مقالات مختارة
محمد رضا صادقي - صحيفة الأخبار
استندت ركائز العقيدة الأمنية والدفاعية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، على مدى عدة عقود، إلى مفهومَي «الدفاع الوقائي» (العابر للحدود) و«الصبر الاستراتيجي». وقد جاء هذا النهج، في إطار منطق الواقعية البنيوية، استجابةً لعدم تماثل القدرات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.
وكانت طهران تسعى، بالاعتماد على الردع غير المباشر، إلى إبقاء بؤرة الصراع بعيدة من الجغرافيا الإيرانية، والحيلولة دون اندلاع حرب مباشرة، وتقديم ردود محسوبة على الإجراءات العدائية. كما أتاح الصبر الاستراتيجي لإيران، في ظل ظروف الضغوط القصوى والعقوبات الواسعة النطاق، مواصلة تطوير قدراتها المحلية في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والدفاع، وتعزيز قدرتها على الصمود. إلا أن التطورات الأمنية والعسكرية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما المواجهات التي أعقبت حزيران 2025، أدت إلى تغيير حسابات طهران.
لقد برز تصور جديد مفاده أن مجرد امتلاك القدرة العسكرية لا يكفي لإيجاد ردع كافٍ؛ بل يجب أن يقتنع الخصم بأن استخدام القوة العسكرية الإيرانية قادر على فرض تكاليف باهظة وغير متوقعة عليه. ومن هذا المنظور، فإن «الصبر الاستراتيجي» عندما يفسّره الطرف المقابل باعتباره علامة على الضعف أو العجز، قد يؤدي، بدلًا من خفض احتمالات الحرب، إلى خلق أرضية لسوء تقدير الخصم.
ولذلك، يمكن النظر إلى النهج الجديد باعتباره انتقالًا من ضبط النفس السلبي إلى «الردع الفعّال والهجومي»؛ وهو نمط يركز على فرض التكاليف، وامتلاك زمام المبادرة، وتحييد التهديد قبل تحوله إلى خطر مباشر. وفي هذا الإطار، لا يتمثل الهدف بالضرورة في بدء الحرب، وإنما في رفع تكلفة العمل العسكري ضد إيران ودفع الطرف المقابل إلى إعادة حساباته.
إنّ من أهم مكونات هذا التحوّل الاستراتيجي، ارتباط أمن إيران بالمعادلات الجيو-اقتصادية في المنطقة، ولا سيما مضيق هرمز. فقد خلصت طهران خلال السنوات الماضية إلى أن الأمن الاقتصادي المستدام لا يمكن أن يعتمد فقط على الإعفاءات من العقوبات أو الاتفاقيات الهشة. ومن ثم، بات مضيق هرمز يُعرَّف بصورة متزايدة باعتباره أداة مباشرة للردع ووسيلة لممارسة الضغط المتبادل. ووفقاً لهذا التصوّر، فإنّ أمن الطاقة وحركة الترانزيت في الخليج ليسا مجرد قضية اقتصادية، بل يشكلان جزءاً من معادلة الأمن القومي الإيراني، بحيث ينبغي لأي محاولة لفرض حصار اقتصادي أن تفرض، في المقابل، تكاليف ملموسة على الطرف الآخر.
وعلى الصعيدين الاستراتيجي والنووي، يمكن ملاحظة مؤشرات على التحرك نحو زيادة «الغموض الاستراتيجي». ويمكن تحليل النقاشات المتعلقة بوضع المواد المخصبة، ومستقبل التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واحتمال الاستناد إلى المادة العاشرة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، ضمن هذا الإطار. وفي منطق الردع، فإن مجرد خلق تصور مفاده أن إيران قادرة، في حال تعرض مصالحها الحيوية للتهديد، على إعادة تعريف الخيارات التي كانت مقيدة سابقاً، يمكن أن يغيّر جزءاً من حسابات التكلفة والعائد لدى الطرف المقابل.
