مقالات مختارة
كريم حداد – صحيفة الأخبار
لم تكن قيمة «إنّي أتهم» لإميل زولا في أنها كشفت خطأ قضائيًّا وحسب، بل في أنها وضعت المثقّف أمام السؤال الذي يحدّد معنى وجوده في المجال العام: ماذا يفعل عندما ترتكب السلطة خطأً كبيرًا ثم تتحوّل مؤسساتها وإعلامها ونخبها إلى أدوات لتبرير ذلك الخطأ؟ هل يكتفي بتسجيل اعتراضه في الهامش، أم يقول بوضوح إن استمرار الدولة في الخطأ أخطر من اعترافها به؟
زولا لم يكن قاضيًا ولا وزيرًا ولا قائد جيش، لكنه فهم أن لحظة انحراف السلطة هي اللحظة التي يصبح فيها الصمت موقفًا، وأن المثقّف الذي يعرف ثم يمتنع عن الكلام لا يبقى محايدًا، بل يتحوّل تدريجيًّا إلى جزء من آلية إخفاء الحقيقة.
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في لبنان أمام ما سُمّي «اتفاق الإطار» مع "إسرائيل". فالمشكلة لم تعد في تقييم بعض بنوده أو في الشكوى من بطء تنفيذه، ولا في القول إن العدو لم يفِ بالتزاماته. المسألة أننا أمام اتفاق شديد الخطورة من قبل سلطة تعاني أصلًا أزمة عميقة في الشرعية التمثيلية، بعدما مُدّدت ولاية مجلس النواب سنتين وتأجّل الاحتكام إلى الناخبين. وردّ المجلس الدستوري الطعون لا يلغي حقيقة أن المؤسسات التي اتخذت أحد أخطر القرارات السيادية لم تكن قد حصلت على تفويضها الشعبي، وأن الفارق كبير بين استمرار مؤسسة بقوة القانون، وامتلاكها شرعية سياسية وأخلاقية تكفي لإحداث تحوّلات تاريخية في وضع البلاد.
دستوريًّا، فلا يمكن التعامل بخفّة مع اتفاق يذهب إلى هذا الحدّ من الالتزامات. فالمادة 52 من الدستور واضحة في تحديد مسار المعاهدات الدولية: رئيس الجمهورية يتولّى التفاوض والإبرام بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح المعاهدات مُبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وهناك فئات من المعاهدات لا تكتمل من دون موافقة مجلس النواب. المسألة إذًا ليست لعبة في التسميات، بحيث يكفي وصف الوثيقة بأنها «إطار» أو «تفاهم» للهرب من السؤال الدستوري. العبرة ليست في الاسم الذي يُعطى للنص، بل في الآثار التي يرتّبها على الدولة. فإذا كان النص يعيد تعريف علاقة لبنان بـ"إسرائيل"، ويرتّب التزامات أمنية وسياسية مُستدامة، ويربط مستقبل السيادة على الأرض اللبنانية بآليات تنفيذ وتحقّق وضمانات خارجية، ويضع أسسًا لمسار ينهي حالة الحرب، فإن من حق اللبنانيين أن يسألوا بأي تفويض جرى ذلك، ومن فوّض من، وأين كان المجلس النيابي من اتفاق بهذه الخطورة؟
الأخطر من الخلل الدستوري هو مضمون الصفقة نفسها. لقد دخل لبنان اتفاقًا التزم فيه بأمور جوهرية تمسّ بنيته الداخلية وتوازناته وقوته، بينما بقيت الحقوق التي يُفترض أنه يطالب بها مُعلّقة على شروط "إسرائيلية". لم يكن الانسحاب "الإسرائيلي" الكامل مقدّمة للاتفاق، ولم يكن وقف العدوان شرطًا سابقًا لنفاذ الالتزامات اللبنانية، بل جرى الربط بين إعادة الانتشار "الإسرائيلي" ونزع سلاح القوى غير الدولتية والتحقّق من ذلك، بحيث احتفظت "إسرائيل" عمليًّا بالقدرة على القول إن شروط الانسحاب لم تتحقّق بعد. بل تحوّل الانسحاب إلى ثمن مقابل التزامات داخلية عميقة ومرتبط بالترتيبات الأمنية وبالتحقّق من نزع السلاح.
كيف يبرّر المثقّفون سكوتهم عن سلطة فاقدة للشرعية الشعبية، وتخالف الدستور في قضايا سيادية تمسّ كل قواعد المجتمع والدولة؟
بعد أشهر على الاتفاق، يصبح من الصعب الاختباء خلف اللغة الدبلوماسية. فالاحتلال قائم، والعدوان لم يتوقف. الغارات استمرت، وأجزاء من الجنوب تحت التهديد المباشر، والناس لم يعودوا جميعًا إلى قراهم. لكن تنفيذ الاتفاق ظل عالقًا عند نقطة تخدم "إسرائيل" أكثر مما تضغط عليها: مُطالبة لبنان بالمزيد، والإبقاء على الانسحاب "الإسرائيلي" رهنًا بتقييم أمني "إسرائيلي" لما تحقّق.
