اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي محلل "إسرائيلي": نتنياهو نائم لا يفتح عينيه إلا عندما يتعلق الأمر بمصيره الشخصي

إيران

الصحف الإيرانية: إلى أي مدى يمكن لأميركا البقاء قرب إيران؟
🎧 إستمع للمقال
إيران

الصحف الإيرانية: إلى أي مدى يمكن لأميركا البقاء قرب إيران؟

58

اهتمت الصحف الإيرانية، اليوم الاربعاء (02 أيلول/سبتمبر 2026)، بتقويم الاعتداء الأميركي والرد الإيراني، وبيّنت بعض الصحف استراتيجية الضربات الإيرانية وأهدافها التي تراكمها مع كل جولة حربية. كما اهتمت أيضًا بتقويم الحصار الاقتصادي ووظائف الحكومة ومؤسسات الدولة في إطار توجيهات الإمام السيد مجتبى في رسالته الأخيرة.

لا يوجد مكان للاختباء

كتبت صحيفة وطن أمروز: "دخلت الولايات المتحدة الحرب وهي تعتقد أن أهم ميزة لها على إيران تكمن في تفوقها الجوي والاستخباراتي واللوجستي المطلق، وبالطبع، شبكة قواعد عسكرية منتشرة في جميع أنحاء المنطقة. كانت الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة والعراق والأردن، وحتى فلسطين المحتلة، نقاطًا في البنية العسكرية الأمريكية تسمح بنشر القوات والتزود بالوقود وصيانة الطائرات وتخزين الذخيرة والعمليات. كان منطق هذه البنية واضحًا: إذا تمكنت إيران من ممارسة الضغط في مكان ما، فستمتلك الولايات المتحدة نقاطًا أخرى للعمليات. مع ذلك، انقلب هذا المنطق تدريجيًا ضد واشنطن، لأنه بدلًا من الاكتفاء بالرد على هجوم مباشر على أراضيها، أدرجت إيران أيضًا الشبكة الداعمة لهذه الهجمات في حساباتها. بعبارة أخرى، حاولت إيران تغيير ساحة المعركة من "إيران ضد الولايات المتحدة" إلى "إيران ضد شبكة الوجود الأميركي". هذا التغيير يوضح مغزى العديد من الهجمات المتفرقة والمنفصلة ظاهريًا في الأشهر الأخيرة".

تابعت الصحيفة: "النقطة المهمة هي أن سلوك إيران في هذه الحرب، خلافًا للصورة التي تُصوّر أحيانًا كحرب شاملة وعنيفة، كان تدريجيًا ومحسوبًا على مراحل عديدة. لم تسعَ طهران بالضرورة إلى توجيه أكبر ضربة ممكنة في كل مرة، لكنها وضعت الهجوم على جدول أعمالها في مناسبات عديدة، وقامت بتقييم الدفاع، وتكرار الهجوم، وتوسيع النطاق الجغرافي، ثم تغيير نقطة الهدف. قد يُسجّل إطلاق صاروخ مرة واحدة على قاعدة أميركية واعتراضه في جدول الأضرار على أنه "نجاح دفاعي"، ولكن إذا تسبب الهجوم نفسه في نقل الطائرات، وتشتيت مخازن الذخيرة، ونشر المزيد من أنظمة الدفاع، وإجبار القادة الأميركيين على إعادة النظر في موقع انتشارهم التالي، فإن التأثير الحقيقي للهجوم يكون أكبر بكثير من حجم الدمار المادي. في هذه الحرب، لا تقتصر الإصابة على مجرد اصطدام الصاروخ بالهدف؛ بل تحدث الإصابة الحقيقية عندما تتغير حسابات قائد العدو".

كما أكدت الصحيفة أن إيران لا تحتاج  بالضرورة إلى تدمير جميع القواعد الأميركية لتحقيق النصر؛ يكفيها فقط رفع تكلفة وجودها هناك إلى درجة يتحول معها استخدامها من ميزة إلى مخاطرة. عندما تُجبر الولايات المتحدة على نقل معداتها من مكان إلى آخر، قد يبدو الأمر ظاهريًا مجرد "إعادة تموضع للقوات"، لكنها في الواقع تفقد جزءًا من حرية تحركها. تكتسب القاعدة العسكرية قيمة استراتيجية عندما يتمكن القائد من استخدامها من دون القلق المستمر من استهدافها؛ فإذا تطلب كل طيران، وكل عملية نقل ذخيرة، وكل حشد للقوات حساب احتمالية الهجوم، فإن تلك القاعدة تفقد وظيفتها التي كانت تؤديها قبل الحرب. وبالتالي، تستطيع إيران تغيير وظيفة القاعدة الأميركية دون الاستيلاء عليها، وهذا شكل مختلف من أشكال كسب الحرب".

