مقالات مختارة
علي حيدر - صحيفة الأخبار
ثمة خلل جوهري في الخطاب الذي تسوّق به السلطة اللبنانية خيارها في مواجهة الاعتداءات "الإسرائيلية" وقضية تحرير الأراضي المحتلة، لا يرتبط فقط بالنتائج التي قد تفضي إليها السياسة المعتمدة، بل يبدأ من المنطق الذي تستند إليه في تبريرها. فعندما يقول مسؤولو السلطة إن لبنان لم يكن أمامه خيار آخر، وإن الظروف والمعادلات القائمة لم تترك له سوى سلوك طريق المفاوضات التي أفضت إلى «اتفاق الإطار» الثلاثي، فإنهم يقرّون، من حيث لا يريدون، بأن هذا الخيار لا يقود بالضرورة إلى التحرير، بل هو خيار اضطرار فرضته موازين القوى والضغوط.
وبعيداً عن عدم صوابية ادعاء السلطة، لا تكمن المشكلة في اضطرارها إلى اعتماد خيار تفرضه مرحلة معيّنة. فالدول والقوى السياسية قد تجد نفسها، في محطات مختلفة، أمام هوامش ضيّقة وخيارات محدودة. المشكلة تبدأ في الانتقال من الاعتراف بضيق الخيارات إلى إضفاء قيمة استراتيجية على الخيار المفروض، ثم تقديمه للرأي العام بوصفه المسار المجدي لتحقيق أهداف كبرى، وفي مقدّمتها وقف الاعتداءات والتحرير. وإذا كان هذا المسار قد اعتُمد لأن السلطة ترى أنه «لا بديل منه»، فإن معيار الحكم عليه يجب أن يكون بما يحققه فعلياً من مكاسب، وما يفرضه من التزامات على الطرف الآخر، لا بمجرد كونه الخيار الوحيد الذي ارتضته السلطة.
وبالمنطق نفسه، يجري الترويج لثنائية تبدو، للوهلة الأولى، بديهية: إما الحرب وإما المفاوضات؛ وبما أن المفاوضات أفضل من الحرب، فلا بديل منها. إلا أن هذه الثنائية تختزل المشكلة السياسية والأمنية، لأنها تضع لبنان أمام خيارين مصطنعين، وتدفعه حكماً إلى اختيار أحدهما.
فالحرب، في الحالة اللبنانية، ليست خياراً يقرره لبنان حتى يُقال له: إما أن تختارها وإما أن تختار المفاوضات. فثمة اعتداء واحتلال وتهديدات وعمليات عسكرية يقررها العدو وفق حساباته ومصالحه. ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي مختلفاً: كيف يواجه لبنان العدوان بمستوياته المختلفة؟ وكيف يمنع العدو من تحويل تفوقه العسكري إلى قدرة دائمة على فرض إرادته السياسية والأمنية؟
عندها، تتسع دائرة الخيارات لتشمل الدبلوماسية والتفاوض والردع والمقاومة والضغط السياسي، والاستفادة من المتغيرات الإقليمية والدولية، وسواها من أدوات المواجهة. وبذلك، لا يعود النقاش محصوراً في ثنائية «الحرب أو التفاوض»، بل ينتقل إلى السؤال الأهم: أيّ استراتيجية تملك القدرة الأكبر على حماية المصالح اللبنانية؟
كذلك، فإن الاعتراض على نهج السلطة لا يعني رفض التفاوض من حيث المبدأ. وهذه نقطة أساسية يجري تغييبها حين يُقدَّم الخلاف وكأنه بين فريق يريد المفاوضات وفريق آخر لا يملك سوى الحرب. فجوهر الخلاف يتعلق بشكل المفاوضات وشروطها وتوقيتها وموازين القوى التي تستند إليها، فضلاً عن التنازلات التي تُقدَّم في مقابلها والضمانات التي يحصل عليها لبنان نتيجة لها.
ومن هذه الزاوية، يظهر الفارق بين المسار الذي تنتهجه السلطة والطرح الذي تتبناه المقاومة. فالسلطة تتجه نحو مفاوضات مباشرة مع العدو، بما يحمله الانتقال من التفاوض غير المباشر إلى المباشر من دلالات سياسية، ومن دون مقابل واضح لهذا الانتقال. في المقابل، تدعو المقاومة إلى مفاوضات غير مباشرة، انطلاقاً من أن المسألة ليست تفصيلاً تقنياً يتعلق بشكل الطاولة أو هوية الوسيط، بل خيار استراتيجي يحدد طبيعة العلاقة مع "إسرائيل" وحدود ما يمكن تحقيقه معها.
