لبنان
في أجواء الذكرى السنوية لاستشهاد الأمين العام السابق لحزب الله، سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله رضوان الله عليه، وبرعاية نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، نظّمت المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم ندوة لمناسبة إصدار كتاب "كلمات من نور 1"، الذي يجمع خطابات السيد نصر الله في أنشطة وفعاليات المؤسسة بين عامي 1993 و2023، وذلك بحضور شخصيات دينية وتربوية وفكرية وإعلامية.
وقدّمت الندوة الإعلامية بثينة عليق، فيما غاب النائب في البرلمان اللبناني الدكتور إلياس جرادي لظروف صحية طارئة. وشارك في الندوة رئيس المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم الدكتور حسين يوسف، والشيخ علي الخطيب، ونائب رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله الدكتور عبد الله قصير، ونجل السيد حسن نصر الله، السيد جواد حسن نصر الله، والكاتب والباحث في الشؤون القضائية الدكتور عمر نشابة، الذي تناول في مداخلته التربية على المواطنة في مواجهة الهجمات الممنهجة على مدارس المهدي (عج).
وتركّزت المداخلات على الأبعاد التربوية والفكرية والإنسانية في تجربة السيد حسن نصر الله، واهتمامه ببناء الأجيال، وتطوير المؤسسات التعليمية، وتعزيز القيم الأخلاقية والوطنية، إلى جانب استحضار توجيهاته في إعداد جيل يجمع بين الإيمان والمعرفة والكفاءة العلمية وتحمل المسؤولية تجاه المجتمع والوطن.
الدكتور حسين يوسف: مدارس المهدي (عج) امتداد لرؤية السيد في بناء الإنسان وصون الهوية
استهلّ رئيس المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم الدكتور حسين يوسف المداخلات بالتأكيد على أن المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم سعت، منذ انطلاقتها، إلى ترجمة رؤية السيد حسن نصر الله وتوجيهاته إلى نموذج تربوي متكامل، يحافظ على أصالة الهوية، ويجمع بين التربية الدينية والأخلاقية والانفتاح على الإنسان والمجتمع.
وأشار إلى أن الرؤية التربوية التي أرساها السيد نصر الله لم تكن محصورة في ترسيخ الهوية الخاصة، بل انطلقت منها نحو بناء شخصية إنسانية متوازنة، تؤمن بكرامة الإنسان، وترى في التنوع غنى، وفي الشراكة قوة، بما يعزز الانفتاح على الآخر، ورعاية حقوق المواطنة، وخدمة المجتمع والإنسانية.
ولفت إلى أن المؤسسة تنطلق من الإيمان برسالة القرآن الكريم والقيم التي حملتها الرسالات السماوية، وتسعى إلى غرس مبادئ العدل والحق والخير والاحترام في نفوس الأجيال، وتربيتهم على الكرامة الإنسانية والاستعداد للتضحية في سبيلها.
وفي الشأن الوطني، شدّد يوسف على ضرورة بقاء لبنان قويًا ومحصنًا بوحدته الوطنية، وتزويد أبنائه بالعلم والوعي وأسباب القوة والاقتدار، ومعالجة القضايا الوطنية بروح المسؤولية والشراكة، مهما تعقدت التناقضات، وصولًا إلى بناء وطن عزيز ومستقل.
وأكد أن هذه الرؤية تفتح الطريق أمام ترسيخ نموذج لبنان الرسالة، القائم على الشراكة والتنوع، وبناء دولة عادلة وقوية وقادرة.
وختم بتجديد العهد للسيد حسن نصر الله بمواصلة الاستلهام من مدرسته الفكرية والتربوية، وتحويل كلماته ووصاياه إلى مسار عمل متواصل، مشيرًا إلى أن مدارس المهدي (عج) تستمد جوهرها وهويتها من الرؤية التي أرساها، وتواصل العمل على بناء الأجيال وحمل الأمانة.
الشيخ علي الخطيب: المقاومة دفاع عن القيم وثقافة الأمل والحياة
نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وراعي الندوة الشيخ علي الخطيب تناول في كلمته الأبعاد الفكرية والأخلاقية في رؤية السيد حسن نصر الله، مؤكدًا أن استشهاده لا يمكن أن يكون مدخلًا إلى اليأس، بل يعزز ثقافة الأمل والإيمان بالحياة الآخرة، التي توسّع أفق الإنسان وتمنحه رؤية تتجاوز حدود العمر والحياة المادية.
