اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الجيش اللبناني يوضح ما حصل في دير ميماس

تكنولوجيا

من يضغط على مكابح الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا يرفض ترامب التوقف؟
تكنولوجيا

من يضغط على مكابح الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا يرفض ترامب التوقف؟

78

أستاذ جامعي وباحث في الذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات، أُعنى بنشر المعرفة وتبسيط مفاهيم التكنولوجيا بلغةٍ سهلة تُناسب الجميع.
أكتب لأجعل التقنية مفهومة وآمنة في حياتنا اليومية، ولأساهم في بناء وعي رقمي مسؤول.

بين من يطالب بالضغط على مكابح الذكاء الاصطناعي خوفاً من مخاطره، ومن يرى أن التباطؤ قد يمنح الصين فرصة للتقدم، تشتعل معركة جديدة في قلب صناعة الذكاء الاصطناعي. فهل يقود ترامب وجنسن هوانغ سباقاً نحو المستقبل، أم نحو سرعة قد يصعب التحكم بعواقبها؟

قد تبدو المكالمة التي تلقّاها جنسن هوانغ؛ الرئيس التنفيذي لـ NVIDIA، من دونالد ترامب في أثناء وجوده على المسرح مجرد لقطة طريفة. لكنها في الحقيقة اختصرت خلافاً يتسع داخل عالم الذكاء الاصطناعي: هل يجب الاستمرار بأقصى سرعة، أم حان الوقت للضغط قليلاً على المكابح؟

المثير أن المطالبين بالتهدئة ليسوا خصوماً للذكاء الاصطناعي، بل بعض أبرز من يصنعونه.

عندما يطالب صُنّاع الذكاء الاصطناعي بالتهدئة

داريو أمودي؛ الرئيس التنفيذي لـ Anthropic، أصبح من أبرز الأصوات المطالبة بإبطاء وتيرة تطوير النماذج الأكثر تقدماً، محذراً من أن قدراتها قد تتطور أسرع من وسائل فهمها والسيطرة عليها.

مخاوفه تشمل إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجمات السيبرانية والتهديدات البيولوجية، إضافة إلى احتمال فقدان السيطرة على أنظمة شديدة الاستقلالية. وقد طرح إجراءات تشمل تقييمات سلامة مستقلة وتنسيقاً بين الشركات وتعاوناً دولياً.

ولم يبقَ أمودي وحيداً، فقد أبدى سام ألتمان من OpenAI وإيلون ماسك تأييداً لفكرة ضبط سرعة تطوير النماذج المتقدمة، كما تحدث ديميس هاسابيس من Google DeepMind عن الحاجة إلى معايير أقوى للسلامة.

لكن هذا المعسكر لا يقول ببساطة: «أوقفوا الذكاء الاصطناعي». الفكرة أقرب إلى: لا تجعلوا المنافسة أسرع من قدرتنا على بناء وسائل الحماية.

على الطرف الآخر يقف تيار يرى أن إبطاء الولايات المتحدة قد لا يجعل العالم أكثر أماناً، بل قد يمنح الصين فرصة للحاق بها. وهنا يأتي موقف ترامب.

خلال مكالمته مع جنسن هوانغ في 14 سبتمبر، وصف ترامب المخاوف من سيطرة الذكاء الاصطناعي بأنها «خدعة»، وقال إن مراكز البيانات قد تكون بمنزلة «نفط» العقود المقبلة، محذراً من أن تعطيل التوسع الأميركي يمكن أن يصب في مصلحة الصين. وفي المقابل، أكد هوانغ أن الولايات المتحدة تستطيع قيادة السباق والقيام بذلك بأمان.

الموقف مفهوم أيضاً من زاوية NVIDIA. فالشركة ليست مجرد مصنع للرقاقات؛ معالجاتُها أصبحت جزءاً محورياً من البنية الحاسوبية التي تقوم عليها طفرة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

وهكذا يصبح الخلاف أعمق من قضية تقنية: فريق يخشى مخاطر السرعة، وفريق يخشى مخاطر التباطؤ.

في المقلب الآخر، الصين التي تظهر باستمرار في الخطاب الأميركي كسبب لعدم التباطؤ، ليست مجرد متفرج على هذا النقاش.

شركات مثل Alibaba وDeepSeek تسعى إلى توسيع قدراتها في النماذج والحوسبة والبنية التحتية، بينما تحاول الصناعة الصينية تحقيق كفاءة أكبر في ظل القيود الأميركية على الوصول إلى بعض الرقائق المتقدمة.

لكن هذا لا يعني أن المقاربة الصينية هي «السرعة بأي ثمن». فبكين تعمل بالتوازي على قواعد ومعايير للسلامة والرقابة، وتسعى إلى إبقاء الأنظمة المتقدمة تحت قدر من السيطرة البشرية.

لذلك فالمعادلة الصينية أقرب إلى التطوير السريع مع رقابة حكومية قوية، وليس إلى إيقاف السباق.

وهذه نقطة مهمة: تصوير المنافسة على أنها «أميركا الحذرة في مواجهة الصين المندفعة» لم يعد دقيقاً. داخل الولايات المتحدة نفسها يدور صراع حاد حول السرعة، بينما تحاول الصين الجمع بين التقدم والرقابة.

لكن حتى لو انتصر معسكر التسريع، هناك عقبة لا تستطيع السياسة وحدها تجاوزها.

الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى مراكز بيانات ضخمة، ومراكز البيانات تحتاج إلى الكهرباء والمياه والأراضي وشبكات الطاقة والتبريد.

وهذا يعني أن السباق خرج من المختبرات إلى المدن والمجتمعات المحلية. فالتوسع في مراكز البيانات يثير في مناطق مختلفة مخاوف تتعلق باستهلاك الطاقة والمياه والضغط على الشبكات والتأثير البيئي.

وهنا تظهر مفارقة السباق: قد تستطيع الشركات إنتاج نماذج أكثر ذكاءً، وقد توفر NVIDIA آلاف المعالجات، وقد تزيل الحكومات بعض القيود، لكن لا يمكن بناء اقتصاد ذكاء اصطناعي بلا بنية تحتية هائلة وقبول اجتماعي بها.

لهذا لم يعد السؤال: من سيصنع النموذج الأكثر ذكاءً؟

السؤال الأكبر أصبح: من يمتلك الرقائق والطاقة ومراكز البيانات والاستثمارات والبيئة السياسية التي تسمح بتشغيل ذلك الذكاء على نطاق هائل؟

ترامب وهوانغ يريان أن التباطؤ قد يهدد التفوق الأميركي. أمودي وآخرون يحذرون من أن السرعة نفسها قد تصبح خطراً. والصين، في الجهة المقابلة، تواصل البناء بينما تطور أدواتها الخاصة للرقابة.

وهكذا يتحول الذكاء الاصطناعي من سباق بين شركات إلى سباق بين دول واقتصادات وبنى تحتية.

وربما يكون السؤال الأصعب في السنوات المقبلة ليس من سيفوز بالسباق، بل: هل يستطيع العالم أن يواصل الضغط على دواسة الوقود، ويضمن في الوقت نفسه أن تبقى عجلة القيادة في يد الإنسان؟

الكلمات المفتاحية
مشاركة