أما في المجال العسكري، فإن الهجمات الإيرانية الثقيلة على مواقع وقواعد أميركية في المنطقة، بما في ذلك القواعد المستخدمة في الأردن، تمثل مؤشراً على حدوث تغيير في منطق الرد. وفي إطار هذا النهج، لم تعد القواعد الأميركية الإقليمية مجرد أدوات للضغط، بل يمكن أن تتحول، في حال استخدامها لتخطيط أو دعم أو تنفيذ عمليات ضد إيران، إلى أهداف مباشرة للرد. ومن هذا المنظور، فإن الهجوم على قاعدة في الأردن يمثل جزءاً من رسالة أوسع نطاقاً: فأي نقطة تنطلق منها تهديدات ضد إيران قد تكون عرضة للرد قبل أن تتحول تلك التهديدات إلى عمل عملياتي.
ومع ذلك، فإنّ «التحوّل نحو الهجومية» لا يعني بالضرورة التخلي عن الديبلوماسية. بل على العكس، فإن إحدى السمات الرئيسية للعقيدة الجديدة تتمثل في محاولة الربط بين القوة الصلبة والديبلوماسية. ففي هذا النموذج، يُنظر إلى تعزيز القدرة على توجيه الضربات وفرض تكاليف ملموسة على الأرض باعتباره أداة للوصول إلى اتفاق أكثر استدامة. والمنطق واضح: إذا خلص الطرف المقابل إلى أن استمرار الحرب أو العقوبات أو سياسة الضغط الأقصى سيكلفه أكثر من التفاوض وقبول الحقوق والمصالح الحيوية لإيران، فإن الحافز للتوصل إلى اتفاق سيزداد.
ومن منظور المصالح الوطنية الإيرانية، يمكن أن يحقق هذا التحول عدة مكاسب استراتيجية، من بينها: زيادة تكلفة أي عمل عسكري ضد إيران، وتقليص الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية في حسابات دول المنطقة، وتعزيز الديبلوماسية المباشرة مع دول الجوار، وتحويل القدرات الجيو-اقتصادية الإيرانية إلى جزء من معادلة الردع. وفي الوقت نفسه، فإن ربط أمن إيران بأمن الطاقة والتجارة الإقليمية يمكن أن يزيد تكلفة استمرار الضغوط الاقتصادية على طهران بالنسبة إلى الأطراف الأخرى أيضاً.
تتوافق تقييمات بعض القراءات الأخيرة مع هذا التحول الاستراتيجي؛ فقد أكدت مجلة «فورين بوليسي»، في مقال نشرته في 13 آب بعنوان «مجتبى خامنئي يخطط لحرب طويلة»، أن الردع لا يتحقق بمجرد الدفاع وصد الهجوم، وإنما يشمل أيضاً زيادة قدرة الرد، وفرض التكاليف، والحفاظ على زمام المبادرة العسكرية.
ويتوافق هذا التقييم مع منطق تحول العقيدة الإيرانية من «الصبر الاستراتيجي» إلى «الردع الفعّال»، كما أفادت وكالة «رويترز»، في تقرير بعنوان «إيران تهدد بالتحول إلى الوضع الهجومي إذا فشلت الديبلوماسية»، بأن طهران، في حال فشل المسار الديبلوماسي واستمرار الضغوط الأميركية، مستعدة للانتقال من الوضع الدفاعي إلى وضع هجومي كامل. وتكمن أهمية هذا التقييم في أنه يُظهر أن النهج الهجومي الجديد لا يمكن اختزاله بمجرد زيادة العمليات العسكرية؛ بل يمثل جزءاً من استراتيجية أشمل تهدف إلى تغيير حسابات الخصم، ورفع تكلفة ممارسة الضغوط، وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة للتفاوض.
في نهاية المطاف، ينبغي فهم انتقال إيران من «الدفاع الوقائي» إلى «الردع الفعّال والهجومي» في إطار محاولة تصحيح اختلال استراتيجي في موازين القوى. ولا يتمثّل الهدف الرئيسي لهذا التحوّل بالضرورة في السعي إلى الحرب، وإنما في إيجاد وضع لا يستطيع فيه الخصم مواصلة العمل العسكري أو ممارسة سياسة الضغط الأقصى ضد إيران من دون دفع تكلفة باهظة. وإذا تمكنت هذه الاستراتيجية من إيجاد ترابط بين القوة الصلبة، والقدرات الاقتصادية، والموقع الجيوسياسي، والديبلوماسية، فإنها قد تتحوّل إلى أداة لإعادة تعريف موازين القوى في غرب آسيا وتعزيز القدرة التفاوضية لإيران.