وأوضح أن هذا الفهم للحياة يرتبط بالقيم والأخلاق، وهو ما سعت المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم إلى ترسيخه في نفوس الأجيال، من خلال تعميق النظرة إلى الحياة والإنسان والآخر، وبناء وعي يتجاوز المفاهيم الضيقة.
وأشار إلى أن المقاومة، وفق هذه الرؤية، هي وسيلة للدفاع عن القيم الإنسانية المشتركة، التي تتجاوز الاختلافات القومية والاجتماعية، مؤكدًا أن الدفاع عن هذه القيم يشكل جوهر المواجهة، وأن الحياة من دون قيم تفقد معناها الإنساني.
ولفت الشيخ الخطيب إلى أن المجتمعات تعرّضت، قبل الحروب العسكرية، لحرب ثقافية وأخلاقية هدفت إلى تشويه المفاهيم وقلب المعادلات، وتصوير المقاومة على أنها ثقافة موت، والاستسلام على أنه ثقافة حياة، معتبرًا أن الحفاظ على الهوية والقيم يمثل أساسًا في مواجهة هذه التحديات.
وانتقد تراجع الاهتمام بالتربية الوطنية والأخلاقية والمعنوية في المؤسسات التعليمية، مقابل التركيز على اختصاصات لا تتيح، في كثير من الأحيان، للخريجين خدمة مجتمعاتهم، ما يدفعهم إلى الهجرة والعمل خارج أوطانهم.
وأكد أن تأسيس المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم جاء في إطار الحرص على حماية الثقافة والهوية، وربط الأجيال بالأمل والإيمان، وصون مستقبل المجتمع، مشيدًا بدورها في غرس القيم الثقافية والأخلاقية، والحفاظ على الأسرة والقدرات التي يحتاج إليها المجتمع في مواجهة التحديات.
وشدّد على أن الصمود في الميدان يحتاج إلى الفكر والقوة المعنوية والأخلاقية، إلى جانب القوة المادية، معتبرًا أن هذه القيم هي التي تمنح الإنسان القدرة على الثبات مهما بلغت قوة الخصم.
وختم بالتأكيد على أن أبناء هذه المدارس يمثلون امتدادًا للمسيرة التربوية والفكرية التي أرساها السيد نصر الله، مشيرًا إلى أن التمسك بالمبادئ والدفاع عن لبنان وكرامته لا يتحققان بالاستسلام، بل بالثبات على الحقوق والقيم الوطنية.
الدكتور عبد الله قصير: السيد نصر الله حوّل المقاومة إلى مشروع حضاري متكامل
نائب رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله الدكتور عبد الله قصير تناول تجربة السيد حسن نصر الله في تأسيس المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم، معتبرًا أنه شكّل أحد أبرز النماذج القيادية التي نجحت في تحويل المقاومة من مجرد رد فعل عسكري على الاحتلال إلى مشروع حضاري شامل، يتكامل فيه البعد العسكري مع الأبعاد الثقافية والتربوية والفكرية والسياسية والإعلامية والاجتماعية والروحية.
وأشار إلى أن السيد نصر الله أسهم في بناء مجتمع يؤمن بخيار المقاومة ويدعمها في مختلف المواقع، لافتًا إلى أن مشاهد الصمود والتضحيات والثبات والوفاء التي شهدتها المرحلة الأخيرة تعكس رسوخ القيم والعقيدة التي عمل السيد على ترسيخها في وجدان المجتمع.
وأكد قصير أن خطاب السيد نصر الله اتسم بالاهتمام بهموم الناس وحاجاتهم، ولم يغفل أي جانب من جوانب الحياة الإنسانية والاجتماعية، انطلاقًا من رؤية تعتبر الإسلام دينًا للحياة ومنهجًا لسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.
وفي استعراضه لتجربة تأسيس المؤسسة، أوضح أن العمل على وضع رؤيتها وأهدافها وسياساتها بدأ مع تولي السيد نصر الله الأمانة العامة لحزب الله، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أن التوجه كان يقضي بألا تكون المؤسسة مشروعًا تجاريًا أو منافسًا للمؤسسات الإسلامية القائمة، بل إطارًا جامعًا يضم أكبر شريحة ممكنة من المدارس والمبادرات التربوية الموجودة.