بحسب الصحيفة :"هنا؛ تكمن حقيقة مهمة حول جغرافية الحرب: فالمسافة الأبعد لا تعني بالضرورة مزيدًا من الأمان، بل قد تعني في بعض الأحيان تكاليف لوجستية أعلى. فإذا ابتعدت الولايات المتحدة أكثر عن الخليج، فسيتعين عليها الاعتماد على مسارات طيران أطول، وطائرات تزويد بالوقود أكثر، وحماية دفاعية أوسع، وخطوط إمداد معدات أكثر تطورًا للعمليات. حتى لو نُقلت المعدات من الأردن إلى الأراضي المحتلة، فلن تُحل المشكلة، لأن "إسرائيل" نفسها تُعدّ من الأهداف الرئيسية للصواريخ الإيرانية، ودخول المزيد من المعدات الأميركية إليها يعني زيادة تركيز الأصول القيّمة في منطقة أظهرت إيران قدرتها على استهدافها. إذا نُقل جزء من هذه المعدات إلى أوروبا، فستظهر مشكلة أخرى: إذ ستزداد المسافة العملياتية بينها وبين ساحة المعركة الرئيسية، ما يُصعّب استخدامها الفوري. وهكذا، تواجه الولايات المتحدة خيارين غير مرغوب فيهما: البقاء على مقربة وقبول خطر التعرض للهجوم، أو الابتعاد وفقدان جزء من فعاليتها العملياتية. .من هذا المنظور، تصبح العملية التدريجية للضربات والهجمات الإيرانية أكثر أهمية من عملية واحدة. لقد أظهرت إيران مرارًا وتكرارًا في الأشهر الأخيرة أنها قادرة على تصور شبكة واسعة من الأهداف والقواعد المرتبطة بالوجود الأمريكي، وعدم حصر النطاق الجغرافي لردها في حدود إيران. هذا ما يجعل الحرب بالنسبة للولايات المتحدة ليست مجرد عملية ضد البنية التحتية العسكرية الإيرانية، بل حربًا ضد شبكة الإمداد اللوجستي الأميركية ووجودها الإقليمي". 

تختم الصحيفة مقالها الافتتاحي بالقول :" في نهاية المطاف، ربما لم يعد السؤال الرئيس في هذه الحرب هو إلى أي مدى يمكن للولايات المتحدة مهاجمة إيران؟ بل إلى أي مدى يمكنها البقاء قريبة من إيران مع الحفاظ على حرية تحركها العسكري؟ لقد أظهرت إيران خلال الأشهر القليلة الماضية أنها لن تكتفي بالرد عند نقطة الهجوم، بل يمكنها تحديد الرد من نقطة أخرى وضد حلقة أخرى في سلسلة الوجود الأمريكي. هذا هو السلوك الذي يُغير ببطء جغرافية الحرب. إذا استمر هذا الاتجاه، فقد يذكر مؤرخو الحرب يومًا ما ليس عدد الصواريخ التي أُطلقت، بل المسافة التي قطعتها المعدات الأمريكية للعثور على نقطة آمنة كأحد المؤشرات المهمة لهذه الحرب".

مبدأ الاستنزاف الاقتصادي

كتبت صحيفة رسالت: "في ظل الآراء الناشئة للأمن الدولي والأدبيات الحديثة للعلوم العسكرية، شهدت مفاهيم مثل "ساحة المعركة" و"المواجهة الاستراتيجية" تحولًا جذريًا وهيكليًا، ما أدى إلى تلاشي الحدود التقليدية بين السلم والحرب، والقتال العنيف والقتال غير العنيف، وتداخلها بشكل كبير. فاليوم، وقبل إطلاق النار أو إرسال وحداتهم المدرعة إلى جبهات جغرافية، تُفعّل القوى المهيمنة والإقليمية والعابرة للأقاليم طبقات معقدة من الحرب الهجينة، حيث لا تُمثّل خطوط المواجهة الحدودية الجبهة الرئيسية، بل "العمق الاجتماعي" و"إدارة التصورات" و"رأس المال النفسي" للدولة المستهدفة. وفي إطار المناهج التحليلية للصراع طويل الأمد بين الولايات المتحدة والنظام الصهيوني من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، يبرز بوضوح نمط من الضغط متعدد الأبعاد والطبقات، حيث يُشكّل التآكل الداخلي وانهيار التماسك الداخلي استراتيجية أساسية، أو حتى بديلًا منخفض التكلفة للصراع العسكري المباشر. تستند هذه الاستراتيجية إلى فرضية أساسية: إضعاف قدرة الدولة على الصمود وخلق فجوة عميقة بين المجتمع والسيادة يُخلّ بحسابات ومعادلات الردع لدى الطرف الآخر، ويوجّه أي عمل أمني أو عسكري لاحق بأقل تكلفة ممكنة للمعتدي نحو الدولة المستهدفة". 

