اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي اليمن يوسّع بنك الأهداف: هل تحوّل التصعيد السعودي إلى مأزق استراتيجي؟

تكنولوجيا

الشاشات بين أيدينا... لكن مَن يتحكم بمَن؟
🎧 إستمع للمقال
تكنولوجيا

الشاشات بين أيدينا... لكن مَن يتحكم بمَن؟

قراءة في الإدمان الرقمي وآليات التحرر من فخ الدوبامين
61

في زمن باتت فيه الشاشات رفيقنا الدائم، والهواتف الذكية امتدادًا لأيدينا، أصبح العالم العربي واحدة من أكثر المناطق تأثرًا بظاهرة الإدمان الرقمي. تشير دراسات حديثة إلى أن منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق تأثرًا بهذه الظاهرة على المستوى العالمي، إذ يُمضي الشباب العربي ساعات طويلة أمام الشاشات، غير مدرك أن ما يبحث عنه من متعة ولحظات تواصل قد يكون في الحقيقة فخًّا يُحكم قبضته على دماغه.

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى مصادر رئيسة للمعلومات والترفيه، وأدت إلى ظهور ما يُعرف بـ"الإدمان الرقمي"، وهو اعتماد نفسي وسلوكي على التفاعل المستمر مع هذه التطبيقات. لكن السؤال الأعمق يبقى: هل ما زلنا نمسك بزمام الأمور، أم أن الشاشات أصبحت هي من تتحكم بنا؟

آلية الإدمان... جرعة الدوبامين السريعة

لفهم جذور هذه الظاهرة، لا بد من الغوص في بيولوجيا الدماغ البشري. يكمن السر في مادة كيميائية تُسمى الدوبامين، أو "هرمون السعادة". فعندما نتصفح منصات التواصل، تطلق أدمغتنا جرعات سريعة من هذا الناقل العصبي، ما يمنحنا شعورًا مؤقتًا بالمتعة. ومع الاستخدام المتكرر، يقلل الدماغ من استجابته للدوبامين، ما يؤدي إلى القلق والاكتئاب والأرق. وهنا تكمن المفارقة: لا نستخدم الهواتف لإنجاز مهام محددة، بل للهروب من الشعور بالفراغ الذي خلّفه هذا الإدمان المستمر.

تؤكد الدراسات الحديثة أن السلوك الإدماني تجاه وسائل التواصل الاجتماعي يشبه في تأثيراته العصبية إدمان المواد المخدرة، إذ تُفعَّل دوائر المكافأة نفسها في الدماغ عبر إفراز الدوبامين. وبحسب بحث نُشر في مجلة "أوراق ثقافية"، فإن آليات الدوبامين والمقارنة الاجتماعية هما من أبرز الأسباب الكامنة وراء هذا الإدمان.

وفي دراسة مسحية شملت مستخدمي مواقع التواصل في العالم العربي، تبيّن أن الإدمان الرقمي يرتبط بعوامل مثل الجنس والسن والمنطقة، ما يشير إلى أن الظاهرة ليست محصورة في فئة عمرية أو مجتمعية معينة، بل إن الأبحاث كشفت عن وجود علاقة ارتباطية موجبة بين إدمان شبكات التواصل الاجتماعي والشعور بالوحدة النفسية، أي إن من يقضي وقتًا أطول على هذه المنصات قد يشعر بالوحدة بشكل أكبر.

منصات بلا حدود... وهندسة الإدمان

ليست إرادة المستخدم وحدها هي المسؤولة عن هذه الظاهرة. فالمنصات الرقمية صُممت بعناية لتكون بلا حدود، فلا وجود لنقاط توقف طبيعية كما في الأفلام أو الكتب. فالتمرير اللانهائي يجعل المحتوى يتجدد باستمرار، والخوارزميات المخصصة تعرض للمستخدم ما يحب، ما يغمره في فقاعة رقمية تثير فيه "الخوف من تفويت أي حدث".

وقد حذّرت جهات رسمية في المنطقة من هذه الممارسات؛ إذ أكدت "دبي الرقمية" أن إدمان الشاشات وكثرة الإشعارات والتصفح المستمر تستنزف هدوء الفرد من دون أن يشعر. فالتطبيقات مصممة لاستغلال نقاط ضعفنا البيولوجية، وتحويل كل إشعار وكل إعجاب إلى مكافأة صغيرة تنشط مركز المتعة في الدماغ، وتدفعنا للعودة مرارًا وتكرارًا.

المؤثرون ومعايير وهمية

إلى جانب آلية الإدمان ذاتها، ثمة خطر آخر يتمثل في المحتوى نفسه. يلعب صنّاع المحتوى والمؤثرون دورًا محوريًا في تشكيل تصورات الشباب عن أنفسهم. فهم يظهرون بحلة مثالية، مدعومة بالفلاتر والإضاءات، ليصبحوا معايير غير واقعية يقارن بها المراهقون أنفسهم.

