نقاط على الحروف
كاتب من لبنان
حين يخوض شعب معركة طويلة ضد عدوّ محتلّ، فإن أول ما يجب أن يدركه هو أن الطريق إلى التحرير لن يكون سهلًا، وأن عدوًّا مثل العدو "الإسرائيلي"، الذي أقام مشروعه على القوة والتوسع والاستيطان لن يتخلى عن أهدافه لمجرد أن مقاوميه تمنّوا ذلك.
لهذا، فإن الخطأ الكبير أن يصبح موقف الناس من المقاومة مرتبطًا بحجم الخسائر في كل مرحلة، أو أن تتحول مشاهد القتل والدمار، على فداحتها، إلى معيار وحيد للحكم على المعركة.
الموت موجع، والدمار قاسٍ، وفقدان الأبناء والأحبة والبيوت والأرزاق ليس أمرًا يمكن الاستهانة به. ولا يجوز لأحد أن يتعامل مع آلام الناس وكأنها أرقام في جدول عسكري. لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في المعارك الكبرى هو: هل هذه الخسائر تعني أن القضية انتهت، أم أنها جزء من كلفة صراع لم يبلغ نهايته بعد؟
تجارب التاريخ
لقد علّمنا التاريخ أن الشعوب التي واجهت الاستعمار لم تكن تصل إلى لحظة التحرر من دون أثمان باهظة. لم يكن المستعمر يتنازل طوعًا عن الأرض والنفوذ، ولم تكن الإمبراطوريات تنسحب لأنها اقتنعت فجأة بعدالة مطالب الشعوب الواقعة تحت سيطرتها.
ولهذا فإن الصبر في معركة التحرر ليس دعوة إلى الاستسلام للألم، وإنما هو رفض لأن يتحول الألم إلى وسيلة لإجبار الشعب على التخلّي عن حقه.
لا تجعلوا الدم وحده يقرر الموقف
حين تشتد الحرب، يصير من السهل أن يتغير الناس تحت ضغط الخوف. وهذا مفهوم ومنطقي، لأن الخوف والقلق من طبيعة الإنسان، إذ عندما تهدم البيوت، ويسقط الضحايا، وتتسع دائرة النزوح، يصبح السؤال عن جدوى المقاومة أكثر إلحاحًا. وقد يقول البعض: إلى متى؟ وما الذي جنيناه؟ وهل تستحق القضية كل هذا الثمن؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا ينبغي الرد على أصحابها بالتخوين والاتهامات، لكن هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا لو كان هدف العدو هو إرهاق المجتمع، واستنزاف قدرته على الصمود، ودفعه إلى اليأس من المقاومة ومن كل شيء، وكان الانهيار النفسي والسياسي جزءًا من المعركة نفسها؟ لا شك أن هذه سياسة أكيدة لدى العدو، والنتيجة التي يريد الوصول إليها.
الاحتلال لا ينتظر اقتناع الناس بعدالة القضية
في مواجهة الاحتلال، لا ينبغي أن نتوقع من العدو أن يتصرف وفق المنطق الأخلاقي. إذا كان مشروع "الإسرائيلي" قائمًا على الاستيلاء على الأرض وفرض الأمر الواقع، فإن الزمن يصبح عنصرًا في الصراع. "الإسرائيلي" يريد أن تتحول الأرض مع الوقت إلى أمر واقع، وأن يعتاد الناس القهر، ورؤية البيوت والممتلكات تدمّر وتُحرق كل يوم، ولهذا فإن صمود الجنوبيين، في حد ذاته، يصبح فعلًا مقاوِمًا.
ليس المطلوب أن يظل الناس تحت القصف إلى ما لا نهاية، ولا أن يقبلوا الدمار بوصفه قدرًا لا يجوز الاعتراض عليه. المطلوب ألا يسمحوا للخوف بأن يدفعهم إلى الاعتقاد بأن الاحتلال أصبح قدرًا دائمًا لمجرد أنه يملك قوة عسكرية أكبر.
قد يمتلك المحتل الطائرات والدبابات والاقتصاد الأقوى والدعم الدولي، لكنه لا يستطيع أن يضمن أن القوة العسكرية ستنتج بالضرورة استسلامًا.
لا تجعلوا الاحتلال ينتصر مرتين
قد ينتصر العدو عسكريًا في معركة، لكنه لا يريد أن يتوقف عند ذلك. إنه يريد أن يجعل الهزيمة العسكرية هزيمة نفسية، ثم سياسية، ثم اجتماعية. يريد أن يصل الناس بأنفسهم إلى النتيجة التي لم يستطع السلاح وحده فرضها عليهم: أن يقولوا إن المقاومة لم تعد ممكنة، وإن القضية أكبر من قدرتهم، وإن الاستسلام هو الحل الوحيد.
وهنا تكمن أهمية الصبر. ليس لأن الاستشهاد جميل، ولا لأن الدمار مقبول، بل لأن التخلي عن قضية عادلة تحت وطأة الألم قد يعطي العدو ما عجز عن انتزاعه بالقوة وحدها. الصبر، في هذه الحالة، ليس حبًا للحرب؛ إنه رفض لأن يكون الألم هو الذي يقرر مصير الناس.
الصبر الإيجابي
في مواجهة احتلال يقوم على القوة والاستيطان والاستعمار، قد تكون المعركة طويلة ومؤلمة، وقد تتعاقب فيها الانتصارات والانكسارات. لكن لا ينبغي للإنسان أن يخلط بين طول الطريق وضياع الهدف، ولا بين خسارة معركة وخسارة الحق.
فالانتصار النهائي لا يصنعه الذين لا يخسرون أبدًا، لأن هؤلاء لا وجود لهم في التاريخ؛ وإنما تصنعه، في كثير من الأحيان، شعوب تتعرض للهزيمة، وتدفع الثمن، وتراجع أخطاءها، ثم ترفض أن تجعل الهزيمة قدرًا أبديًا.