اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي العميد الهامي: إيران هي المنتصر حتمًا في الحرب مع أميركا

نقاط على الحروف

شيعة السفارات.. وجوهٌ تتبدّل وأجندة لا تموت
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

شيعة السفارات.. وجوهٌ تتبدّل وأجندة لا تموت

172

صحافية لبنانية

ليست محاولةً لإحصاء من يدورون في فلك السفاة الأمريكية وتلك الخليجية والأوروبية، ولا هي استعراضٌ لأسماءٍ أو سجلات، بل هي إضاءةٌ ضرورية لتذكير من يُكثّف دعايته السياسية يوميًا، وبانتظامٍ يكاد يتحول إلى جدول أعمال، بحقيقةٍ لا يمكن طمسها بالضجيج الإعلامي: من يملأ جيْبه بدولارات ودنانير وريالات تأتيه من الخارج، لا يملك أن يقدّم نفسه واعظًا في الاستقامة الوطنية، ولا مرجعًا في السيادة، ولا نموذجًا في الاستقلالية السياسية.

مناسبة الحديث هو مشروعٌ دبلوماسي دعائي يبدو ثابتًا في لبنان يُحيى عند الحاجة: "أزلام السفارة". عام 2015 تحدّث سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله (رض) عن "شيعة السفارة". التوصيف أثار سخط هذه الفئة كثيرًا حينها، غير أنها لم ترَ في ذلك حرجًا للعدول عن أداء هذا الدور، بل أصرّت على المضيّ فيه، وذهبت الى تبرير اصطفافها في خانة "رعايا السفارات" عبر القول "شيعة السفارات هم من سينقذون شيعة لبنان من دكتاتورية حزب الله".

كن معاديًا لحزب الله فقط

معايير انتقاء السفارات العربية والأجنبية للشيعة اللبنانيين، بهدف العمل على استقطابهم، ليس صعبة أو معقّدة، يكفي أن يكون مُعاديًا ومُعارضًا لحزب الله، والباقي تفاصيل. الكفاءة في الأجندة الأمريكية والخليجية مقرونة بحالة العداء الفردية للمقاومة، ثمّ تأتي الكماليات: نائبًا، صحافيًا، إعلاميًا، مالك صحيفة أو موقع إلكتروني، أستاذ جامعة، مؤثّرًا. 

يبدأ التعاون من لقاء، ثمّ اجتماع، ثمّ زيارات متلاحقة، وبعدها تتسع دائرة التواصل لتصبح علاقةً سياسية وإعلامية شبه دائمة. تتوالى الدعوات، تُقدّم الهدايا والأموال، فتُفتح المنابر والمساحات الإعلامية، ويُعاد تقديم الشخصيات بوصفها "أصواتًا مستقلة" و"معارضةً وطنية".

ومع مرور الوقت، لا يعود الأمر مجرد تواصل دبلوماسي عابر، بل يتحوّل إلى شبكة علاقات ومصالح ونفوذ: تمويلٌ هنا، دعمٌ إعلامي هناك، حضورٌ في الندوات والمؤتمرات، زياراتٌ إلى الخارج، ولقاءاتٌ متكررة مع مسؤولين ودبلوماسيين. ثم تأتي المرحلة الأخطر: تحويل هذه العلاقة إلى مشروع سياسي وإعلامي يُراد له أن يبدو لبنانيًا خالصًا، بينما تتكفّل العواصم الخارجية بتوفير جزء من الأدوات والمنابر والموارد اللازمة لاستمراره.

الدعاية المطلوبة

مشروع السفارات حرفيًا هو كمن يستأجر مجموعة من الشخصيات لأداء مهمّة واضحة ومحدّدة وترداد عناوين لا ثانيَ لها: 
* معارضة حالة المقاومة في كلّ المناسبات الإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، 
* تسخيف المواجهة مع خطة جيش الاحتلال التوسّعية في المنطقة.
* التنظير بأن الممانعة لم تعد تُجدي ولا طائل منها.
* المنطقة تشهد تحوّلات والمقاومة هُزمت.
*المقاومة ضعيفة ولا تملك قدرات.
* ورقة المقاومة أصبحت خاسرة.
* التسليم لكلّ الضغوط الخارجية على أنها واقعية سياسية.
* الضغوط الأمريكية أقوى من كلّ الحراك اللبناني الداخلي.
* أغلبية الشعب اللبناني لا تؤيّد المقاومة.
* المقاومة تُنفّذ مشروعًا إيرانيًا.

