إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الأحد 13 أيلول/سبتمبر 2026 بتحليل التطورات المتسارعة في اليمن وانعكاساتها على مسار الصراع الإقليمي، ولا سيما انعكاسها على قوة "جبهة المقاومة" بمختلف محاورها، بالتوازي مع اهتمام واسع بزيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ومشاركته في قمة مجموعة "بريكس"، في ظل تصاعد النقاش حول التحول التدريجي في النظام العالمي نحو تعددية قطبية وتراجع هيمنة القوى الغربية.
"وطن أمروز": باب المندب يعيد تعريف القوة في المنطقة
تحت عنوان "محور المضائق"، رأت صحيفة "وطن أمروز" أن التطورات التي شهدتها اليمن خلال الأيام الماضية لا ينبغي تفسيرها في إطار الحرب الداخلية أو تقدم أنصار الله فحسب، ولا حتى في سياق تصعيد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، معتبرة أن ما يجري في باب المندب يمثل، على مستوى أعمق، مؤشرًا إلى تغير في "جغرافيا القوى" في غرب آسيا، بل وفي طبيعة العلاقات داخل النظام الدولي.
وأشارت الصحيفة إلى تقدم أنصار الله على ساحل البحر الأحمر وسيطرتهم على المخا وضباب وجزيرة ميون، ومحاولتهم ترسيخ موقع صنعاء في الجزر المحيطة بباب المندب، معتبرة أن هذه التطورات وضعت عمليًا طريقًا بحريًا بديلًا إلى مضيق هرمز تحت الضغط.
ورأت أن الصراع لن ينتهي عند هذه النقطة، وأن المواجهات ستتواصل لترسيخ مواقع الأطراف، في وقت لن يكون من السهل، بحسب الصحيفة، على الجبهة المعارضة لأنصار الله التخلي عن مواقعها.
وطرحت "وطن أمروز" سؤالًا مركزيًا حول ما إذا كانت التطورات الجارية تمثل مجرد توسع في الأراضي الخاضعة لأنصار الله، أم أنها تؤشر إلى ظهور نمط جديد من القوى الإقليمية القادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.
وأوضحت أن مفهوم القوة في الجغرافيا السياسية التقليدية كان يرتبط بمساحة الأرض وعدد السكان والموارد الطبيعية والعمق الاستراتيجي، لكن العولمة وترابط التجارة وتداخل مصادر الطاقة أعادت صياغة مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين، بحيث باتت القدرة على التأثير في طرق الملاحة أحد عناصر القوة الأساسية.
وفي هذا السياق، ركزت الصحيفة على جزيرة ميون، معتبرة أن أهميتها لا تكمن في مساحتها أو عدد سكانها، بل في موقعها الاستراتيجي في قلب باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن ومنه بالمحيط الهندي.
وأضافت أن استمرار حالة عدم الاستقرار في هذا الممر قد يدفع السفن إلى استخدام طرق أطول وأكثر كلفة، مشيرة إلى أهمية باب المندب باعتباره أحد أبرز نقاط الاختناق في التجارة العالمية.
ورأت "وطن أمروز" أن الهدف الاستراتيجي لا ينبغي بالضرورة أن يُفهم على أنه "إغلاق باب المندب"، بل قد تكمن القوة في امتلاك القدرة على إغلاقه.
وبحسب الصحيفة، يكفي أن يدرك مالكو السفن وشركات التأمين ومصدرو الطاقة والحكومات الكبرى أن المرور عبر المنطقة لم يعد خاليًا من المخاطر والتكاليف، حتى تتحول الجغرافيا نفسها إلى أداة للقوة.
واعتبرت أن هذه النقطة هي التي تفصل التطورات في اليمن عن كونها مجرد أزمة محلية.
وتناولت الصحيفة التحول في طريقة قراءة النفوذ الإيراني، مشيرة إلى أن التحليل السائد ركز لسنوات على مفهوم "محور المقاومة" باعتباره شبكة من الجهات والقوى القادرة على ممارسة الضغط على خصوم إيران في مناطق جغرافية مختلفة.
ورأت أن هذا التحليل لا يزال صالحًا، لكنه لم يعد كافيًا لتفسير التطورات الجديدة، معتبرة أن التطور الأهم يتمثل في إمكانية تحول هذه الشبكة إلى "شبكة جغرافية من نقاط الضغط".
وبحسب "وطن أمروز"، لم يعد مضيق هرمز في الشرق وباب المندب في الجنوب الغربي والبنية التحتية للطاقة والطرق البرية بينهما بالضرورة عناصر منفصلة، بل يمكن النظر إليها باعتبارها أجزاء من بنية أوسع تُمارس فيها القوة الإيرانية وحلفاؤها ليس فقط عبر الهجمات المباشرة، وإنما أيضًا من خلال تغيير حسابات التكلفة والمخاطر.
وأشارت إلى أن هذا التطور يوفر لطهران، ميزة استراتيجية تتمثل في عدم الحاجة إلى وجود إيراني مباشر في كل منطقة لرفع الكلفة الاستراتيجية على الخصوم، إذ يمكن للقوى المحلية العمل ضمن جغرافياتها، بينما يتجاوز أثر تحركاتها الحدود الوطنية.
