خاص العهد
في ظل الأزمة الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة التي يعيشها لبنان، تتزايد الضغوط على الأسر اللبنانية مع الارتفاع المستمر في كلفة السكن والغذاء والكهرباء وسائر الاحتياجات الأساسية، بالتوازي مع تداعيات الحرب والدمار والنزوح وتراجع الحركة الاقتصادية.
وفي وقت تبدو قدرة الدولة على تأمين إيراداتها وتمويل نفقاتها موضع تحدٍّ كبير، تبرز مخاوف جدية حيال قدرة الخزينة على الاستمرار في تغطية رواتب القطاع العام والنفقات الأساسية حتى نهاية العام.
وفي هذا السياق، يقدّم الباحث في مركز الدولية للمعلومات محمد شمس الدين قراءة للأوضاع المعيشية والاقتصادية، مستندًا إلى أرقام تُظهر حجم الارتفاع في كلفة الحياة، محذرًا من أن الأسرة اللبنانية التي يقلّ دخلها عن مستوى معيّن باتت عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها.
ويتناول تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات، وأزمة الكهرباء، وارتفاع الإيجارات، وانعكاس الحرب على المالية العامة والحركة الاقتصادية، وصولًا إلى طرحه أن الحل الجذري للأزمة يبقى مرتبطًا بوقف الحرب وإطلاق عملية إعادة الإعمار وتحريك الدورة الاقتصادية.
كلفة المعيشة ارتفعت 33%
يشرح شمس الدين، أن كلفة المعيشة في لبنان شهدت ارتفاعًا كبيرًا منذ بداية العام، موضحًا أن الزيادة لم تقتصر على قطاع واحد، بل شملت مختلف عناصر الحياة اليومية.
ويقول، إن كلفة المعيشة التي تشمل السكن والمياه والكهرباء والطعام والشراب والملابس وسائر الاحتياجات، ارتفعت منذ بداية العام وحتى شهر أيار بنسبة 33%.
وبحسب تقديره، فإن متوسط عدد أفراد الأسرة اللبنانية يبلغ أربعة أشخاص، فيما كانت كلفة معيشة هذه الأسرة في بداية العام تُقدّر بنحو 900 دولار شهريًا. ومع ارتفاع الأسعار بنسبة 33%، أصبحت الكلفة الحالية تلامس نحو 1200 دولار.
وبالتالي، فإن الأسرة المؤلفة من أربعة أفراد والتي يقل دخلها عن 1200 دولار شهريًا، وفق شمس الدين، تواجه مستوى مرتفعًا من الحاجة والعوز، ما لم تكن تملك مسكنًا خاصًا يخفف عنها العبء الأكبر المتمثل بالإيجار.
الإيجارات تلتهم الجزء الأكبر من دخل الأسرة
ويلفت الباحث إلى أن تداعيات الحرب والدمار والنزوح، إضافة إلى غياب القروض السكنية، أسهمت في ارتفاع الإيجارات بصورة كبيرة.
ويشير إلى أن الإيجار بات يشكل أحد أبرز البنود التي تستنزف دخل الأسرة اللبنانية، إذ تبدأ كلفة بعض المساكن من نحو 200 دولار شهريًا، فيما يمكن أن تصل إلى 600 أو 700 دولار، بحسب المنطقة والمسكن.
ويرى أن غياب التمويل السكني والقروض الميسرة يزيد من صعوبة امتلاك المسكن، ويدفع شرائح واسعة من اللبنانيين إلى سوق الإيجارات في وقت تعاني مداخيل الأسر من ضغوط متزايدة.
نحو 400 دولار للغذاء والاستهلاك
بعد السكن، تأتي السلة الغذائية والاستهلاكية بوصفها أبرز مصادر الإنفاق الشهري للأسرة، وفق شمس الدين.
ويقدّر كلفة هذه الاحتياجات _الأساسية منها_ بنحو 400 دولار شهريًا بالحد الأدنى، ويشير إلى أن الأسرة التي تنفق جزءًا كبيرًا من دخلها على السكن والطعام والكهرباء تجد نفسها أمام هامش ضيق جدًا لتأمين بقية متطلبات الحياة، من اتصالات وملابس وطبابة وأدوية وغيرها.
ويشرح أن الأسرة التي لا يتجاوز دخلها 700 دولار مثلًا، قد تنفق نحو 400 دولار على الطعام والشراب، ولا يبقى لها سوى 300 دولار لبقية احتياجاتها، وهو مبلغ لا يكفي لتأمين مختلف مستلزمات الحياة الأساسية.
ومن أبرز الأعباء التي يسلّط شمس الدين الضوء عليها كلفة الكهرباء، في ظل محدودية التغذية من مؤسسة كهرباء لبنان والاعتماد المتزايد على المولدات الخاصة.
ويشير إلى أن ساعات التغذية من كهرباء الدولة لا تزال محدودة، فيما ارتفعت كلفة الاشتراك بالمولدات، لتصل في بعض الحالات إلى 150 أو 200 دولار شهريًا.
وبذلك، فإن الأسرة التي تؤمّن السكن والطعام والشراب والكهرباء قد تجد نفسها قد أنفقت وحدها ما يقارب 800 أو 900 دولار شهريًا، قبل احتساب الاتصالات والملابس والطبابة والأدوية وسائر النفقات.