هنا تتضح وظيفة أزلام السفارات أكثر: ليست مهمّتهم أن يُقنعوا الناس ببرنامج سياسي بديل، بقدر ما هي مطالبة بأن تهدم صورة البديل القائم. أن تقول للناس، بصورة متكررة ومنابر متعددة، إن زمن المقاومة انتهى، وإن خيارها سقط، وإن المنطقة تغيّرت، وأنْ لا مكان إلّا للتسويات التي تُرسم في الخارج.

وحين تتكرر الرسالة بالوتيرة نفسها، ومن الشخصيات وبالمفردات نفسها، وفي اللحظة السياسية نفسها، يصبح من المشروع أن يُطرح السؤال: هل نحن أمام آراء سياسية متفرقة ومستقلة، أم أمام خطابٍ منسّق تتقاطع فيه المصالح والتمويل والمنابر والأهداف؟

صناعة النُخب المأجورة

علم الاجتماع السياسي درس طويلًا علاقة المال والنفوذ الخارجي بصناعة النُخب السياسية وتشكيل الخطاب العام. فالسفارة، حين لا تكتفي بدورها الدبلوماسي التقليدي، وتبدأ في بناء علاقات متكررة مع شخصيات سياسية وإعلامية وأكاديمية، فإنها لا تتعامل فقط مع أفراد، بل تستثمر في شبكات تأثير قادرة على نقل أفكارها من الغرف المُغلقة إلى المجال العام، ومن الموقف الدبلوماسي إلى الخطاب المحلي.

في علم الاجتماع السياسي، لا تحتاج القوة الناعمة إلى أن تصدر أوامر مباشرة حتى تكون مؤثّرة. يكفي أحيانًا أن تُنشئ شبكةً من العلاقات، وأن تمنح أصحابها موارد وفرصًا ومنابر واتصالاتٍ دولية، ثم تترك لهم مهمة إنتاج الخطاب وتكراره. هذا ما تحدّث عنه جوزيف صموئيل ناي، أحد أبرز المفكرين الأميركيين، ومُبتكر مصطلح القوة الناعمة. 

النفوذ، وفق هذا المنظور، لا يعمل بالضرورة من خلال الإملاء المباشر، بل يستطيع أن يعمل بطريقة أكثر نعومةً وأشدّ تعقيدًا: أن تجعل الفاعل المحلي يقتنع بالفكرة، ويتبنّاها، ثم يروّج لها باعتبارها موقفًا نابعًا من قناعته الذاتية، دون حاجة إلى أن يرى الجمهور اليد التي أسهمت في تشكيل البيئة التي أنتجت هذا الخطاب.

وهنا تصبح المنابر والعلاقات والموارد جزءًا من عملية إنتاج النفوذ. فحين تُمنح شخصية سياسية أو إعلامية أو أكاديمية فرصًا متكررة للظهور، والاتصال، والسفر، والمشاركة في المؤتمرات، والوصول إلى شبكات دولية، فإن الأمر لا يقتصر على تقديم خدمة أو امتياز، إذ يمكن لهذه الموارد أن تمنح صاحبها قدرةً أكبر على الحضور في المجال العام، وعلى إنتاج خطابٍ أكثر انتشارًا وتأثيرًا من خطاب شخص لا يمتلك الأدوات نفسها. 

عداءُ حزب الله مُربح

الشخصيات الشيعية وغير الشيعية المنخرطة في مشروع أزلام السفارات لا يمكن حصرها. الدوافع متعدّدة بينها الأوضاع المادية، وبين الأسباب الانتقامية ربما لبعضٍ منها. ما يجمعها على الأكيد المنفعة المادية. وأكثر ما يُدرّ عليهم الأموال هو حزب الله نفسه، فهل لو كانوا أعداء حزب آخر سيحظون باهتمام ومواكبة السفارة الأمريكية وتلك الخليجية لهم؟ 

مشروعٌ ثابت.. 

