مقالات مختارة
تثير خسارة دونالد ترامب في الانتخابات النصفية تساؤلات بشأن مستقبل العلاقات التركية - الأميركية، في ظلّ ملفات عالقة بين البلدين، ومخاوف أنقرة من تنامي نفوذ الكونغرس في رسم السياسة الأميركية تجاهها، رغم العلاقة الشخصية التي تجمع ترامب بإردوغان.
محمد نور الدين – صحيفة الأخبار
مع الخسارة التاريخية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والحزب «الجمهوري»، في الانتخابات النصفية، يترقّب المتابعون في تركيا مدى تأثير ذلك على العلاقات التركية - الأميركية، ولا سيما على العلاقة الخاصة التي ربطت ترامب بنظيره التركي، رجب طيب إردوغان، حتى قبل انتخاب الأول رئيساً عام 2024. وتنحصر الملفّات العالقة بين أنقرة وواشنطن في ثلاثة رئيسَة: بيع طائرات «إف-35» المتطوّرة إلى تركيا بعد إخراجها من برنامج إنتاجها عام 2017 في عهد ترامب الأوّل بالذات، تزويد طائرات «قاآن» التركية المقاتلة بالمحرّكات الضرورية لكي تعمل، والعقوبات الأميركية، المعروفة باسم «كاتسا»، على الصناعات العسكرية التركية. كذلك، تطاول التساؤلات التنسيق الأميركي الحالي مع تركيا في القضايا الإقليمية، بما يشمل «حلف مكة» والوضع في شرق المتوسط.
في هذا الإطار، تشير قنصل تركيا السابقة في لوس أنجلوس، غول رو غيزير، في حديث إلى صحيفة «ميلييت»، إلى أن الولايات المتحدة كانت تطلب من تركيا التخلّص من منظومة صواريخ «إس-400» الروسية التي اشترتها، كي تُتاح لها العودة إلى برنامج «إف-35»، غير أن ذلك لم يحدث في فترة كان فيها ترامب في ذروة قوته، لأسباب غير مفهومة. وتضيف غيزير أن امتلاك «الديمقراطيين» الغالبية في مجلسَي النواب والشيوخ سوف يزيد الأمور تعقيداً، مستدركةً بأن حلّ المشكلة ليس مستحيلاً. وترى أن الروابط الشخصية تلعب دوراً في العلاقات الثنائية، لكنها تبيّن أن ثمّة ثلاث ركائز ثابتة لهذه العلاقات، هي: البيت الأبيض، «البنتاغون»، و«الكونغرس»، متابعةً أن الأخير يلعب دوراً حاسماً، ولذا، وفي ظلّ عدم سيطرة ترامب عليه، سيكون على تركيا تكثيف الضغوط على المشرّعين عبر لوبيات واتصالات متكرّرة. مع هذا، تعتقد غيزير أنه ما دام ترامب رئيساً، خلال السنتَين المقبلتين، فلن تكون هناك تحوّلات جوهرية في السياسة الخارجية، مستبعدةً أن يتّخذ الرئيس قرارات تتعارض مع مصالح تركيا أو تضرّ بها، نظراً إلى أن الأخيرة فاعل رئيس في المنطقة، وفي أوكرانيا، والبحر الأسود، والعالم التركي. وتلفت إلى أنّ ثمّة في الإدارة الأميركية الحالية مجموعة تدرك الأهمية الإقليمية لتركيا وتفهم طبيعة البلد، مشدّدةً على أنه يتعيّن بناء علاقات قوية مع البيت الأبيض و«الكونغرس» والخارجية و«البنتاغون»، قبل أن تنقلب الأمور بعد سنتَين.
من جهته، يستبعد مدير جامعة «بايكوز»، بوراك كونتاي، في حديث إلى الصحيفة نفسها، أن تؤدّي نتائج الانتخابات إلى تغيير العلاقات التركية - الأميركية بشكل جذري، مبيّناً أن مسار هذه الأخيرة يعتمد على الديناميكيات وتوازنات القوى القائمة في أيّ وقت. ويعتقد أن العلاقات الشخصية مهمّة كقناة اتصال إضافية، مستدركاً بأن الأساس هو العلاقة بين المؤسّسات، مؤكداً أن «القوة الإقليمية لتركيا أصبحت واقعاً يتجاوز الانتخابات، أو النتائج السياسية، أو أيّ تطورات من هذا القبيل». أمّا رئيس «لجنة العمل السياسي التركي - الأميركي»، إرول غولستان، فيعتقد أن ثمّة مشهدَين مختلفَين: واحد «وردي» يتّصل بعلاقة ترامب نفسه مع تركيا، وإشاراته الإيجابية بشأن مختلف القضايا الثنائية بينهما، والثاني في «الكونغرس» حيث المقاربة أكثر حذراً. وعليه، يدعو غولستان إلى أن تبذل تركيا جهوداً مُكثّفة لدى الحزبَين «الديمقراطي» و«الجمهوري»، مشدّداً على ضرورة وجود فريق أصغر سنّاً، وأكثر ديناميكية، قادر على التواصل مع «الكونغرس» على امتداد العام، وليس فقط في أوقات الأزمات. ويشير إلى أن الدور التركي ذو أهمّية بالنسبة إلى الولايات المتحدة في قضايا عديدة، من بينها النزاع الأوكراني - الروسي، وهو أكثر أهمّية في ما يتعلّق بإيران نظراً إلى الحدود المشتركة بين البلدَين؛ كما أن أنقرة قادرة على ممارسة الدبلوماسية الإقليمية. ومن هنا، يرجّح غولستان استمرار النهج الإيجابي من جانب البيت الأبيض تجاه تركيا، على أن تحقّق الأخيرة النجاح المُستدام عبر العمل داخل «الكونغرس».
بدوره، يلاحظ الكاتب مراد يتكين أن العلاقات التركية - الأميركية شهدت تراجعاً خلال ولاية الرئيس الأسبق، جو بايدن، ثمّ انتعشت مع ترامب، معتبراً أن هزيمة الأخير «الساحقة» قد تؤدّي إلى عودة الفتور. ويعتقد يتكين أن ضغوط «الكونغرس» ورضوخه للوبيات اليونانية و"الإسرائيلية"، قد يخفّفان من التنسيق بين أنقرة وواشنطن، خصوصاً أن «الديمقراطيين» مُعادون عموماً لتركيا، مضيفاً أن ذلك قد يدفع الأخيرة إلى التركيز على انتهاج سياسات أكثر إقليمية مع السعودية وباكستان، وتمتين «حلف مكة»، وتعزيز هامش المناورة بعيداً عن الولايات المتحدة. أمّا الكاتبة في صحيفة «حرييت»، هاندي فرات، فتعتبر أنه لا يمكن مواصلة قراءة العلاقات من خلال عدسة ترامب - إردوغان فقط؛ فالمعادلة السياسية في واشنطن تشهد تحوّلات، كما أن القضايا الأكثر حساسية بالنسبة إلى تركيا تقع ضمن اختصاص «الكونغرس». وتدعو فرات إلى اعتماد استراتيجية متعدّدة الأبعاد، تحافظ على العلاقات الجيّدة مع البيت الأبيض، وتعمل بحيوية لدى «الكونغرس»، وتُبرِز أهمية تركيا، خصوصاً الأمنية، ومكانتها في حلف «الناتو».