اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حفلات الزفاف هدفًا للجيش الأميركي الجبان

نقاط على الحروف

الصورة تتكلم.. مليشيات
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

الصورة تتكلم.. مليشيات "القوات" و"الكتائب" تتباهى بسلاحها غير الشرعي

136

كاتبة من لبنان

"حصر السلاح بيد الدّولة" و"نزع سلاح المقاومة" شعاران رافقا منذ سنوات الخطاب السياسي اليميني المتمثّل بشكل أساسيّ بحزبي الكتائب والقوّات اللبنانيّين. وقد يُخيّل للمتلقي أنّ الشعارين يتحدّران من موقف جذريّ ضدّ استخدام السّلاح، ولو ضدّ عدوّ يمارس همجيّته على مرأى العالم، ويعلن أطماعه وأهدافه عبر خريطة يسمّيها "إسرائيل الكبرى"، أو يظنّ أنّهما صادران عن جماعات تتبنّى اللّاعنف نهجًا في كلّ مواجهة قد يفرضها الواقع، أو على الأقل، سيبدو للسّامع أن أصحاب الخطاب مسّهم الجهل بالوقائع، فاعتقدوا أنه انتفت الحاجة للمقاومة المسلّحة، والتي تشرّعها كافّة المواثيق والقوانين الدولية، بوجود دولة قادرة على حماية الأرض والناس من أيّ اعتداء. ولكن، هل يتماهى أصحاب هذا الخطاب مع شعاراتهم ومواقفهم هذه؟ الوقائع كما هي ودون أي جهد تحليليّ، تجيب بالنفي، فالحزبان المذكوران أعلاه، وفي خضمّ استماتتهما في مناهضة "السّلاح" خارج سلطة الدولة، لم يوفّرا فرصة للظهور المسلّح، والذي بطبيعة الحال ليس من ضمن أجهزة الدولة، والتباهي ببعض الشعارات التي تبطّن التهديد باستخدام السلاح وتحيله نشيدًا أو صورة، أو مخيّمًا!

نشر حزب الكتائب يوم أمس مجموعة من الصور التي وثّقت إقامة مخيّم، قيل ترفيهيّ، في تنورين، وفي بعضها، ظهر السلاح "غير الشرعي" مضافًا إلى الزيّ العسكري الذي ارتداه المشاركون، وأبرزهم نديم الجميّل، الذي أعاد نشر الصور مزهوًا بظهوره محاطًا بالسلاح، مرتديًا الثياب العسكرية. نشر هذه الصّور في هذه الفترة تحديدًا لم يكن حركة ذكية من "الكتائب"، فهي من ناحية أعادت إلى الأذهان مرحلة يودّ اللبنانيّون لو تُمحى من ذاكرتهم، إذ ترتبط صورة العسكر الكتائبي بذاكرة من المجازر الوحشية والارتكابات الدموية، ومن ناحية أخرى، ليس من اللائق أن يظهر إلى العلن هذا التناقض بين شعار "حصر السلاح بيد الدولة" واستعراض مخيّم ذي طابع عسكري. وبذلك، إن وُجد في البلد من يصدّق الفصاحة الكتائبية في الحديث عن "الدّولة ومؤسساتها" و"حصرية السلاح" و"نزع السلاح غير الشرعي"، فقد فُقِد حال نشر الصور.

يُقال عادة "الصورة تتكلّم"، وفي هذا العصر، يمكن للصورة وحدها أن تحمل الرسائل وتوجّه التهديدات تلميحًا، دونما حاجة إلى خطاب مباشر. وإذا دقّقنا قليلًا في لغة الصورة، فقد تعمّد ناشرها تمرير رسائل من طراز "الكتائب لم تزل حزبًا مسلّحًا"، وجاهزًا للانخراط في استخدام السلاح مجدّدًا. وإن كان الحال كذلك، فبمواجهة من؟ لن يبلغ أحد سذاجة الظنّ أنّ الكتائب اللبنانية قرّرت الدفاع عن لبنان بمواجهة ما يتعرّض له من عدوان "إسرائيلي" متواصل ومقاومة الآلة العسكرية الصهيونية التي تستبيح الأرض وتقضم الكيلومترات من الـ١٠٤٥٢ كلم مربّع، الرقم المحبّب والمتكرّر في الخطاب الكتائبيّ! واقعًا، الخطاب السياسيّ والإعلاميّ في الكتائب ينغمس في التحريض على المقاومة وسلاحها، وحتى أهلها. وبالتالي، السلاح الظاهر في صور المخيّم هو "السلاح غير الشرعي" بعينه، هو السلاح الذي يجب على الدولة نزعه في إطار حصرها للسلاح بيدها، وهذا ما لا ينطبق على سلاح المقاومة "الشرعي" والذي يكتسب شرعيته من الحقّ الطبيعي بالدفاع عن النفس في مواجهة عدوّ قاتل وطامع، من أهل الأرض الذين تعجز الدولة، بأحسن توصيف ممكن، عن حمايتهم، ومن المواثيق الدولية التي تشرّع حمل السلاح بمواجهة العدوان الخارجيّ، وتجرّم ذلك الذي يهدّد أي طرف محلّيّ!