كما ترى الصحيفة أن :" القوة الدافعة والمحور التشغيلي المركزي لهذه الآلية المعقدة في تطبيق ضغط اقتصادي منظم ومتواصل وشامل قد اتخذ شكلًا جديدًا واسع الانتشار ومدمرًا للغاية على مدى العقود الأربعة الماضية، لا سيما بعد انسحاب إدارة دونالد ترامب الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018 واعتماد ما يُسمى بسياسة "الضغط الأقصى". ولا تُعدّ العقوبات الاقتصادية في هذه العقيدة الجديدة مجرد أداة عقابية أو ردعية محدودة لتغيير السلوك الدبلوماسي أو تقييد بعض المجالات المحددة، بل استهدفت شرايين الاقتصاد الحيوي للبلاد، بما في ذلك صادرات الطاقة، والشبكة المصرفية، والمعاملات المالية، وإمدادات السلع الأساسية، والوصول إلى التقنيات الأجنبية الحديثة، وذلك لاستهداف سبل عيش وقدرة الطبقات المتوسطة والمنخفضة الدخل بشكل مباشر ويومي. يُؤدي هذا الضغط المالي المستمر، الذي يتجلى في صورة تضخم هيكلي، وتقلبات متتالية في سعر الصرف، وصعوبات في تكاليف الإنتاج، إلى خلق جوٍّ من الاستياء الموضوعي واليأس الاقتصادي. مع ذلك، في سياق الحرب الهجينة، لا تبقى المشكلات الاقتصادية مجرد ظاهرة مالية أو تحدٍّ إداري، بل تتحول إلى إخفاقات أمنية وأرض خصبة لعمليات نفسية تهدف إلى عرقلة مسار التلاحم الطبيعي وتلبية احتياجات المجتمع المعيشية، وإبعادها عن مسار الإصلاح".

تتابع الصحيفة : "في الواقع، تكمن نقطة التقاء أدوات الضغط الخارجي مع مواطن الضعف الداخلية في الفجوة والصدع الناجمين عن صعوبات المعيشة الفعلية والمطالب الاجتماعية. ففي أي مجتمع ديناميكي ونابض بالحياة، يُمثل الاحتجاج على أوجه القصور الاقتصادي والتضخم وعدم المساواة عملية إصلاح طبيعية ومطالبة مدنية تُفضي إلى تحسين السياسات؛ إلا أن مُخططي الحرب الهجينة، باستخدام بنى تحتية إعلامية واسعة الانتشار وشبكات إدراكية عابرة للحدود، يجعلون من هؤلاء المحتجين على سبل العيش هدفًا رئيسيًا لمشاريع زعزعة الاستقرار. من خلال ربط المعاناة الاقتصادية اليومية للشعب بالانقسامات السياسية الكبرى، تسعى شبكات الإعلام المعارضة والتيارات السياسية المتحالفة مع مشروع الضغط إلى تصوير أي تحدٍّ في سبل العيش كعلامة على الانهيار و"الوصول إلى طريق مسدود". وفي هذه الدورة النفسية الإعلامية، تُضخّم الأخبار السلبية ويُبثّ شعور عميق بالعجز في الرأي العام، بحيث يُمكن توجيه احتجاج نقابي بسيط نحو أعمال شغب منظمة وتدمير البنية التحتية العامة وعنف الشوارع".

