اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "الإندبندنت": أكثر من 750 جنديًا أميركيًا أُصيبوا منذ بدء الحرب مع إيران

مقالات مختارة

التنافس التركي –
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

التنافس التركي – "الإسرائيلي" في سوريا: مخاطر الصدام المباشر تتعاظم

67

علي حيدر - صحيفة الأخبار
يمثّل استهداف مطار أبو الظهور في شمال غرب سوريا، مؤشراً على انتقال التنافس الإقليمي على الساحة السورية إلى مرحلة جديدة، عنوانها منع تشكُّل بنية عسكرية سورية مرتبطة بتركيا من حيث التدريب والتنظيم والتسليح والعقيدة العملياتية. فالدور التركي في سوريا لم يعُد يقتصر على دعم الاستقرار أو إعادة الإعمار أو حماية الحدود الجنوبية، بل يتّجه نحو المساهمة المباشرة في تشكيل المؤسسة العسكرية الجديدة، وهو ما يستبطن احتمال تحوُّل العلاقة بين أنقرة ودمشق من تعاون سياسي وأمني إلى شراكة دفاعية ذات طابع مؤسّساتي مُستدام. وحتى لو لم يكن الجيش الناشئ معادياً لـ"إسرائيل" في المرحلة الحالية، إلّا أنه يمكن أن يتحوّل مستقبلاً إلى عامل يغيّر ميزان القوى في الجبهة الشمالية، وهذا بالضبط ما يُقلِق "إسرائيل". من هنا، تُفهم الغارة على «أبو الظهور» بوصفها محاولة لعرقلة ذلك المسار قبل اكتماله، ومنع قيام بنية عسكرية أوسع يمكن أن تستضيف لاحقاً قوات أو مستشارين أو منظومات تسليح مرتبطة بتركيا.

في المقابل، تَنظر تركيا إلى سوريا باعتبارها جزءاً من عمقها الاستراتيجي، ومرتبطةً مباشرة بأمن حدودها وبالمسألة الكردية وبالتوازنات الإقليمية، فضلاً عن مكانة أنقرة نفسها كقوة مركزية في المشرق. ولهذا، فإن المساهمة في بناء الجيش السوري الجديدة تبدو، بالنسبة إلى تركيا، وسيلة فعّالة لترسيخ نفوذ طويل الأجل داخل الدولة الجارة. على أن هذا الطموح لا يروق "إسرائيل" التي تفضّل سوريا محدودة القدرة العسكرية، وألّا تتحوّل أراضيها إلى قاعدة نفوذ عسكري لقوّة إقليمية منافسة. ومن ثمّ، فإن الخلاف يدور حول شكل سوريا المستقبلية وموقعها في النظام الإقليمي. لكن يبقى سؤال، هل الاستراتيجية "الإسرائيلية" الحالية كفيلة بمنع السيناريوات التي لا تحبّذها "تل أبيب"؟

الطرفان سيسعيان إلى تجنّب المواجهة المباشرة، من دون التخلّي عن أهدافهما الأساسية


يمكن الضربات الجوية أن تعطّل منشآت أو تؤخّر برامج تسليح، لكنها لا تستطيع بسهولة منع بناء علاقة عسكرية مؤسّساتية بين دولتَين. وإذا ما استمرّ التعاون السوري - التركي في مجالات التدريب، والقيادة والسيطرة، والاستخبارات، والدفاع الجوي، والطائرات المُسيّرة، والصواريخ، فإن القدرة على إيقاف هذا المسار بالقوة ستصبح محدودة وأكثر كلفة. لا بل إن الاستخدام المُكثّف للقوة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ فكلّما شعرت دمشق بأن إعادة بناء قدراتها العسكرية تتعرّض لخطر مستمرّ، قد تزداد حاجتها إلى مظلّة أمنية تركية أوسع، وهو ما قد يكون من شأنه تسريع خطوات التعاون مع أنقرة.
على أيّ حال، يبدو أن الساحة السورية مقبلة على نمط جديد من التنافس يقوم على اختبار الخطوط الحُمر؛ إذ ستسعى تركيا إلى توسيع وجودها بصورة تدريجية ومنخفضة الظهور - عبر إرسال المستشارين، والتدريب، والتزويد بالمعدّات، واستخدام المنشآت السورية -، من دون الانتقال سريعاً إلى إعلان قواعد تركية دائمة. وفي المقابل، قد تحاول "إسرائيل" تكثيف ضرباتها للبنية التحتية تلك، منعاً لتحوّلها إلى واقع يصعب تغييره. وما بين المسعيَين المتعاكسَين، يبرز خطر سوء التقدير، أو حتى احتمال وقوع خسائر تركية نتيجة ضربة "إسرائيلية"، وهو ما يمكن أن يفتح الباب على أزمة ثنائية أكثر حدّة.

في هذا السياق، يبرز الدور الأميركي باعتباره عاملاً حاسماً؛ فالولايات المتحدة تحتاج إلى تركيا في ترتيبات سوريا الجديدة، وفي الوقت نفسه تريد أن تحافظ على التزامها بأمن "إسرائيل" وتفوّقها. ولذلك، فإن مصلحتها الأساسية تتمثّل في منع تحوّل الخلاف إلى مواجهة مفتوحة، والعمل على بلورة قواعد غير مُعلنة لتوزيع النفوذ وترسيم حدود الانتشار العسكري. ومع ذلك، يمكن الحديث عن ثلاثة سيناريوات مستقبلية محتملة: الأوّل، التوصّل إلى تفاهمات غير مباشرة تسمح باستمرار التعاون السوري - التركي ضمن حدود لا تعتبرها "إسرائيل" تهديداً مباشراً؛ الثاني، استمرار اختبار الخطوط الحُمر من جانب الطرفَين؛ وأمّا الثالث، والأخطر، فتحوّل التنافس إلى سباق على تثبيت وقائع عسكرية متبادلة، بما يشمل نشر دفاعات جوية أو تعزيز الوجود العسكري الدائم.
التقدير الأرجح، أن الطرفَين سيسعيان إلى تجنّب المواجهة المباشرة، لكن من دون التخلّي عن أهدافهما الأساسية. فتركيا لن تتراجع بسهولة عن إرادتها تعزيز نفوذها داخل سوريا، و"إسرائيل" لن تَقبل بقيام بنية عسكرية سورية ـ تركية واسعة تستطيع مستقبلاً تقييد حرية عملها.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة