اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي القوات المسلحة اليمنية تسقط طائرة استطلاع مسلحة سعودية في أجواء المخا بمحافظة تعز

مقالات مختارة

حزب الله ومجتمعه بعد ثلاث سنوات من الحرب
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

حزب الله ومجتمعه بعد ثلاث سنوات من الحرب

50

علي إبراهيم مطر - صحيفة الأخبار
بعد أحداث البايجر في الـ17 من أيلول 2024، مروراً باستشهاد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وأمينه العام السيد هاشم صفي الدين، وما تلا ذلك من حربي «أولي البأس» و«العصف المأكول»، يعيش حزب الله، بين هذه المحطات، أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه. لم تكن المواجهة هذه المرة مجرّد جولة عسكرية محدودة على الحدود الجنوبية، بل مساراً تصاعدياً انتقل من جبهة الإسناد إلى حرب واسعة، ثم إلى استهداف مباشر للقيادة والبنية التنظيمية، قبل أن تنتقل المعركة لاحقاً، وبعد الحربين، إلى مستويات سياسية وأمنيّة أكثر تعقيداً.

خلال هذه السنوات، تعرّض الحزب لضربات غير مسبوقة: اغتيالات طاولت قيادات الصف الأول، استهداف واسع للبنية التنظيمية والعسكرية، وتضحيات بشرية ومادية كبيرة، ودمار واسع أصاب مناطق ذات حضور كثيف لمجتمع المقاومة. ولا يصح، سياسياً أو بحثياً، التعامل مع هذه الوقائع وكأنها لم تحدث. لكنّ الاعتراف بالخسائر لا يعني بالضرورة التسليم بالنتيجة التي أرادها العدو "الإسرائيلي" أو خصوم الحزب من هذه الخسائر.

وهنا يأتي السؤال الأكثر أهمية: لماذا لم تؤدِّ هذه الضربات والخسائر التي وقعت إلى انهيار حزب الله أو تفكّك مجتمعه أو اختفاء فكرة المقاومة من المعادلة اللبنانية؟ وهل حزب الله قادر على النهوض مجدّداً، ولا سيما بعد معركة «العصف المأكول» واتفاق الإطار الذي وقّعت عليه السلطة اللبنانية، وصولاً إلى ما حدث في علي الطاهر؟

أولاً: الحزب بين المؤسسة والشخصية القيادية
لم تكن الحرب التي بدأت في أيلول 2024 مجرّد محاولة "إسرائيلية" لإضعاف القدرات العسكرية للحزب، بل محاولة للقضاء عليه عبر تدمير الطبقات التي يقوم عليها: القيادة، والاتصالات، والبنية العسكرية، والقدرة على الحركة، والبيئة التي توفّر له العمق الاجتماعي. وكان اغتيال السيد نصر الله في أيلول 2024، ونحن نحيي ذكراه الثانية، لحظة مفصلية بكل المقاييس. فهو لم يكن مجرّد أمين عام لتنظيم سياسي، بل قاد الحزب لأكثر من ثلاثة عقود، وأصبح جزءاً أساسياً من صورته وهويته السياسية والعسكرية.

من هنا، كان الرهان المنطقي لدى أعداء الحزب وخصومه أن يؤدي غياب القيادة التاريخية، بالتزامن مع ضربات أخرى، إلى حالة من الشلل أو التفكّك. لكن ما حدث كان أكثر تعقيداً بالنسبة إلى كل من راهن على سقوط حزب الله. فبعد اغتيال السيد نصر الله، جرى الانتقال إلى قيادة جديدة، وانتُخب الشيخ نعيم قاسم أميناً عاماً عبر مجلس الشورى. وهذه الواقعة بحدّ ذاتها لا تعني أن الحزب تجاوز خسائره، لكنها تقدّم مؤشراً مهماً إلى أن حزب الله امتلك قدرة على إعادة إنتاج القيادة في ظرف شديد الخطورة.

