عين على العدو
في وقت يواصل فيه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو رفض خريطة الطريق التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، تكشف المعطيات الميدانية عن مسار" إسرائيلي" موازٍ يبدو أنه يتجه نحو تكريس وجود عسكري طويل الأمد داخل القطاع، عبر توسيع نقاط الانتشار وإنشاء مواقع عسكرية وتعزيز التحصينات والسواتر الترابية خلف ما يُعرف بـ"الخط الأصفر".
ولا تبدو هذه التحركات مجرد ترتيبات ميدانية مؤقتة، إذ تشير صور الأقمار الصناعية التي حللتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة "الجزيرة" إلى وجود عشرات المواقع العسكرية "الإسرائيلية" داخل قطاع غزة، بينها مواقع أُنشئت بعد بدء سريان وقف إطلاق النار، بما يعكس استمرار التوسع العسكري بدل الانسحاب الذي يفترض أن يكون جزءًا أساسيًا من أي تسوية نهائية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع رفض نتنياهو خريطة الطريق الأميركية لاستكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، رغم موافقة حركة حماس والفصائل الفلسطينية على النسخة الأخيرة من المسودة، في وقت أعلنت فيه حكومة الاحتلال أن جيشها لن ينسحب من المناطق التي يسيطر عليها قبل نزع سلاح المقاومة بصورة كاملة.
وبحسب الموقف "الإسرائيلي"، فإن أي انسحاب من غزة يجب أن يسبقه نزع سلاح حركة حماس، بما يشمل الأسلحة الثقيلة والخفيفة، فيما تتمسك "إسرائيل" أيضًا بحقها في مواصلة عملياتها الأمنية داخل القطاع، بما فيها الاغتيالات، وهو ما يتعارض مع بعض بنود الخطة الأميركية التي تطالب بوقف هذه العمليات.
ولا يقف الرفض "الإسرائيلي" عند الجانب الأمني، إذ سبق لنتنياهو أن أعلن بوضوح أنه لن تُقام دولة فلسطينية، لا في قطاع غزة ولا في الضفة الغربية، ما يضع موقف حكومته في مواجهة مباشرة مع المسار السياسي الذي يفترض أن تفضي إليه خطة ترامب، لجهة إقامة إدارة مدنية فلسطينية وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وتقرير المصير الفلسطيني.
وفي المقابل، حذرت ثماني دول عربية وإسلامية، بينها مصر وقطر والسعودية وتركيا، من أن رفض حكومة الاحتلال لخطة ترامب يهدد بإفشال الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب وتهيئة الظروف لتحقيق سلام واستقرار دائمين في المنطقة.
لكن التطورات الميدانية تقدم صورة أكثر وضوحًا عن طبيعة الرؤية الإسرائيلية لمستقبل القطاع. فوفق تحليل صور الأقمار الصناعية، يوجد نحو 40 موقعًا عسكريًا إسرائيليًا داخل غزة، بينها 8 مواقع استُحدثت بعد وقف إطلاق النار، من بينها موقع جديد أقامه الاحتلال على أنقاض القرية السويدية قرب ساحل رفح، بمحاذاة الحدود المصرية.
كما عمل جيش الاحتلال على إقامة سواتر ترابية وتحصينات تمتد لعشرات الكيلومترات قرب "الخط الأصفر"، في خطوة تعزز قدرته على تثبيت خطوط انتشار عسكرية داخل القطاع والتحكم بحركة الفلسطينيين بين المناطق المختلفة.
ويمتد "الخط الأصفر" من جنوب شمال قطاع غزة مرورًا بمناطق الوسط وصولًا إلى أطراف رفح جنوبًا، بينما يتركز انتشار جيش الاحتلال خلفه في مناطق واسعة من شرق مدينة غزة، بما فيها الشجاعية والتفاح والزيتون، إضافة إلى بيت حانون وبيت لاهيا شمالًا، ومناطق في رفح وشرق خان يونس جنوبًا.
وتكشف صور الأقمار الصناعية، وفق المعطيات الواردة في التحقيق، أن الاحتلال أنشأ منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2025 سواتر وتحصينات ترابية يصل مجموع أطوالها إلى نحو 30 كيلومترًا، تنتشر في مختلف محافظات القطاع، في مؤشر إضافي إلى أن البنية العسكرية الإسرائيلية باتت تتخذ طابعًا أكثر رسوخًا.
وتزداد خطورة هذه المعطيات في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على مساحة واسعة من القطاع. فالمعطيات تشير إلى أن الاحتلال يسيطر على أكثر من 60% من مساحة غزة، الأمر الذي يحد من قدرة مئات آلاف الفلسطينيين على العودة إلى مناطقهم، ويجعل الحركة المدنية داخل القطاع مرتبطة بصورة متزايدة بالانتشار العسكري الإسرائيلي.
أما بالنسبة إلى سكان غزة، فإن استمرار هذا الواقع يعني بقاء أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين في مساحة جغرافية ضيقة، في ظل دمار هائل أصاب المدن والأحياء والبنية التحتية، ونزوح واسع النطاق واعتماد كبير على المساعدات الإنسانية.
وتظهر صور الأقمار الصناعية لمدينة غزة حجم التحول الذي طرأ عليها منذ بدء الحرب؛ فالمناطق التي كانت تضم أحياء سكنية مكتظة وشوارع ومرافق عامة تحولت إلى مساحات واسعة من الركام والدمار، فيما انتشرت مخيمات النازحين في الساحات والمناطق المفتوحة.
وبذلك، فإن رفض نتنياهو لخطة ترامب لا يمكن قراءته بمعزل عن الوقائع التي يفرضها الاحتلال على الأرض. فبينما تنص الخطة على وقف العمليات العسكرية، وانسحاب القوات "الإسرائيلية"، وإعادة إعمار غزة، وإقامة إدارة مدنية فلسطينية، تتحرك حكومة الاحتلال باتجاه تعزيز مواقعها العسكرية وتثبيت خطوط انتشارها.
ومن هنا تبرز الخشية من أن يتحول ما يُقدَّم باعتباره انتشارًا أمنيًا مؤقتًا إلى واقع عسكري دائم، بما يكرّس الاحتلال ويمنع عودة الحياة الطبيعية إلى القطاع ويُبقي مستقبل غزة رهينة للوجود العسكري "الإسرائيلي".
وعليه، فإن المعركة حول خطة ترامب لا تبدو مجرد خلاف على تفاصيل اتفاق، بل صراعًا على شكل اليوم التالي في غزة: هل يكون القطاع أمام مسار يقود إلى وقف الحرب والانسحاب وإعادة الإعمار، أم أمام واقع جديد تُرسَّخ فيه السيطرة العسكرية "الإسرائيلية" تحت عناوين أمنية مختلفة؟ وما يجري على الأرض حتى الآن يوحي بأن حكومة نتنياهو تعمل على ضمان الخيار الثاني.