مشروع شيعة السفارة يكاد يكون المشروع الثابت في كلّ التبدّلات الحاصلة في لبنان والمنطقة. تتغيّر الظروف، تتبدّل العناوين، تسقط مشاريع وتظهر أخرى، تتبدل الأولويات في العواصم الخارجية، لكن الحاجة إلى إنتاج أصوات لبنانية تحمل خطابًا يتقاطع مع هذه الأولويات تبقى حاضرة. تتغيّر المفردات، لكن الوظيفة واحدة، مرةً باسم "الديمقراطية"، ومرةً باسم "السيادة"، ومرةً باسم "الواقعية السياسية"، ومرةً باسم "إنقاذ الطائفة"، ومرةً باسم "لبنان أولًا".

هنا تكمن المفارقة الكبرى: كلما ارتفع منسوب الحديث عن الاستقلال والسيادة، وجب أن يرتفع معه منسوب التدقيق في مصادر النفوذ والتأثير. فليس كافيًا أن يرفع شخصٌ شعار السيادة حتى يصبح سياديًا، ولا أن يكرر كلمة "الاستقلال" حتى يصبح مستقل القرار. الاستقلال السياسي يُختبر عند نقاط التماس مع المال والنفوذ الخارجي، لا فوق المنابر وفي البيانات والشعارات.

بوابات السفارات لإنقاذ الشيعة!

وإذا كان بعض هؤلاء يقدّم نفسه باعتباره مشروعًا لإنقاذ الشيعة اللبنانيين من "دكتاتورية حزب الله"، فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح عليهم هو: لماذا يأتي هذا "الإنقاذ" دائمًا عبر بوابات السفارات، وعبر العلاقات الخارجية، وعبر المؤتمرات والبرامج والمنح والشبكات التي تموّلها أو ترعاها جهات دولية؟ ولماذا يصبح الخارج الذي يُفترض أن يكون طرفًا في السياسة اللبنانية وله مصالحه وأجنداته، فجأةً راعيًا للسيادة اللبنانية ومدافعًا عن استقلال قرارها؟

المسألة هنا ليست في مجرد التواصل مع الدبلوماسيين، فهذا أمر طبيعي في أي دولة، ولا ينبغي تحويل كل علاقة دبلوماسية إلى تهمة. المسألة في طبيعة العلاقة، واستمراريتها، والموارد التي تنتج عنها، والوظيفة السياسية التي تؤديها، ومدى تطابق الخطاب الناتج عنها مع أولويات الجهة الخارجية.

سردية المشروع

أخطر ما في المشروع أنه لا يحاول فقط إنتاج أشخاص مُعادين للمقاومة، بل يسعى إلى إنتاج سردية كاملة عنها: المقاومة عبء، المقاومة انتهت، المقاومة هُزمت، المقاومة لا تملك القدرة، المقاومة تعطل الدولة، المقاومة مرتبطة بالخارج، والتسوية مع الضغوط الخارجية هي الطريق الوحيد الممكن. وهذا ما يردّده سياسيون، مسؤولون، رؤساء، إعلاميون.  هذا بالضبط ما يجعل "مشروع السفارات" أكثر من ملف علاقات عامة. إنه، في جوهره، صراع على إنتاج المعنى السياسي: من يحدد ما هو واقعي؟ من يعرّف الانتصار والهزيمة؟ من يحدد حدود السيادة؟

وعليه، يُطرح السؤال: هل نحن أمام معارضة لبنانية طبيعية، أم أمام محاولة لإحياء مشروع "شيعة السفارة" بثوبٍ أصبح باليًا، فيما تبقى الوظيفة نفسها: نقل أولويات الخارج إلى الداخل، ومنحها لسانًا لبنانيًا، ثم تقديمها إلى اللبنانيين باعتبارها التعبير الأكثر استقلالًا عن إرادتهم.

الكلمات المفتاحية
مشاركة