بحسب الصحيفة : "يرتكز التقاطع الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب في هذا الهيكل الحربي على مبدأ "الإضعاف من الداخل"؛ حيث يسعى النظام الصهيوني، عبر عمليات إلكترونية وتخريب صناعي وتدابير إعلامية واغتيالات مُستهدفة، إلى زعزعة استقرار المجتمع، بينما تُضيّق الولايات المتحدة الخناق على اقتصاد البلاد بتشديد العقوبات وخلق توافق دولي. والهدف النهائي من هذا التضافر هو تدمير رأس المال الاجتماعي وغرس شعور بالعجز البنيوي في مواجهة الأزمات. مع ذلك، يُظهر تحليل شامل لهذا الصراع أن تحييد هذه التحركات المعقدة يتجاوز الاعتماد على الأدوات والتدابير الأمنية وحدها. ففي مواجهة الحرب الهجينة، يتشكل الردع الحقيقي عندما تقترن السلطة الأمنية بإصلاحات اقتصادية عميقة، والسيطرة على التضخم، ومكافحة الفساد بحزم، وتعزيز الشفافية، وتوطيد الثقة بين الحكومة والشعب. لن يتحقق ذلك إلا بتعزيز الصمود الاجتماعي، ورفع مستوى الوعي الإعلامي لدى المجتمع، والفصل بذكاء بين حسابات المطالب المشروعة للشعب ومشاريع العدو التدميرية، ما سيؤدي إلى فشل حسابات العدو في مشروع الانهيار الداخلي وضمان الأمن القومي في مواجهة أكثر سيناريوهات المواجهة غير المباشرة تعقيدًا.. واستخدم النظام الصهيوني علنًا استراتيجيات متعددة المستويات ضد إيران في السنوات الأخيرة، بدءًا من العمليات السيبرانية والتخريب الصناعي وصولًا إلى التدابير الإعلامية والحرب النفسية. ويرى صناع القرار في تل أبيب أن إضعاف إيران داخليًا يُكمّل الضغط الخارجي. ولذلك، يُعدّ خلق شعور باليأس، وتضخيم المشاكل، واستهداف رأس المال الاجتماعي جزءًا من المعركة غير المباشرة نفسها التي تُشنّ جنبًا إلى جنب مع الضغط الأمني والعسكري. كما أظهرت الولايات المتحدة في فترات مختلفة استخدامها للأدوات الاقتصادية والسياسية لزيادة الضغط على إيران. وشملت هذه الاستراتيجية فرض عقوبات واسعة النطاق، ودعم وسائل الإعلام المعارضة، ومحاولة خلق إجماع دولي ضد طهران".

لماذا يُعدّ سيناريو الفوضى ما قبل الحرب مهمًا؟

تابعت الصحيفة: "في العديد من النزاعات الدولية، تحاول الدول التي تنوي ممارسة الضغط العسكري أولًا جعل الأوضاع الداخلية للطرف الآخر صعبة. إن تقليل التماسك الاجتماعي، وزيادة النزاعات الداخلية، وخلق انطباع بالضعف، كلها عوامل تُغيّر حسابات الطرف الآخر. ولهذا السبب، يُمكن اعتبار سيناريو الفوضى الاقتصادية جزءًا من استراتيجية أوسع. استراتيجية تهدف إلى تقليل تكاليف الإجراءات اللاحقة للعدو. فإذا انخرط مجتمع ما في نزاعات داخلية وأزمات اجتماعية، يعتقد العدو أن قدرة الدولة على الاستجابة قد تراجعت. ومن هذا المنطلق، يُعتبر الحفاظ على التماسك الاجتماعي وتعزيز ثقة الجمهور جزءًا من قوة الردع لدى الدولة. ويتمثل سبيل المواجهة في الجمع بين السلطة الأمنية والإصلاح الاقتصادي".