لكن الأخطر يتعلق بالرسالة التي يوجّهها الخطاب السياسي نفسه إلى الطرف المقابل. فعندما تعلن سلطة دولة تتعرض للاعتداء أنها لا تملك خياراً آخر، وأن المفاوضات هي طريقها الوحيد، أياً يكن سلوك العدو، فإنها لا تكتفي بوصف واقع تراه قائماً، بل تؤثر أيضاً في حسابات الخصم. فالتفاوض لا يجري في فراغ، وإنما يقوم على تقدير كل طرف لما يستطيع الطرف الآخر فعله إذا فشلت المفاوضات أو إذا بالغ في شروطه.
الخطاب الذي يُراد منه تقديم «الواقعية» يضعف الموقف التفاوضي اللبناني ويعزز رهان العدو على مواصلة الضغط
وبهذا المعنى، فإن إبلاغ العدو بأنك لا تملك بديلاً قد يتحول عملياً إلى إعفائه من كلفة التعنّت. فإذا اطمأن إلى أن تشديد شروطه أو مواصلة اعتداءاته لن يدفعك إلى تغيير مسارك، فما الذي يحمله على تقديم تنازلات؟ بل قد يستنتج العكس: أن زيادة الضغط ستنتج مزيداً من التنازلات. وهكذا، يتحول خطاب يُراد منه تقديم «الواقعية» إلى عنصر يضعف الموقف التفاوضي اللبناني، ويعزز رهان العدو على مواصلة الضغط العسكري والسياسي.
في المقابل، تقوم الرؤية الأخرى على أن التفاوض يكون أكثر جدوى كلما استند إلى عناصر القوة المتاحة: وحدة الموقف الوطني، وتعزيز القدرة على الصمود، ومنع العدو من الاعتقاد بأن عامل الوقت والضغط يعملان لمصلحته وحده، والحفاظ على قدرة المقاومة على الردع والاستنزاف، فضلاً عن الإفادة من التحولات الإقليمية ومواقف القوى الداعمة للبنان، وفي مقدّمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي دعمت لبنان وتبنّت قضية تحرير أرضه والدفاع عنه. وهذه العناصر، بالحد الأدنى، تحول دون دخول لبنان إلى التفاوض معلناً سلفاً أنه الطرف الذي لا يملك خياراً آخر.
وتزداد الإشكالية خطورة عند النظر إلى ما تحقق حتى الآن. فالطامة الكبرى أن الاتفاق لم يصل حتى إلى إلزام "إسرائيل" بوقف اعتداءاتها، وهو ما أكده السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، رابطاً استمرار التعقيدات في المسار التفاوضي بعدم تسليم حزب الله سلاحه. ويعني ذلك أن وقف الاعتداءات، وفق «اتفاق الإطار»، لا يبدو التزاماً مستقلاً على "إسرائيل"، ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول المعادلة التي يجري تكريسها: هل أصبح وقف العدوان "الإسرائيلي" ثمناً لنزع سلاح حزب الله، بدلاً من أن يكون وقف الاعتداء على لبنان التزاماً قائماً بذاته؟
وإذا استقرت هذه المعادلة، فإنها تتجاوز ترتيبات أمنية محددة، لأنها تعني عملياً تحويل الاعتداء "الإسرائيلي" إلى أداة ضغط في ملف داخلي لبناني. والأخطر أن تتقاطع السياسة الرسمية مع هذا الضغط، فيتحول استمرار العدوان إلى وسيلة لدفع جزء من اللبنانيين إلى القبول بخيارات داخلية تحت وطأة القوة "الإسرائيلية". عندها، لا يعود السؤال محصوراً في نجاح التفاوض أو فشله، بل يمتد إلى وظيفة الضغط "الإسرائيلي" داخل المعادلة السياسية اللبنانية نفسها.
ومن هنا تبرز مخاوف أعمق بشأن مآلات تجريد لبنان من عناصر القوة التي راكمها خلال عقود من الصراع، في ظل غياب ضمانات فعلية وقابلة للتنفيذ تردع "إسرائيل" عن مواصلة اعتداءاتها. فأي استراتيجية لنزع عناصر القوة يفترض أن تجيب أولاً عن سؤال بديهي: ما الذي سيمنع "إسرائيل" بعد ذلك من استخدام تفوقها العسكري بحرية أكبر؟ وما الضمانة التي تجعل التخلي عن أداة قوة قائمة يؤدي إلى أمن أكبر، لا إلى انكشاف استراتيجي أشد؟
وهذا ما يفرض مساءلة السلط عن نظرتها إلى الجنوب وموقع أمن أهله ومصالحهم في حساباتها، وعن الأسباب السياسية التي تدفعها إلى تبنّي مقاربة قد تنتهي إلى إضعاف قدرتهم على مواجهة التهديد "الإسرائيلي"، من دون ضمانات حقيقية للأمن والسيادة.