ولفت إلى أن المؤسسة استوعبت مدارس ومبادرات تربوية سابقة، من بينها مدارس الإمداد ومدارس مؤسسة الشهيد ومدرسة الهداية في النبي شيت، إلى جانب مبادرات تعليمية أخرى.
واستعاد قصير توجيهات السيد نصر الله بشأن التربية، التي ركزت على تنشئة الأجيال على العمل الصالح والإيماني وحسن الخلق وترسيخ القيم الإلهية، بالتوازي مع بناء مدارس قوية علميًا وقادرة تعليميًا، والاستفادة من تطوير المناهج والبرامج والوسائل الحديثة.
وأكد أن الهدف من تأسيس مدارس المهدي كان بناء جيل مؤمن برسالته، يمتلك الكفاءة العلمية والتربوية التي تؤهله لتحمل مسؤولياته، ويعمل من أجل عزة مجتمعه وكرامته، مع تعزيز علاقته بالإمام المهدي.
الدكتور عمر نشابة: التربية على المواطنة في مواجهة الهجمات الممنهجة على مدارس المهدي (عج)
من جهته، تناول الكاتب والباحث في الشؤون القضائية الدكتور عمر نشابة في مداخلته موضوع "التربية على المواطنة في مقابل الهجمات الممنهجة على مدارس المهدي (عج)"، رابطًا بين الاعتداءات التي تستهدف المؤسسات التعليمية في الجنوب، ومحاولات ضرب استقرار المجتمع وحرمان أبنائه من حقهم في التعليم والتمسك بأرضهم.
واعتبر أن استهداف الطلاب والمعلمين والمدارس يطرح سؤالًا أساسيًا حول دور التربية في بناء جيل ثابت على الحق، قادر على الدفاع عن مجتمعه ومستقبله، مؤكدًا أن رسالة المدرسة تتجاوز التعليم إلى حماية المجتمع والوطن.
واستند نشابة إلى مضامين كتاب "كلمات من نور"، الذي يجمع خطابات السيد حسن نصر الله في مناسبات المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم بين عامي 1993 و2023، مستحضرًا تأكيد السيد أن المدارس أُنشئت لخدمة الإنسان والناس، وأن المعرفة والإمكانات العلمية ينبغي أن توضع في خدمة الآخرين.
وأشار إلى أن السيد نصر الله ربط بين التربية والتعليم، ودعا إلى الانتقال من التلقين والاستهلاك إلى التفكير والعمل والإنتاج وتحمل المسؤولية، بما يجعل الطالب إنسانًا فاعلًا في مجتمعه، قادرًا على المساهمة في حماية استقلال لبنان وكرامته.
وفي محور المواطنة والوحدة الوطنية، لفت إلى دعوة السيد نصر الله إلى الانفتاح والتواصل بين المؤسسات التربوية الإسلامية والمسيحية، وتجاوز الحواجز المذهبية والطائفية والسياسية، معتبرًا أن التواصل بين العاملين في التربية يشكل حصانة وطنية واجتماعية، وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة بين اللبنانيين.
وأكد أن الاعتداء على أي مؤسسة تعليمية لبنانية، رسمية كانت أو خاصة، وفي أي منطقة من البلاد، هو اعتداء على الوطن كله، مشددًا على أهمية العمل المشترك بين الطلاب من مختلف المدارس في المشاريع العلمية وخدمة القرى المتضررة، بما يعزز مفهوم المواطنة عمليًا.
وتطرق إلى الاعتداءات التي طاولت مدارس ومنشآت تعليمية في الجنوب، ومنها مبنى ثانوية المهدي (عج) في بنت جبيل، الذي أشار إلى أن الجيش "الإسرائيلي" فجّره في تموز 2026، لافتًا إلى أن المؤسسة واصلت رسالتها التربوية رغم الخسائر، وعملت على إعادة فتح الصفوف ومعالجة الأضرار.
وفي الجانب العلمي، شدّد نشابة على أن حماية المجتمع وإعادة الإعمار ومواجهة التفوق التقني تتطلب تطوير التعليم في مجالات الرياضيات والفيزياء واللغات والذكاء الاصطناعي والإلكترونيات والاتصالات، وبناء قدرات الطلاب على البحث والتحقق والعمل الجماعي والإنتاج العلمي.