كذلك تؤكد الصحيفة : "لا يمكن مواجهة مثل هذه السيناريوهات بالتدابير الأمنية وحدها. إن أهم عامل لتحييد الحرب الهجينة هو الحد من مواطن الخلل. ويُعد تحسين الأوضاع الاقتصادية، والسيطرة على التضخم، ودعم الفئات الضعيفة، ومكافحة الفساد بجدية، وزيادة الشفافية، من أهم التدابير التي تحد من هامش مناورة العدو. إضافةً إلى ذلك، يحتاج المجتمع أيضًا إلى تعزيز الوعي الإعلامي للتمييز بين النقد البناء، والمطالب الاجتماعية، والعمليات النفسية المنظمة. وقد أظهرت تجربة السنوات الماضية أن أعداء إيران لطالما حاولوا استغلال المشاكل الحقيقية لتحقيق أهدافهم السياسية، ولكن في المقابل، كلما تعززت العلاقة بين الشعب والنظام، فشلت مشاريع الضغط الخارجي. يُعدّ سيناريو إحداث فوضى اقتصادية قبل نشوب صراع محتمل جزءًا من نموذج الحرب الهجينة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وهو نموذج يجمع بين الضغط الاقتصادي، والعمليات الإعلامية، والحرب النفسية، والتدابير الأمنية. والهدف الرئيسي لهذه الاستراتيجية هو تحويل المشاكل الاقتصادية إلى أزمة سياسية وتقويض التماسك الداخلي. إلا أن التجربة أثبتت أن العامل الأهم في فشل هذه الخطط ليس القوة الدفاعية فحسب، بل أيضًا رأس المال الاجتماعي، وثقة الجمهور، والقدرة على حل المشاكل الداخلية. في ظلّ ما يشهده الإقليم من تطورات أمنية معقدة، يُشكّل الحفاظ على السلم الاجتماعي، والإدارة الاقتصادية، والتصدي الذكي للعمليات النفسية، عناصر أساسية للردع الوطني الذي يُمكنه إحباط أي خطأ في حسابات العدو".

كيف يمكن تعزيز قوة إيران؟

كتبت صحيفة كيهان: "يمكن اعتبار رسالة قائد الثورة الأخيرة بمناسبة أسبوع الحكومة أكثر من مجرد رسالة عابرة، بل خطة استراتيجية موجزة لمكونات القوة الوطنية في الوضع الراهن للبلاد. يتمحور جوهر الرسالة حول السعي نحو "إيران أقوى"، وهو تعبير لا يقتصر في نص الرسالة على القوة العسكرية، ولا يشير فقط إلى مقاومة الضغوط الخارجية؛ فالحكومة الكفؤة، والاقتصاد المنتج، واستقرار سبل العيش، والاستثمار، والتكنولوجيا، والتماسك الاجتماعي، والثقافة، وسردية القوة، كلها عناصر تشكل منظومة متكاملة لتعزيز القوة الوطنية. وفي هذا الإطار، يرتبط تحقيق إيران أقوى بـ"العمل الدؤوب"، و"المبادرة المستمرة"، و"شرح وتوضيح قوة إيران والأمة". يُعدّ أداء الحكومة الركيزة الأولى لهذه المنظومة. إن تقدير أداء الحكومة في توفير السلع والخدمات التي يحتاجها الشعب، وإصلاح المناطق المتضررة، وإدارة الطاقة خلال الحرب وبعد تصعيد العقوبات والحصار، يحمل دلالات أعمق من مجرد شكر السلطة التنفيذية. في ظل الوضع الحرج الراهن، يتجلى جزءٌ هام من القوة الوطنية في قدرة الحكومة على ضمان استمرار الحياة الطبيعية للمجتمع، والحفاظ على الخدمات الحيوية، واحتواء الاضطرابات، والتعافي السريع من الأضرار. فالدولة القوية هي التي لا تُعطّل آليات حكمها عند مواجهة ضغوط خارجية، والتي تستطيع الحفاظ على الوظائف الأساسية للاقتصاد والمجتمع". 

من هذا المنطلق، ترى الصحيفة أنه :"يُعدّ تقليل الاحتكاكات داخل الحكومة، وتسريع وتيرة اتخاذ القرارات، والتركيز على القضايا الحقيقية للشعب، جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية تعزيز القوة. أما الركن الثاني فهو تقوية الأسس الاقتصادية للقوة. وفي هذه الرسالة الاستراتيجية، تُطرح قضايا التضخم والبطالة، وإدارة الأسعار وسوق السلع والخدمات، والنمو، وزيادة الاستثمار، وتوجيه رأس المال نحو القطاعات المفيدة، وازدهار الإنتاج، والتقليص التدريجي لدور الدولار، والتركيز على سياسات اقتصادية داعمة، جنبًا إلى جنب. تُظهر هذه السلسلة أن الاقتصاد، من هذا المنظور، ليس هامشيًا بالنسبة للأمن القومي، بل هو أحد أركانه الأساسية. فالتضخم المزمن، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف الاستثمار، وركود الإنتاج، حتى في حالة القوة العسكرية، تُقوّض أسس قوة الدولة من الداخل. لذا، لا يمكن تحقيق "إيران أقوى" دون اقتصاد قادر على تحقيق الاستقرار والنمو والمرونة في آن واحد. ولا يُعدّ احتواء التضخم والحفاظ على سبل عيش المواطنين ضمن هذا الإطار مجرد أهداف للرفاهية، بل هما عنصران أساسيان من عناصر القوة الوطنية. فالاقتصاد الذي تتدهور فيه أوضاع الأسر باستمرار، والذي تفتقر فيه الشركات إلى رؤية استثمارية واضحة، لا يمكن أن يكون سندًا مستدامًا للقوة السياسية والأمنية للبلاد".