ونقلت الصحيفة عن معهد دراسات الحرب إشارته إلى أن تقدم أنصار الله على ساحل البحر الأحمر، إلى جانب الضغط الإيراني على مضيق هرمز، قد يشكل ضغطًا مزدوجًا على الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.
وخلصت "وطن أمروز" إلى أن مفهوم القوة لم يعد يعني بالضرورة السيطرة على الأراضي، بل قد يعني أحيانًا التحكم في تكلفة العبور عبرها.
ورأت أن من أبرز نتائج التطورات الأخيرة بالنسبة إلى خصوم إيران تعرّض منطق "الطريق البديل" للاهتزاز، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة وبعض الدول العربية سعت إلى إيجاد طرق بديلة لمواجهة الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز.
ولفتت إلى أن السعودية ركزت لسنوات على توسيع قدراتها لنقل النفط إلى البحر الأحمر واستخدام طرق بديلة للحد من الاعتماد على هرمز، لكن هذه الطرق البديلة نفسها باتت، وفق الصحيفة، تحت الضغط.
ووصفت ذلك بأنه "مفارقة جيوسياسية" مهمة، إذ إن زيادة الجهود لتجاوز أحد المعوقات قد تؤدي إلى زيادة أهمية المعوقات الأخرى، موضحة أنه إذا تعرض مضيق هرمز للضغط ارتفعت أهمية باب المندب، وإذا أصبح باب المندب غير آمن أيضًا، أصبحت خيارات الطاقة البديلة أكثر محدودية وكلفة.
"رسالت": إيران في بنية العالم ما بعد الغربي
من جهتها، اعتبرت صحيفة "رسالت"، في مقال تحت عنوان "إيران في عمارة العالم ما بعد الغربي"، أن زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى الهند للمشاركة في القمة الثامنة عشرة لمجموعة "بريكس" لا يمكن اعتبارها مجرد زيارة دبلوماسية عادية، بل جاءت في سياق تحولات أوسع يشهدها النظام الدولي.
وربطت الصحيفة الزيارة بما وصفته بتحول العالم بعيدًا عن النظام الأحادي القطبية، وتصاعد مطالب القوى الصاعدة بحصة أكبر في الاقتصاد والسياسة الدوليين، بالتزامن مع ما أظهرته الحروب والعقوبات والنزاعات التجارية وأزمات الطاقة والنقل واستخدام الشبكات المالية كأداة ضغط من هشاشة أكبر في البنية الدولية القائمة.
ورأت أن قمة "بريكس" لهذا العام تشكل، في هذا السياق، منصة لاختبار قدرة دول الجنوب العالمي على تحويل ثقلها الديموغرافي والاقتصادي إلى قوة مؤسسية وسياسية.
واعتبرت "رسالت" أن مشاركة بزشكيان تمثل استمرارًا لانخراط إيران في أحد أبرز الأطر المتعددة الأطراف غير الغربية، فضلًا عن كونها فرصة لربط المواقف الإيرانية بالأجندات الاقتصادية والمؤسسية للمجموعة.
وأشارت إلى انضمام إيران رسميًا إلى "بريكس" مطلع عام 2024، وإندونيسيا عام 2025، معتبرة أن المجموعة ابتعدت بذلك عن صورتها الأولى كإطار محدود للاقتصادات الناشئة، وتحولت إلى منتدى يضم اقتصادات كبرى وقوى إقليمية ودولًا نامية مهمة.
وتناولت الصحيفة فلسفة تأسيس "بريكس"، التي بدأت بالبرازيل وروسيا والهند والصين، قبل انضمام جنوب أفريقيا عام 2011، مشيرة إلى أن المجموعة سعت في بداياتها إلى جمع الاقتصادات الناشئة الكبرى وزيادة حصتها في صنع القرار الاقتصادي العالمي.
وأضافت أن أجندة المجموعة توسعت تدريجيًا لتشمل إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، والحد من اختلالات النظام المالي الدولي، وتعزيز التعاون بين دول الجنوب، وزيادة دور الدول الواقعة خارج دائرة النفوذ الغربي.
ورأت "رسالت" أن قمة "بريكس" تأتي في مرحلة أصبح فيها مفهوم "النظام العالمي" نفسه موضع جدل متزايد، في ظل العقوبات الأحادية والتعريفات الجمركية والضغوط المالية والحروب الإقليمية والاستخدام السياسي للبنية التحتية المصرفية والتكنولوجية.
واعتبرت أن هذه التطورات وجهت رسالة إلى دول عديدة مفادها أن الاعتماد المفرط على الهياكل العالمية المركزية قد يتحول إلى أداة ضغط خلال الأزمات.
وبحسب الصحيفة، فإن النقاش حول "بريكس" لا يقتصر على زيادة التجارة بين مجموعة من الدول، وإنما يرتبط أيضًا بمحاولة إيجاد هامش من الاستقلال الاستراتيجي لجزء كبير من العالم الذي يضم كتلًا سكانية ومصادر طاقة ومواد خام وأسواقًا وجزءًا كبيرًا من النمو المستقبلي للاقتصاد العالمي.