بكلّ الأحوال، إن كان هذا التوثيق لمخيّم ترفيهيّ اتخذ شكلًا معسكرًا، سقطة إعلامية من حزب يقوم خطابه على شيطنة السلاح الذي يواجه "إسرائيل"، فالمصيبة عظيمة وينبغي محاسبة المسؤول عن تسريب ونشر الصور، إذ تفضح الكتائب متلبّسة بفعل يناقض أقوالها، وإن كان منصّة لتوجيه رسائل إلى الداخل، فالمصيبة أعظم، وإن لم تكن صادمة أو مستجدّة.

ما فعله حزب الكتائب عبر نشر هذه الصور ليس سابقة في مسار اليمين اللبنانيّ، ولا سيّما في السنوات الأخيرة، فقد سبق القوّاتيون رفاقهم الكتائبيين بخطوات في هذا الاستعراض المحمّل بتلميحات تهديديّة: "كوينا الزيتي" شعار يتصدّر حسابات القواتيين على منصات التواصل في مناسبات مختلفة، في إشارة إلى جهوزية عسكرية موجّهة ضدّ الداخل اللبناني، ومحمّلة بكثير من ذكريات الحرب الأهلية، والتي تفنّن خلالها حزب القوات بمختلف صنوف القتل. وقد تعدّى الأمر الاستعراض المسلّح كما في تشييع بيار معوّض قبل أشهر، على سبيل المثال، وبلغ حدّ استعمال هذا السلاح غير الشرعيّ لقتل الناس في "الطيونة" عام ٢٠٢١. تطول لائحة الأمثلة والأحداث التي تباهى فيها القواتيون بحملهم السلاح واستخدامه أو الجهوزية لاستخدامه ضد اللبنانيين، بالتوازي مع خطابهم الذي يتخذ من "حصر السلاح بيد الدولة" عنوانًا ممجوجًا، والذي يدعو إلى نزع سلاح المقاومة بذريعة الحفاظ على لبنان. أضف إلى كلّ ذلك، العادة القواتية التي صارت مملّة وفاقدة للابتكار، والمتمثّلة بظهور ناطقين يهدّدون ويتوعّدون ويصفّقون علنًا لقتل الناس ويراهنون بلا أدنى خجل على مقدرة "إسرائيل" على إبادة فئة من اللبنانيين، وأكثر من ذلك يتحدثون عن معسكرات تدريبية وعن سلاح ومقاتلين، موجّهين كلامهم للمقاومة وأهلها، الذين للمفارقة لا يهدّدون أحدًا إلا "إسرائيل".

إذًا، بالنظر إلى هذا الخطاب السياسيّ والإعلاميّ والذي يتّصف بالإلغائية وبالتهديد وبالذهاب إلى أقصى التطرّف ضدّ أبناء البلد، يمكن استخلاص بعض المعاني للمفردات والمصطلحات المتكرّرة في اللغة القواتية الكتائبية: السلاح غير الشرعي هو كلّ سلاح معدّ لمواجهة "إسرائيل"، أمّا حصرية السلاح بيد الدولة فتعني في قاموسهم، منع استخدام السلاح في الدفاع عن لبنان، وحصر استخدامه لتهديد اللبنانيين. ربّما، حين ندرك المقصود من بعض المصطلحات المتكرّرة في هذا الخطاب، يسهل على الجميع فهم التموضع الكتائبي القواتيّ، القديم والمتجدّد، وفهم رمزية الصور والشعارات التي تنطلق من فوّهات إعلام الحزبين.

الكلمات المفتاحية
مشاركة