وهنا يتحوّل السؤال من ماذا فعل اغتيال القائد؟ إلى سؤال أكثر أهمية: هل كان الحزب مؤسسة أم شخصاً؟ لتكشف تجربة حزب الله في المرحلة التي تلت عملية الاغتيال، وصولاً إلى حرب «العصف المأكول»، أهمية التمييز بين الشخصية القيادية والمؤسسة التي تقف خلفها. فحتى مع شخصية القائد الأممي السيد نصر الله الاستثنائية والتي يتفق الجميع على صعوبة تعويضها بسهولة، فإن الحزب الذي قاده لم يكن قائماً على شخص واحد فقط، بل كان يمتلك مجلس شورى ومؤسسات سياسية وبرلمانية وتنفيذية، إضافة إلى شبكة اجتماعية وخدماتية واسعة، فضلاً عن المجلس الجهادي الولّاد، كما قال الشهيد أبو علي الطبطبائي.

ومن خلال العمل المؤسساتي فإن حزب الله عوّض، على مدى عقود، غياب الدولة عن أهالي الجنوب والبقاع والضاحية وغيرها، فبنى مؤسسات في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية، إلى جانب حضوره السياسي والبرلماني النشط. وهذا يقود إلى مفهوم يمكن استخدامه لفهم المرحلة التي تلت اغتيال سماحة السيد وصولاً إلى يومنا هذا، وهي المرونة التنظيمية، أي قدرة حزب الله على امتصاص الضربة، وإعادة توزيع الأدوار، والمحافظة على الحدّ الأدنى من الاستمرارية والفاعلية المؤسسية.

وإن كان علينا ألّا نقع في مُبالغة، ومع أن استمرار الحزب لا يعني أن الضربات لم تؤثّر فيه، سواء في الحرب الأولى أو في ما آلت إليه الحرب الثانية، بعد أن تآمر الجميع عليه. فقد أثّرت هذه الأحداث بعمق، ولا نسمع في خطابات أمينه العام الشيخ قاسم أي خطاب يقوم على عدم الاعتراف بأن موازين القوة مختلفة وأن هناك خسائر وقعت، لكن ذلك لا يعني الاستسلام. وربما فرضت هذه الأحداث عليه إعادة نظر واسعة في بنيته وطريقة عمله وحساباته.

لكنّ الفرق كبير بين أن يتلقّى التنظيم ضربة كبيرة وبين أن يفقد القدرة على إعادة بناء نفسه. وهذا هو أحد مفاتيح فهم المرحلة، التي لا بد أن نأخذ فيها في الاعتبار كل تاريخ حزب الله ومراحله، بحلوها ومرّها، وبالتعقيدات والصعوبات التي واجهها.

ثانياً: صمود المجتمع المقاوم
السؤال الثاني يتعلق بالمجتمع المقاوم: كيف واجه هذه الصعاب المتعلقة بالتهجير والتضحية بالنفس والأولاد والبيوت والأرزاق؟
لقد دفع مجتمع المقاومة ثمناً بالغاً للحرب. ولا يمكن لأحد أن ينفي صعوبة ما حصل مع هذا المجتمع منذ حرب 2024 حتى حرب 2026، من سقوط شهداء وجرحى، ونزوح، وتدمير منازل، وخسائر بالأرواح، وتضرر مؤسسات وبنى تحتية، وتعطّل اقتصادي واسع، وخسائر في المُدّخرات. ومع ذلك، فإن هذه الكلفة الضخمة لم تنتج قطيعة اجتماعية مع حزب الله، وذلك لأسباب عدة، أهمها أن المقاومة تنتمي إلى هذا المجتمع، وهذا المجتمع اختار الانتماء إليها.