ولفتت إلى أن وجود إيران إلى جانب روسيا والصين، وفي إطار مشترك مع الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا ومصر وإندونيسيا وغيرها، يمنح طهران فرصة لتوسيع نطاق سياستها الخارجية وتجاوز ثنائية "العلاقات مع الغرب أو العزلة".
واعتبرت أن العضوية الفعالة في "بريكس" ومنظمة شنغهاي للتعاون، إلى جانب العلاقات الإقليمية الإيرانية، تسهم في تشكيل شبكة أكثر تنوعًا للعلاقات الخارجية، بما يسمح لطهران بالحضور في مراكز متعددة للقوة العالمية دون الاعتماد الكامل على مركز واحد.
وأكدت "رسالت" أن مفهوم "الانتقال إلى نظام عالمي جديد" لا يعني بالضرورة انهيارًا مفاجئًا للغرب أو نهاية الدور الأميركي، معتبرة أن الولايات المتحدة لا تزال قوة كبرى في النظام المالي والتكنولوجي والعسكري والسياسي العالمي، كما لا تزال أوروبا تتمتع بثقل اقتصادي ومؤسسي كبير.
لكنها رأت أن المسألة الأساسية تكمن في تزايد حصة القوى الأخرى وانتقال العالم من هيكل تمحور فيه صنع القرار الدولي حول عدد محدود من المراكز الغربية إلى هيكل متعدد المراكز، معتبرة أن "بريكس" واحدة من أبرز المؤسسات السياسية التي تعكس هذا التحول.
"مردم سالاري": إيران أمام اختبار إدارة الملف النووي
وفي سياق مختلف، تناولت صحيفة "مردم سالاري" الملف النووي الإيراني تحت عنوان "اللعب على المسرح الإسرائيلي"، معتبرة أنه في ظل عودة القضية النووية إلى صدارة الضغوط الدولية وإحالة الوكالة الدولية للطاقة الذرية الملف الإيراني إلى مجلس الأمن، لا يمكن لطهران أن تقف مكتوفة الأيدي.
وأقرت الصحيفة بحق إيران في مواجهة الضغوط و"نقض الوعود"، وحساب تبعات كل قرار تتخذه، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن بعض المواقف المتسرعة والمتهورة قد تسهم، من دون قصد، في ترسيخ الصورة التي تعمل "إسرائيل" والمعارضة الإيرانية على تقديمها لتبرير الضغط والعمل العسكري ضد طهران.
ورأت "مردم سالاري" أن إيران لا تملك مبررًا للتراجع عن موقفها الحازم في الدفاع عن حقوقها النووية، معتبرة أنه إذا تصرفت الوكالة الدولية أو الدول الغربية بما يتعارض مع التزامات إيران أو مصالحها، فيجب أن يكون رد طهران واضحًا وحازمًا ومتناسبًا.
لكنها شددت على أن الحفاظ على القوة التفاوضية الإيرانية يصبح أكثر أهمية في هذه الظروف، موضحة أن قوة الدولة لا تُبنى بمجرد رفع مستوى التهديد، بل تشمل قدرتها على تحديد التوقيت واللغة وقواعد اللعبة بنفسها.
وحذرت الصحيفة من أن السماح للطرف الآخر بتحديد قواعد اللعبة ثم دفع إيران إلى ردود فعل تعيد إنتاج السيناريو نفسه قد يؤدي إلى إضعاف الموقف الإيراني بدلًا من تعزيزه.
وقالت "مردم سالاري" إن "إسرائيل" سعت لسنوات إلى تصوير البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديدًا وجوديًا مباشرًا وليس ملفًا قابلًا للحل السياسي، مشيرة إلى أن نتنياهو دأب في المحافل الدولية على القول إن إيران باتت على مسافة أسابيع أو أشهر من امتلاك قنبلة نووية.
ورأت الصحيفة أن هذا الخطاب أسهم، في جر الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران، محذرة من أن أي تصريح لا يميز بوضوح بين الاستخدام السلمي للطاقة النووية، والردع، والانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وبناء الأسلحة النووية واختبارها، قد يسهم في تعزيز الرواية التي تستخدمها "إسرائيل" للضغط على إيران.
وفي المقابل، أكدت الصحيفة أن ذلك لا يعني تخلي إيران عن قوتها الدفاعية أو التزام الصمت أمام التهديدات، معتبرة أن أي دولة تواجه تهديدًا مستمرًا لا يمكنها التصرف بهذه الطريقة.
وخلصت "مردم سالاري" إلى أن القضية النووية الإيرانية ليست ساحة للتنافس في إطلاق التصريحات الأكثر تشددًا، ولا ملفًا يمكن حسمه بالشعارات، مشددة على أن القرارات المتعلقة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وحتى تغيير عقيدة الردع الإيرانية هي قرارات مرتبطة بالمصلحة الوطنية، وينبغي اتخاذها في ضوء اعتبارات أمنية واقتصادية وقانونية ودبلوماسية متكاملة.