمهنية، وفرض هيبة الدولة وسحب السلاح غير المرخص فيه، وعدم السماح بتقسيم مناطق من البلد إلى مقاطعات تتحكم بها مجاميع معينة بقوة السلاح تحت عناوين مختلفة بعيدًا عن تطبيق القوانين النافذة".
أي إن المرجعية حددت خمس أولويات بحسب درجة الأهمية، متمثلة بـ:
تطبيق العدالة الاجتماعية.
السيطرة على المنافذ الحدودية.
تحسين أداء القوات الأمنية بحيث تتسم بدرجة عالية من الانضباط والمهنية.
فرض هيبة الدولة.
سحب السلاح غير المرخص.
إذًا، هناك مقدمات لا بد أن تسبق مرحلة تسليم السلاح وحصره بيد الدولة، ويبدو أن الأمور إذا لم تتخذ هذا المسار فإن المشهد العام قد يكون معرضًا لاهتزازات وتوترات وتصدعات، ينبغي العمل على تجنبها بكل الوسائل والأساليب المتاحة والممكنة.