وهذا الانتماء للمقاومة ليس فقط إلى حزب الله، بل هو ممتدّ منذ تأسيس الإمام المُغيّب السيد موسى الصدر لها -أعاده الله ورفيقيه بخير- وصولاً إلى يومنا هذا. وذلك لأن هذه العلاقة المتينة، وبعكس ما يقرأها العدو أو الخصم، لم تبدأ بين حزب الله ومجتمعه في عام 2023، ولا تقوم فقط على تقييم أداء عسكري في حرب واحدة. إنها علاقة تشكّلت عبر عقود، وتداخل فيها السياسي والاجتماعي والديني والتاريخي والمؤسساتي.

ولا ننسى أن المجتمع الذي تشكّلت فيه المقاومة وقوي عودها يحمل في ذاكرته الخاصة الاحتلال، والتحرير عام 2000، وحرب 2006، ثم سنوات مواجهة التكفيريين، وصولاً إلى حربي 2024 و2026، وما مرّ قبلهما من انتصارات أو حتى من صعوبات وتضحيات. ولذلك فإن الحرب الجديدة لا تدخل إلى مجتمع خالٍ من الذاكرة، بل إلى مجتمع يمتلك تفسيراته السابقة للصراع.
فلا يمكن إسقاط فكرة المقاومة من هذا المجتمع، كما لا يمكن اختزال احتضان هذا المجتمع للمقاومة في فترة دون أخرى. كذلك لا يمكن إسقاط ذاكرة هذا المجتمع وتوجيهها فقط نحو ما حصل من أحداث تحمّلت فيها المقاومة تلك الخسائر، وتغيّرت فيها موازين القوى القائمة مع العدو الإسرائيلي.

ثالثاً: القوة العسكرية
ويتفرّع عمّا تقدّم سؤال ثالث، هل حزب الله في هذه المرحلة هو مقاومة وضعت في خدمتها القوة السياسية والمدنية، أم أن هناك تكاملاً بين كل الوسائل لمواجهة العدو؟
كما أن دور المقاومة هو التحرير ومواجهة العدو والدفاع عن لبنان، حيث يعرف حزب الله بالأصل أنه حركة جهادية إيمانية لمواجهة الاحتلال "الإسرائيلي"، لكن ذلك لا ينفي أن السياسة والمؤسسات المدنية كذلك يقع عليها دور عظيم في مواجهة العدو، بتغيير وجه لبنان السياسي، وكذلك الوقوف إلى جانب الشعب اللبناني في مواجهة المحن التي يواجهها.
وبالتالي، فإن المقاومة بكل مؤسساتها ومستوياتها يعضد بعضُها بعضاً، فالعسكري يعضد السياسي، والسياسي يعضد العسكري، وما بينهما من مؤسسات مالية وصحية واجتماعية وغيرها.

وبالتالي، فإذا كان حزب الله مجرد تنظيم عسكري، فإن تدمير جزء مهم من قدراته العسكرية يمكن أن يعني عملياً انتهاء دوره. لكن إذا كان الحزب قد تحوّل عبر أربعة عقود إلى ظاهرة سياسية واجتماعية وفكرية، وإلى بنية مؤسسية شارك في بنائها أمناؤه العامون وصولاً إلى الشيخ قاسم، فإن استهداف البنية العسكرية، على الرغم من خطورته، لا يعني أن دور حزب الله انتهى، كما أن إعادة إحياء المقاومة بفعالية وتعافيها يبقيان قائمين طالما أنه يملك قدرة مؤسساتية على إعادة البناء. كما أن الخسارة العسكرية قد تُقرأ من البعض بوصفها دليلاً على الضعف، لكن المجتمع الذي يعيش الحرب يقرأها بطريقة مختلفة، فهو يرى فيها ثمناً للمواجهة، أو دليلاً على حجم الصراع، أو جزءاً من تاريخ طويل من المواجهة.