أين هي الصفقة التي كان ينبغي أن يحصل لبنان بموجبها على وقف العدوان والانسحاب واستعادة السيادة؟
ما تحقّق عمليًّا هو أن "إسرائيل" حصلت على نص يعطي مطلب نزع السلاح صفة التزام لبناني دولي، وحصلت على آلية تجعل انسحابها تدريجيًّا ومشروطًا، فيما لم يحصل لبنان على المقابل الأساسي الذي يُفترض أن يكون نقطة البداية: خروج قوات الاحتلال ووقف الاعتداءات. وهذا هو تحديدًا النوع من الوقائع التي لا يجوز للمثقّف أن يساهم في تجميلها بالقول إن «المسار طويل»، أو إن «الاتفاق يحتاج إلى وقت». فالزمن ليس قيمة سياسية في ذاته. الاتفاق السيّئ لا يصبح جيدًا لأننا انتظرنا تنفيذه سنة أخرى، والاحتلال لا يُعالج بإمهال الطرف الأقوى مزيدًا من الوقت لاستثماره.
حتى الإفراج عن خمسة أسرى لبنانيين، الذي يمكن أن يشكّل في ذاته مناسبة وطنية وإنسانية، لم يكن ثمرة تلقائية لنص أجبر إسرائيل على تحرير الأسرى، بل جاء في إطار تفاوض وتبادل ارتبط من الجهة الأخرى بملف رفات ليهود لبنان، حيث تنازل لبنان عن سيادته على أبنائه للعدو. أي إن العملية قامت على الأخذ والعطاء المباشريْن. وليس في ذلك ما ينتقص من فرحة تحرير الأسرى، لكنه يسقط الحجة القائلة إن مجرّد عودتهم يثبت أن «اتفاق الإطار» أعطى لبنان مكاسب. التبادل شيء، ونجاح الاتفاق في فرض الانسحاب ووقف العدوان شيء آخر تمامًا.
وهنا تحديدًا تظهر مسؤولية المثقّف. ليست مهمة المثقّف أن يتحوّل إلى دائرة إعلامية مُلحقة برئاسة الحكومة أو بالقصر أو بالسفارات. وليس من وظيفته البحث عن أجمل العبارات لتفسير لماذا كان على اللبنانيين أن يقبلوا بما قُدّم إليهم. ولبنان اليوم. لا يحتاج إلى مثقّف يكتفي بالقول إن الاتفاق «لم ينجح بعد»، بل إلى قول شيء أكثر وضوحًا: الخطأ كان في القبول باتفاق يربط حقوق لبنان السيادية بالتزاماته، بينما يجعل حقوق "إسرائيل" ومطالبها قابلة للتحقّق المباشر؛ الخطأ كان في تحويل الاحتلال من حالة يجب إنهاؤها إلى ورقة تفاوض تحتفظ بها "إسرائيل"؛ الخطأ كان في فتح مسار يمس حالة الحرب والسيادة من دون تفويض شعبي متجدّد ومن خلال مؤسسات تعاني عجزًا واضحًا في الشرعية التمثيلية.
مسؤولية المثقّف، هنا، ليست أن يصرخ أكثر من السياسيين، بل أن يرفض الكذب على المجتمع. أن يقول إن ما لم يحقّق انسحابًا ولم يوقف عدوانًا ولم يستعد سيادة لا يجوز تقديمه إنجازًا. وأن يقول إن السلطة التي تخطئ لا تُهان حين تتراجع، بل تهان حين تعرف أن خطأها أصبح ظاهرًا ثم تطلب من الجميع المشاركة في تسميته نجاحًا.
كان زولا يريد أن ينقذ الجمهورية الفرنسية من خطئها، لا أن يهدمها. والمثقّف اللبناني الذي يرفض اتفاق الإطار لا يهدم الدولة حين يقول إن السلطة تجاوزت حدودها، بل يحاول استعادة الدولة من قرار أضعف معناها. وهناك لحظات يصبح فيها الصمت حكمة، ولحظات أخرى يصبح فيها الصمت شراكة. وما يعيشه لبنان اليوم من نتائج هذا الاتفاق ينتمي إلى النوع الثاني. وظيفة المثقّف ليست أن يساعد السلطة على نسيان خطئها، بل أن يمنعها من تحويله إلى قاعدة للمستقبل.