ويرى أن هذا الواقع جعل المواطن يتحمل بصورة متزايدة كلفة تأمين الكهرباء، في وقت لا تزال الدولة عاجزة عن توفير تغذية كافية ومستقرة.
المحروقات ترفع كلفة كل شيء
ولا يعزل شمس الدين ارتفاع كلفة المعيشة عن التطورات في أسعار النفط والمشتقات النفطية، مؤكدًا أن ارتفاع المحروقات ينعكس على مختلف القطاعات والسلع والخدمات.
ويشرح أن زيادة أسعار البنزين والمازوت لا تتوقف عند كلفة تزويد السيارة بالوقود أو تشغيل المولد، بل تنتقل إلى مختلف مراحل الإنتاج والنقل والتوزيع.
ويضرب مثالًا على ذلك بقطاع الإنتاج، موضحًا أن مصنعًا أو مؤسسة تجارية كانت تنفق نحو 10 آلاف دولار لتشغيل مولد كهربائي، قد تصبح مضطرة لإنفاق نحو 20 ألف دولار، وبالتالي فإن الزيادة البالغة 10 آلاف دولار لا تختفي، بل تتوزع في نهاية المطاف على كلف السلع والخدمات، ويتحمل عبئها المواطن في نهاية المطاف.
ومن هنا، يخلص إلى أن ارتفاع كلفة المعيشة في لبنان له أسباب داخلية وأخرى خارجية، تشمل سوء السياسات الاقتصادية المحلية، وغياب بعض الحلول الحكومية، وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
قدرة الدولة على تمويل القطاع العام في خطر
ولا تقتصر الأزمة، بحسب شمس الدين، على الأسر والأفراد، بل تمتد إلى المالية العامة وقدرة الدولة على تأمين إيراداتها ونفقاتها.
ويشير إلى أن موازنة عام 2026 أُعدت على أساس التوازن بين الإيرادات والنفقات، إلا أن الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي وقانون تعليق المهل وما نتج عنه من تباطؤ في الحركة الاقتصادية، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات المقدرة.
ويقدّر أن الدولة قد تتمكن، في أفضل الحالات، من تحصيل نحو 70% من الإيرادات التي بُنيت عليها الموازنة، ما يعني وجود فجوة كبيرة بين الإيرادات المتوقعة وما يمكن تحصيله فعليًا.
وهذه الفجوة، وفق شمس الدين، تضع المالية العامة أمام خيارات صعبة في ما يتعلق بتمويل رواتب موظفي القطاع العام وسائر النفقات حتى نهاية السنة.
ويشير الباحث شمس الدين إلى أن الدولة، في حال استمرار الوضع الحالي، قد تضطر إلى اللجوء إلى أحد خيارين لتمويل النفقات. وبينما يتمثل الخيار الأول بالاستدانة من مصرف لبنان، وهو ما يحمل مخاطر مالية ونقدية كبيرة، يتمثل الخيار الثاني في السحب من أموال الخزينة الموجودة لدى مصرف لبنان.
ويقدّر شمس الدين قيمة هذه الأموال بنحو 8 مليارات دولار، مشيرًا إلى أن اللجوء إليها لتمويل النفقات، في حال استمرار الأزمة، يعني استنزاف الاحتياطات المتاحة أمام الدولة.
ويحذّر من أن استمرار الاعتماد على هذه الخيارات دون معالجة جذور المشكلة سيؤدي إلى وضع أكثر دقة وخطورة، خصوصًا في ظل تراجع الموارد الاقتصادية وعدم وضوح أفق التعافي.
تراجع الحركة الاقتصادية والسياحة
ويستدل شمس الدين على حجم الضغوط الاقتصادية أيضًا من خلال حركة الوافدين إلى لبنان خلال شهري حزيران وتموز، مقارنة بالسنوات السابقة.
ويشير إلى تراجع هذه الحركة بنحو 30%، موضحًا أن القادمين إلى لبنان كانوا يشكلون عنصرًا مهمًا في تغذية الدورة الاقتصادية، من خلال الإنفاق في المطاعم والفنادق والأسواق وقطاعات الخدمات والنقل وغيرها.
وبالتالي، فإن تراجع عدد الوافدين وإنفاقهم ينعكس مباشرة على المؤسسات الاقتصادية، ويحد من قدرة السوق المحلية على التعافي في ظل الظروف الراهنة.
الحل الجذري يبدأ بوقف الحرب
ورغم الصورة السلبية التي يرسمها شمس الدين للمؤشرات الاقتصادية الحالية، فإنه يربط إمكانية تغيير المشهد بشكل أساس بتطورات الوضع الأمني والسياسي.
ويؤكد أن الحل الجذري يبدأ بانتهاء الحرب، موضحًا أن وقف الحرب يشكل المدخل الأساس للانتقال من مرحلة الانكماش والدمار والنزوح إلى مرحلة إعادة الإعمار وتحريك الدورة الاقتصادية.
ويختم شمس الدين بالتأكيد أن "كل المؤشرات سلبية طالما الوضع الحالي مستمر"، مشددًا على أن وقف الحرب وإطلاق عملية إعادة الإعمار وإعادة تنشيط الدورة الاقتصادية هي العناصر الأساسية التي يمكن أن تقود لبنان نحو وضع اقتصادي أفضل.