وهنا يصبح السؤال: هل استطاعت "إسرائيل" أو الولايات المتحدة، أو تستطيعان، القضاء على حزب الله عسكرياً من دون معالجة الظروف السياسية والتاريخية التي ساهمت في نشوئه؟
إن الحروب التي خاضها حزب الله أبرزت مدى فعالية الحزب في البناء وإعادة البناء، وأنه لا يمكن القضاء عليه بسهولة. فمجرد وقوف الحزب حتى الآن وصموده هو بحدّ ذاته إنجاز كبير، إن لم نقل معجزة، بعد كل ما حصل له، وهو حجم من الضربات قد لا تتحمّله دول، ليعود بعد ذلك إلى مواجهة العدو الإسرائيلي.

وفي الآونة الأخيرة، تظهر في الأدبيات الأميركية و"الإسرائيلية" قناعة متزايدة بأن إضعاف حزب الله ومنع إعادة بناء قدراته هدف أكثر واقعية من القضاء النهائي عليه، وأن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية تقوم بدرجة كبيرة على إضعافه، بالتوازي مع محاولة تغيير البيئة السياسية والاقتصادية اللبنانية المحيطة به. وفي هذا السياق يقول دانيال بايمان في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إن الهدف "الإسرائيلي" الأساسي هو «إضعاف حزب الله». ونشر معهد دراسات الأمن القومي "الإسرائيلي" (INSS) ورقة (بعنوان An Opportunity to Shape a New Reality with Lebanon)، تقول إن القدرات العسكرية لحزب الله تعرّضت لأضرار شديدة، لكنه يضيف أنه «على الرغم من إضعافه بشدّة، فإن حزب الله لم يختفِ». وفي 3 نيسان 2026، نقلت «تايمز أوف إسرائيل» عن مسؤول عسكري "إسرائيلي" رفيع أن نزع سلاح حزب الله بالكامل غير واقعي.

وهنا تحديداً تكمن أهمية تجربة حزب الله، وأهمية الإجابة عن سؤال: كيف سيبني حزب الله أدبياته الجديدة؟ وكيف يمكن أن يحوّل الأحداث التي وقعت بين عامي 2024 و2026 من تهديد إلى فرصة لإعادة البناء، كما حصل قبل «العصف المأكول»، والتي أظهرت في الأشهر الأولى تقدّماً لحزب الله عسكرياً.

بعد كل ما تقدّم، نعم، يمكن القول إن حزب الله لم يعد الحزب الذي دخل حرب 2023، لكنه أيضاً لن ينتهي وإن ضعف فإنه سيعاود النهوض والبناء مجدداً. وما زالت مسألة سلاحه ودوره وموقعه في الدولة موضوعاً مركزياً في السياسة اللبنانية والإقليمية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فلو كان الهدف من الحرب مجرد إضعاف حزب الله عسكرياً، فإن النتائج يمكن أن تُقاس بالخسائر والقدرات المدمّرة. أمّا إذا كان الهدف هو إنهاء المقاومة كظاهرة سياسية واجتماعية وإعادة صياغة لبنان بالكامل على أساس جديد، فإن المعركة أكثر تعقيداً بكثير وحتى الآن فشلت في تحقيق أهدافها، فقد خرج حزب الله مُثقلاً بالخسائر، لكنه لم يسقط. خرج فاقداً قيادة تاريخية، لكنه أعاد إنتاج قيادته. خرج من حرب قاسية، لكنه بقي حاضراً في السياسة والمجتمع وفي إعادة بناء المقاومة.

وفي نهاية المطاف، فإن تاريخ حركات المقاومة لا يُقاس فقط بما يمكن أن تتلقّاه من ضربات، بل بقدرتها على إعادة إنتاج القيادة، والحفاظ على التماسك التنظيمي، واستعادة العلاقة مع المجتمع، وإعادة صياغة خطابها بعد الهزات الكبرى.
وهكذا هي أمّة حزب الله، وهكذا هو حزب الله الولّاد.

الكلمات المفتاحية
مشاركة