وأشار إلى أهمية تطوير الأندية العلمية والتربوية، والاستفادة من مشاركة طلاب مدارس المهدي (عج) في مسابقات البرمجة والذكاء الاصطناعي، وتعزيز الشراكات مع الجامعات والمهندسين والباحثين اللبنانيين، بما يفتح أمام الطلاب آفاقًا أوسع للمعرفة والابتكار.
السيد جواد حسن نصر الله: والدي جعل الاهتمام بالأطفال والناشئة أولوية تربوية
نجل السيد حسن نصر الله السيد جواد حسن نصر الله استعاد جوانب من اهتمام والده بالأطفال والناشئة، مؤكدًا أن بناء الأجيال المقبلة وحمايتها ثقافيًا وأخلاقيًا كانا من أولوياته الأساسية، سواء في توجيهاته العلنية أو في أحاديثه الخاصة.
وأشار إلى أن السيد حسن نصر الله كان يتابع باهتمام واقع مدارس المهدي (عج)، ويحرص على أن يتلقى الأطفال تعليمًا لا ينفصل فيه الدين عن المعرفة، معتبرًا أن اختيار المدرسة المناسبة يشكل مصدر اطمئنان إلى البيئة التي ينشأ فيها الطفل، وإلى ما يتلقاه من قيم وثقافة.
ولفت إلى أن هذا الاهتمام لم يقتصر على أبناءه وأحفاده، بل شمل مختلف الطلاب، ولا سيما أبناء الشهداء والمجاهدين، إذ كان يتابع شؤونهم التعليمية والتربوية، ويسأل عن أوضاعهم ويتفاعل مع حاجاتهم وفق أعمارهم ومستويات وعيهم.
وأوضح أن السيد نصر الله كان يرى أن مسؤولية بناء الأجيال تبدأ منذ الطفولة، وأن التحديات الثقافية والإعلامية والأخلاقية تستدعي توفير بدائل تربوية جاذبة، قادرة على استقطاب الناشئة وحمايتهم من الأفكار المنحرفة، وتعزيز وعيهم ومعرفتهم.
واستحضر موقفًا عبّر فيه السيد نصر الله عن أولوية حماية الأطفال من التأثيرات الإعلامية والثقافية، مشيرًا إلى أنه كان يرى في إنشاء محتوى إعلامي مخصص للأطفال حاجة أساسية، في ظل ما وصفه بتحديات التشويه الإعلامي والثقافي.
وأكد أن السيد نصر الله كان يشدد على أن العلم والمعرفة يمثلان حصانة للأجيال، وأن المقاومة والمجتمع يحتاجان إلى مختلف الاختصاصات العلمية، لا إلى القوة المادية وحدها، مشيرًا إلى اهتمامه بتطوير المناهج، وتشجيع البحث والتعلم، وتوفير مسار تربوي متكامل يمتد من مرحلة الروضة حتى الجامعة.
كما لفت إلى حرصه على الجمع بين التعليم والأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية والدينية، وجعل الثقافة الدينية جذابة وغير منفّرة، بما يساعد على ترسيخ الوعي وتنمية روح الجماعة والمسؤولية.
وتوقف عند اهتمام السيد نصر الله بالكتاب والقراءة، ونصائحه بعدم الاستغناء عن الكتاب الورقي لمصلحة المكننة وحدها، لما للقراءة من أثر معرفي وعاطفي في تكوين شخصية الطالب.
واستعاد كذلك العلاقة الإنسانية التي ربطت السيد نصر الله بطلاب مدارس المهدي (عج)، ولا سيما أبناء الشهداء، مشيرًا إلى رسائل وكتابات أرسلها الأطفال إليه، عبّرت عن محبتهم وتعلقهم به، وعن شعورهم بأنه أب لهم، لا مجرد قائد أو شخصية عامة.
وختم بالتأكيد أن هذه العلاقة تعكس اهتمام السيد نصر الله بالجيل الذي أوكل إليه مسؤولية حمل الراية ومواصلة الطريق، معتبرًا أن فكره ونهجه سيبقيان حاضرين في وجدان الأجيال المقبلة.
وتأتي الندوة في إطار توثيق الخطاب التربوي للسيد حسن نصر الله، واستحضار رؤيته في بناء الإنسان وإعداد الأجيال، فيما يشكّل الكتاب مرجعًا يجمع محطات من علاقته بالمؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم ومسيرتها، وقد تم توزيع نسخ من الكتاب على الحاضرين.