أما بخصوص المحور الثالث، فيتمثل، برأي الصحيفة، في الاعتماد على الإنتاج المحلي إلى جانب الاستخدام الرشيد للواردات. وفي هذه الرسالة المهمة، يُقدّم الإنتاج المحلي باعتباره "المفتاح الرئيسي" لحل المشكلات الاقتصادية، ولكن يُوضّح فورًا أن توفير إمدادات كافية من السلع العامة والمتخصصة ضرورة حتمية، وأنه في حال عدم كفاية الإنتاج المحلي، يجب استخدام الواردات بشكل صحيح وحكيم.يُتيح هذا الاعتبار فهمًا أوضح للاقتصاد المرن. في الواقع، لا يُعدّ الاقتصاد المرن اقتصادًا معزولًا يعتمد على الاكتفاء الذاتي المطلق، بل هو اقتصاد قلّل من نقاط ضعفه الحرجة مع تعزيز قدرته على الاختيار في تفاعله مع العالم. ويشمل هذا النهج تعزيز الإنتاج المحلي، وتنويع الشركاء التجاريين، والحفاظ على مسارات إمداد بديلة، وتجنب الاعتماد على دولة واحدة أو مسار واحد أو آلية مالية واحدة. لا تكمن القوة الاقتصادية في قطع العلاقات مع العالم، بل في تقليل إمكانية ممارسة الضغط من خلال التبعيات الهشة.

لذلك تدعو الصحيفة إلى :"تركيز الرسالة على التراجع التدريجي لدور الدولار في هذا السياق. تكمن القضية الأساسية في الحد من الهشاشة الناتجة عن التركيز المفرط للعلاقات المالية والتجارية على آليات يُمكن أن تُصبح أدوات ضغط. يُمكن أن يُشكّل تنويع العملة، وتطوير مسارات تسوية مختلفة، وتوسيع شبكة التجارة الخارجية، إذا ما صُممت بعناية، جزءًا من بنية المرونة الاقتصادية للبلاد. أما الركن الرابع فهو التكنولوجيا والابتكار والتحرر من الأساليب التقليدية البالية. تؤكد الرسالة على أهمية استخدام التقنيات والابتكارات التي يقترحها النخب الشابة، وتوضح أن التخلي عن الروتين والعادات قد يكون أحيانًا مصدرًا للقفزات النوعية. وقد لوحظت هذه القدرة في الزراعة والصناعة والثقافة والتعليم والاتصالات وغيرها من مجالات "إنتاج القوة". يسلط هذا القسم الضوء على أحد أهم أبعاد مفهوم القوة في عالمنا المعاصر".

تختم الصحيفة بالقول : "لعلّ جوهر الرسالة يُمكن تلخيصه في مقولة واحدة: في الواقع، تعزيز إيران يعني في آنٍ واحد زيادة قدرتها على التأثير في البيئة الخارجية وتقليل قدرة العدو على التأثير في نقاط ضعفها الداخلية. لا تكمن القوة في قدرة الدولة على الاستجابة للضغوط الخارجية فحسب، بل أيضًا في عجز العدو عن تحقيق ما لم يحققه في الميدان المباشر من خلال التضخم والنقص والركود والانقسامات الاجتماعية والضعف التكنولوجي، أو تآكل ثقة الشعب. من هذا المنظور، فإنّ شعار " إيران أقوى" ليس مجرد شعار، هو معيار لقياس الحوكمة، وأي سياسة تزيد من القدرة الإنتاجية للبلاد وكفاءة الحكومة والتماسك الاجتماعي والخيارات الاقتصادية وحرية العمل السياسي، تجعل إيران أقوى، وأي سياسة تُضعف هذه القدرات، حتى وإن بدت ذات أثر قصير الأجل، تُبعدها عن مسار القوة الوطنية".

الكلمات المفتاحية
مشاركة