عين على العدو
رأت ليلي هلفرين، وهي الباحثة والمحاضرة ورئيسة "مركز إيمِت" لتعزيز التسامح والحد من العنف، أن الأضرار التي تلحق بالأطفال لا تكون جميعها ملحوظة في لحظة حدوثها. إذ قد تمر بعض الإصابات النفسية والتربوية من دون أن يلتفت إليها أحد خلال الأزمة نفسها.
هذا؛ وقد أوضحت هلفرين، في مقال نشره موقع "زمان إسرائيل"، أن الأضرار الأعمق التي تصيب الأطفال قد لا تتكشف إلا بعد انقضاء الأزمة، عندما تهدأ الأحداث وتظهر تدريجيًا آثارها التي لم تكن واضحة في خضمها. إذ إن ظاهرة الارتداد معروفة للجميع، وهي حال لا يظهر فيها الضرر الحقيقي فورًا، إنما يتكشف بعد أن يهدأ الضجيج. من هنا، يبدو أنه ينبغي النظر بهذه الطريقة إلى ما يجري في الشمال، تحديدًا مع افتتاح العام الدراسي، وفي ظل أحداث الساعة العاصفة.
بينما يتركز الخطاب العام ومنظومة التعليم اليوم، وبحق، على إعادة تأهيل البلدات وتقليص فجوات التعلم الفورية، يتراكم إلى جانب هذه التحديات الظاهرة ضرر من نوع آخر، وهو الشرخ الذي أصاب الاستمرارية النمائية التي يستند إليها نمو الأطفال والشبيبة. يتعلق الأمر بتداعيات استمرت مدة طويلة اتسمت بالطابع المؤقت والانقطاع وانعدام اليقين، وهي تداعيات قد ترافق طلاب الشمال سنوات طويلة، حتى بعد أن يتغير الواقع الأمني.
عندما تنكسر الاستمرارية
من دون الاستمرارية والروتين والمرتكزات الثابتة، يجد الأطفال صعوبة في النمو. إذ إن الانقطاع المستمر لا يضر بالتعلم فحسب، يمس أيضًا شعورهم الأساسي بالأمان في العالم. لقد تحولت الأطر التي فُتحت وأُغلقت بالتناوب والتنقلات المتكررة وصفارات الإنذار ونمط الحياة المشبع بانعدام اليقين، بالنسبة إلى كثيرين، إلى واقع مستمر. وبالنسبة إلى بعض الطلاب، لم يعد النضال اليومي مقتصرًا على فهم مادة جديدة، لقد أصبح النجاح في البقاء على اتصال بالإطار التعليمي. وتحولت المربعات الرمادية، في تطبيق "زوم"، بالنسبة إلى كثيرين، إلى شاشة عمّقت شعور الاغتراب، وألمحت إلى بداية انقطاع مستمر عن الصف.
كما واجه البالغون في الدائرة القريبة منهم الواقع نفسه. إذ إن النقص في العاملين في مجال التعليم والتغييرات المتكررة للمعلمين والشعور بأن البالغين أنفسهم عاجزون أمام الواقع الذي فُرض عليهم، كلها عوامل قد تزعزع شعور الطفل بالأمان إزاء من يفترض أن يكون بالنسبة إليه مرتكزًا ثابتًا.
يضاف إلى ذلك الفارق العميق بين الحياة اليومية في الشمال وبين الروتين النسبي الذي يتمتع به أقرانهم في مناطق أخرى من البلاد، وهو فارق يعمّق مشاعر الحرمان والظلم والانقطاع.