خاص العهد
يبدو أن حزب "القوات اللبنانية" لا يزال أسير سجلّ طويل وحافل بالجرائم التي رافقت مسيرته منذ نشأته، في وقت كان يُفترض أن تكون السنوات كفيلة بإعادة تعريف "دوره" السياسي، وتدفع نوابه إلى الانصراف لما يفترض أن يكون جوهر العمل النيابي، وهو خدمة الناس ومتابعة قضاياهم وإنجاز الملفات التي انتُخبوا من أجلها.
غير أنّ المشهد يبدو مختلفًا، إذ برزت مواقف عضو تكتل "الجمهورية القوية" "النائبة" غادة أيوب، والتي أثارت سجالًا واسعًا على خلفية تصريحات تحريضية من شأنها خدمة العدو. في خضم الحرب "الإسرائيلية" الأخيرة على لبنان، أدلت أيوب بتصريحات تناولت بلدة كفرحونة - جزين، وتحدثت عن وجود مراكز لحزب الله فيها، وهو ما نفته البلدة آنذاك، سواء على لسان رئيس بلديتها أم سكانها.
بعد ذلك جاءت الواقعة التي تضفي على القضية بُعدًا أكثر إيلامًا. إذ تعرّض منزل السيد هاني درويش والسيدة عفاف متى للقصف "الإسرائيلي"، ما أدى إلى تدميره. في خضم هذه الأحداث، نشر موقع "كفرحونة نيوز" منشورًا كانت صاحبة المنزل المدمر قد نشرته في مواقع التواصل الاجتماعي، لتتحول، بعد ذلك، عملية نقل المنشور وإعادة نشره إلى موضع مساءلة، بعدما فوجئت إدارة الموقع باستدعائها من مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية على خلفية نشر المادة في صفحتها الإلكترونية.
في هذا السياق، تتسع دائرة الأسئلة عما جرى في كفرحونة، بعدما خرج رئيس بلدية كفرحونة جيمس حسيب الهندي، ليضع الوقائع كما يراها أهل البلدة وبلديتها، فبيّن، في حديث لموقع "العهد" الإخباري، أن ما حصل "غير منطقي"، ويمثل قمعًا لحرية الإعلام والصحافة. ويقول الهندي إن النائبة غادة أيوب، ومنذ توليه رئاسة البلدية، لم تتوقف عن الحديث عن البلدة وإطلاق اتهامات، بينها "البلدة سلّمت لحزب الله".
يستعيد رئيس البلدية ما جرى خلال الحرب، حين كانت كفرحونة تستضيف أكثر من 72 عائلة نازحة، وكان الهدوء والسلام يعمّان البلدة، قبل أن تثير تصريحات النائبة أيوب مسألة وجود مراكز لحزب الله في القرية التي دفعت ثمن تلك التصريحات بعدما أنذرها العدو "الإسرائيلي" وقصفها، الأمر الذي أدى إلى نزوح أبنائها وتشردهم، إضافة إلى نزوح النازحين الذين كانوا قد لجأوا إليها.
من بين المشاهد التي لا تزال حاضرة في ذاكرة البلدة، قصف منزل السيد هاني درويش وزوجه عفاف متى، واللذين كانا مغتربين. يرى الهندي أن رد فعل السيدة عفاف "في المنشور" كان في سياقه الإنساني، طبيعيًا نتيجة حزنها على منزلها الذي تهدم، مشيرًا إلى أن أكثر من سبعة منازل تضررت من تلك الضربة، وليس منزل درويش ومتى وحده.
يضيف رئيس البلدية، بصفته مستقلًا، أن ما كان يفترض بالنائبة، بصفتها ممثلة عن المنطقة، هو أن تتفهم وجع الناس، وتشعر بمعاناتهم، وتزور من خسروا منازلهم وتتفقد أحوالهم بعد الحرب، لا أن تستمر في إطلاق الانتقادات بحق البلدة وأهلها. ويشير إلى أن السيدة عفاف متى فوجئت بعد ذلك بدعوى قضائية مقدمة بحقها من النائبة أيوب بتهمة القدح والذم، فيما كان هو، بصفته رئيسًا للبلدية، قد أصدر بيانًا أوضح فيه موقفه من القضية.
في المقابل، يؤكد رئيس البلدية، بصورة قاطعة، عدم وجود مراكز لحزب الله في كفرحونة، مشيرًا إلى أن المنزل الذي تعرض للقصف كان فارغًا، وهو يعود إلى مغترب سابق لا ينتمي إلى أي جهة سياسية. كما يصف البلدة بأنها متنوعة طائفيًا وأنموذج للعيش المشترك، مؤكدًا أن كفرحونة ستبقى كذلك.
لم يتوقف الأمر، بحسب الهندي، عند هذا الحد، إذ فوجئت البلدية بإقامة دعوى إضافية بحق موقع "كفرحونة نيوز"، على خلفية القضية نفسها، بعدما نشر الموقع ما كانت السيدة عفاف متى قد نشرته، وساند ما ورد في بيان رئيس البلدية. يعرب الهندي عن استغرابه من استدعاء إدارة الموقع إلى المساءلة والتحقيق، مؤكدًا أن الموقع ينقل "نبض الناس وأهالي القرية"، مضيفًا أنه لا يستبعد أن يُستدعى شخصيًا أيضًا.
لا يخفي الهندي استغرابه مما يصفه بالهجمة على المواقع الإعلامية وحرية الإعلام، والتي يعد من الحريات المصانة في الدستور والمكرسة في القوانين اللبنانية. يؤكد أن بلدية كفرحونة تقف، بكل إمكاناتها، إلى جانب الإعلام، لا سيما موقع "كفرحونة نيوز"، والذي يصفه بأنه منصة إعلامية تعني أبناء البلدة جميعًا، وتمثل صورتها والنبض الحقيقي لأهلها.
"كفرحونة نيوز": سندافع عن حقنا في حرية التعبير
من جهتها، أعربت الهيئة الإدارية في موقع "كفرحونة نيوز"، في حديثها لـ"العهد"، عن استغرابها من استدعائها إلى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، معربة عن مفاجأتها من تصرفات النائبة غادة أيوب، ومشددة على أنها، بوصفها نائبة، يفترض أن تمثل الوطن بأسره وتتعامل مع المواطنين على قدم المساواة، وتتقبل النقد والاختلاف.
تقول الهيئة إنها فوجئت بالدعوى المقدمة بحق الموقع، كونه منصة إعلامية هدفها نقل الوقائع كما هي وبطريقة موضوعية، وفقًا لما كرسه الدستور اللبناني وما كفلته قوانين الصحافة والحرية الإعلامية في لبنان. وتوضح أن ما قام به الموقع لم يتجاوز نقل ما قالته السيدة عفاف متى ونشرته في وسائل التواصل الاجتماعي. تؤكد الهيئة أن المحامي الموكّل بالدفاع عن أسرة الموقع سيتابع القضية، والدفاع سيكون عن الحق الذي منحه القانون للإعلام كونه سلطة رابعة في لبنان.
متّى: هل يُعاقب الإنسان على معتقداته وحريته؟
أما السيدة عفاف متى صاحبة المنزل المدمّر، فتضع روايتها في قلب القضية، مؤكدة في حديثها لـ"العهد"، أن تصريحات النائبة غادة أيوب، والتي وصفتها باللئيمة والمؤذية، والتي انتشرت في قنوات التلفاز ووسائل الإعلام، كانت سببًا في دمار منزلها. ومن حرقة قلب امرأة فقدت بيتها، تقول عفاف متّى إنها حريصة على أهل قريتها وبلدتها وبيوتهم، كما هي حريصة على منزلها الذي دُمّر، وهو المنزل الذي بنته هي وعائلتها بعرق الجبين وتعب السنين. وتروي ما جرى مع النائبة أيوب، وكيف استُدعيت إلى التحقيق، قبل أن ينتهي الأمر بتوقيع "تعهّد" بعدم تكرار ما سلف ذكره.
هذا؛ وتطرح متّى سؤالًا: حتى لو سلّمنا جدلًا بأن بعض الناس يؤيدون خطًا أو نهجًا معينًا، فهل يحق للنائب أيوب أن تعاقب الإنسان على معتقداته وحريته؟ هل يجوز أن يدفع الناس ثمن انتماءاتهم أو مواقفهم بتدمير بيوتهم؟ وتؤكد أن كفرحونة بلدة مسالمة، وأبناءها يعيشون مسلمين ومسيحيين مثل االأأهل، في وحدة حال منذ القدم، ولا يريدون إلا الخير والأمن والأمان.
درويش: "نائبة الصدفة"
بدوره، يوافق السيد هاني درويش صاحب المنزل الذي دُمّر وزوج السيدة عفاف متى، على ما قالته زوجه، معربًا في حديثه لـ"العهد" عن استغرابه من تصرفات من أسماها "نائبة الصدفة". يرى درويش أنها وصلت إلى النيابة، بأصوات أهالي صيدا، وهي لا تمثل إلا قلة من أهالي جزين، مشيرًا إلى أن ترشحها أدى إلى انقسام بين الأهالي.
يتابع درويش إن النائبة أيوب لا تهتم بأهالي منطقتها ولا تخدم قضاياهم، وبرأيه أن ما جرى في كفرحونة هو المثال الأبرز، ومشيرًا إلى أن تصريحاتها أسهمت في قصف البلدة وتهديم منزله. ويضيف أنه لا علاقة له بالسياسة، وهو يقف على مسافة واحدة من الجميع، وهمه الوحيد هو العيش بسلام وأن يتمكن من إعادة بناء منزله الذي دمره العدو "الإسرائيلي".