تشير الدراسات إلى وجود صلة قوية بين اعتلال الصحة النفسية لدى الأطفال والمراهقين وبين قضائهم وقتًا طويلًا على منصات التواصل، ومن ضمن الأسباب مشاهدة مؤثرين يقدّمون صورًا مثالية للحياة. وفي العالم العربي، تزايد الاهتمام بدراسة تأثير المؤثرين على الجمهور، حيث سعت أبحاث إلى تحديد العوامل المؤثرة في متابعة الجمهور العربي لحسابات المؤثرين، لا سيما على منصات مثل إنستغرام.

هذه المعايير المستحيلة تولد القلق والتوتر، خاصة أن دماغ الشاب شديد الحساسية للانتباه والانتماء. وتتحول المقارنات المتكررة إلى طريق سريع نحو تدني الثقة بالنفس واضطرابات نفسية متعددة.

استعادة السيطرة... الوعي هو المفتاح

إذا كانت وسائل التواصل قد صُممت لتأسر انتباهنا، فكيف نحرر أنفسنا من هذا الفخ؟ الجواب الذي تتفق عليه الدراسات العربية والأجنبية هو كلمة واحدة: الوعي.

الوعي يعني أن نتخذ قراراتنا بتعمد ودراسة، وليس بشكل آلي. ولتحقيق ذلك، تقدّم الأبحاث مجموعة من الحلول العملية التي يمكن تطبيقها في حياتنا اليومية:

 أولًا: حدود زمنية صارمة

ينصح الأطباء النفسيون وعلماء الأعصاب بأن لا يتجاوز استخدام القاصرين للشاشات ساعتين يوميًا. وفي حال عدم قدرة الشاب على الالتزام بنفسه، يجب أن يتدخل شخص بالغ موثوق لمساعدته. وتشير توصيات الخبراء إلى أن وقت الشاشة يجب أن يكون صفرًا خلال السنوات العمرية الأولى، حيث يكون الطفل أكثر انفتاحًا على المحفزات من حوله.

أما للبالغين، فثمة أدوات متاحة في الهواتف نفسها، مثل خاصية تحديد وقت الاستخدام، التي تتيح للمستخدم وضع حد يومي لكل تطبيق، مع إمكانية تكليف شخص آخر بحفظ رمز التجاوز لضمان الالتزام.

ثانيًا: الأنشطة البديلة

تشجيع الهوايات الواقعية والنشاط البدني هو خطوة أساسية لكسر دائرة الإدمان. فالرياضة والموسيقى والأنشطة العائلية بعيدة عن الشاشات تعيد توازن الدماغ وتُذكّرنا بمتعة العالم الحقيقي.

ثالثًا: التوعية المجتمعية والمدرسية

يتطلب التصدي للإدمان الرقمي جهدًا مشتركًا من الآباء والمعلمين والمجتمع. وقد بدأت بعض المؤسسات في المنطقة العربية بإدراك خطورة المشكلة، حيث ظهرت دعوات لإنشاء مراكز متخصصة للإرشاد النفسي وعلاج الإدمان السلوكي، وتدريب الأطباء والاختصاصيين النفسيين على التعامل مع هذه الحالات.

رابعًا: "صيام الدوبامين"

في السنوات الأخيرة، انتشر مفهوم "صيام الدوبامين" كأسلوب مستوحى من العلاج السلوكي المعرفي، يهدف إلى تقليل التفاعل القهري مع المحفزات المفرطة مثل وسائل التواصل الاجتماعي والإشعارات المتكررة. وهذا لا يعني الامتناع عن الدوبامين بحد ذاته، بل الحد من الأنشطة التي تؤدي إلى إفرازه بكثرة، عبر الابتعاد المؤقت عن الأجهزة الذكية، ما يساعد على كسر سلوكيات الإدمان واستعادة السيطرة على التصرفات. وقد ناقشت منصات عربية مثل الجزيرة هذا المفهوم، ما يعكس الاهتمام المتزايد بهذه الحلول في المنطقة.

 الخلاصة

التكنولوجيا ليست عدوًا، بل هي أداة قوية. الخطر يكمن في تحويلها من أداة نستخدمها إلى ملاذ نعتمد عليه. وفي المنطقة العربية، حيث تنتشر الهواتف الذكية بمعدلات مرتفعة وتزداد ساعات الاستخدام، يصبح الوعي بهذه المخاطر أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

الحرية الحقيقية ليست في الوصول اللامحدود، بل في القدرة على الإقلاع بوعي. الشاشات قد تتحكم بأعيننا للحظات، لكن الوعي والحدود الواعية هما ما سيبقيان أرواحنا حرة، وعلاقاتنا الإنسانية حقيقية، وعقولنا بعيدة عن شرنقة الدوبامين الزائف. وكما تؤكد الأبحاث، فإن استعادة التوازن تبدأ بخطوة بسيطة: أن نضع الهاتف جانباً، ونستمتع باللحظة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة