مقالات
فلسطين في زمن الخذلان: لماذا اختار السيد نصر الله كسر قواعد الصمت؟
من قضية مركزية إلى منظومة إسناد: قراءة في إرث السيد نصر الله الفلسطيني
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
لم يكن قرار فتح جبهة الجنوب اللبناني في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023 ردّ فعل عسكري على عدوان "إسرائيلي" جديد على قطاع غزة فقط، بل كان تتويجًا لمسيرة عقائدية وسياسية واستراتيجية امتدت عقودًا، صاغها السيد حسن نصر الله بوعي القائد الذي يدرك أن فلسطين ليست ملفًا منفصلًا عن الصراع الإقليمي، بل هي البوصلة التي تحدد معنى المقاومة ووجودها. لم يكن نصر الله زعيمًا محليًا يحسب حساباته بمنطق الجغرافيا الضيقة، بل كان مهندسًا لمعادلات إقليمية جعلت من فلسطين مركز الثقل في مشروع المقاومة، حيث كانت فلسطين، في رؤيته ومسيرته، قضية في صلب المعركة، وبوصلة تحدد معنى المقاومة ووجهتها، وأمانة حملها طوال سنوات قيادته لحزب الله منذ توليه الأمانة العامة عام 1992. من لبنان إلى فلسطين، ومن تحرير الجنوب إلى جبهة الإسناد، شكّل نصر الله نموذجًا فريدًا للقائد الذي ربط مصير بلده بمصير الأمة.
وفي الذكرى الثانية لاستشهاده، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة قراءة إرثه الفلسطيني، لا بوصفه سردًا تاريخيًا للبطولات، بل بوصفه منهجًا في التفكير والتحرك والمواجهة، ومسؤولية تنتقل من القائد الشهيد إلى الأجيال التي حملت الأمانة من بعده.
لماذا اختار نصر الله كسر قواعد الصمت؟
في لحظة تاريخية كانت فيها القضية الفلسطينية تُدفن تحت ركام التطبيع والانصراف العربي والدولي، اختار نصر الله أن يكسر قواعد الصمت. لم يكن الصمت فقط غيابًا للكلام، بل كان نظامًا سياسيًا وأخلاقيًا قائمًا على تهميش فلسطين، وإعادة تعريفها كملف إنساني معزول عن جذور الصراع. في هذا السياق، جاء قرار جبهة الإسناد ليعبّر عن رفض مزدوج: رفض للعدوان "الإسرائيلي"، ورفض للخذلان العربي والإسلامي الذي ترك غزة وحيدة في مواجهة آلة الحرب.
لقد أدرك السيد نصر الله أن الصمت ليس حيادًا، بل شراكة في الجريمة. وفي خطاباته المتكررة، وجّه سهامه إلى "حكام عالمنا العربي والإسلامي" الذين عجزوا عن نصرة "هذه الدماء والأشلاء في غزة". لم يكن هذا الخطاب فقط عتابًا سياسيًّا، بل كان تشخيصًا لانحطاط أخلاقي في منظومة إقليمية ودولية تتعامل مع القضية الفلسطينية بمنطق الربح والخسارة لا بمنطق الحق والواجب.
اختار السيد نصر الله كسر الصمت لأنه أدرك أن استمرار هذا الصمت سيؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية، ليس فقط عبر الاحتلال والقوة العسكرية، بل عبر الإنهاك والتجاهل والتحويل التدريجي للقضية إلى شأن إغاثي لا شأن سياسي. كانت جبهة الإسناد، في هذا المعنى، خطوة استباقية لمنع الاستفراد بغزة أولًا، ثم بلبنان والمنطقة بأكملها. لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان ضروريًا، لأن كلفة الاستسلام أكبر بكثير من كلفة المقاومة.
غزة والاختبار الأخلاقي والديني
شكّل العدوان على غزة اختبارًا أخلاقيًا حقيقيًا للعالم بأسره، لكن السيد نصر الله رفض منطق المتفرجين منذ اليوم الأول. في منظومته الفكرية، لم يكن الوقوف على الحياد خيارًا ممكنًا حين يُذبح الأبرياء وتُدمّر البيوت وتُحاصر المدن. كان يرى أن نصرة الشعب الفلسطيني واجب إنساني قبل أي شيء آخر، واجب لا يرتبط بحجم الإمكانيات أو القدرة على التغيير، بل هو خيار إلزامي يرفع عن فاعله المسؤولية الأخلاقية.
في خطابه الأول بعد "طوفان الأقصى"، أمّن الغطاء الشرعي الكامل للمعركة بقوله: "إن هذه المعركة شرعية بالكامل، من الناحية الإنسانية والأخلاقية والدينية، ولا غبار عليها في أي شرعية من الشرعيات". لم تكن هذه العبارة تأييدًا سياسيًّا فقط، بل كانت تأسيسًا لعقيدة مقاومة تقوم على نصرة المستضعفين ومواجهة البغي، بغض النظر عن موازين القوى المادية، حتى لو كلف ذلك التضحية بالنفس والمال. وقد تجلى هذا الوضوح في عبارته الشهيرة: "نحن شيعة علي بن أبي طالب لن نتخلى عن فلسطين ولا عن شعب فلسطين ولا عن مقدسات الأمة في فلسطين"، وهي عبارة لم تكن موقفًا عاطفيًا، بل اختصارًا لرؤية سياسية وأخلاقية أراد من خلالها التأكيد أن فلسطين ليست قضية قابلة للتبدل وفق الظروف، وأن الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني يعدّ جزءًا لا يتجزأ من هوية المقاومة والتزامها.
رفض السيد نصر الله منطق المتفرجين لأنه أدرك أن هذا المنطق ليس محايدًا، بل هو انتصار للجلاد على الضحية. في أحد خطاباته، شدد على أن: "لو أردنا أن نبحث عن معركة تتوافر فيها كل عناصر المصلحة الأخلاقية والإنسانية الكاملة، لن نجد معركة كمعركة القتال مع هؤلاء الصهاينة". واعتبر أن خذلان غزة هو سقوط لآدمية الإنسان وإنسانيته. لم يكن هذا الموقف عاطفيًا فقط، بل كان موقفًا أخلاقيًا صارمًا يرى في الصمت تواطؤًا، وفي الحياد خيانة للقيم الإنسانية التي حثّت عليها جميع الأديان السماوية والقوانين الدولية.
من التحرير إلى الإسناد
لم يكن موقف سيد شهداء الأمة من فلسطين ارتجاليًا أو عشوائيًا، بل كان التزامًا بمجموعة مبادئ لطالما نادى بها. منذ توليه قيادة حزب الله عام 1992، جعل مواجهة الاحتلال الإسرائيلي مشروعًا يتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية. شكل تحرير الجنوب اللبناني عام 2000 إحدى أبرز المحطات التي ارتبطت باسمه، بعدما تمكّنت المقاومة من دحر الاحتلال "الإسرائيلي"، مثبتة معادلة أن "إسرائيل" "أوهن من بيت العنكبوت". ثم جاءت حرب تموز 2006 لتضع المقاومة أمام مواجهة عسكرية أوسع، وتمنح تجربتها بعدًا جديدًا في الصراع مع "إسرائيل"، وتفشل المخططات الإقليمية الساعية لإنهاء خيار المقاومة.
وفي سياق حماية "ظهر المقاومة" وعمقها الاستراتيجي، خاض حزب الله مواجهات ضد الجماعات التكفيرية، وهو تدخل لم يكن منفصلًا عن القضية الفلسطينية، بل كان يهدف إلى منع إغلاق طرق الإمداد والدعم اللوجستي عن فلسطين، وحماية العمق الاستراتيجي للمقاومة. لقد أدرك السيد نصر الله مبكرًا أن المعركة مع الاحتلال "الإسرائيلي" ليست معركة عسكرية في الميدان فقط، بل هي معركة على الوعي والرواية والإعلام والموقف الدولي، ولهذا سجّل له أنه أدرك مبكرًا أهمية الإعلام وتأثيره والخطاب السياسي في بناء الوعي.
المقاومة في لبنان لم تكن مشروعًا معزولًا. منذ التسعينيات، قدّم حزب الله بقيادة السيد نصر الله دعمًا متصاعدًا لفصائل المقاومة الفلسطينية: تدريب، خبرة، إمداد بالسلاح، ونقل تجربة حرب العصابات. لكن الأهم كان بناء عقل إستراتيجي فلسطيني يتغذى من التجربة اللبنانية. في انتفاضة الأقصى الثانية (2005-2000)، ومع صعود العمليات الاستشهادية، ظهر أثر واضح لهذا الدعم. أما في العقدين الأخيرين، فقد أصبح الإسناد أكثر وضوحًا: نقل تكنولوجيا الصواريخ الدقيقة، بناء شبكات أنفاق، وتطوير منظومات حرب إلكترونية وطائرات بلا طيار. هذا التكامل لم يكن عسكريًا فقط، بل أيديولوجيًا، حيث نجح السيد نصر الله في صياغة خطاب يوحد حماس والجهاد الإسلامي مع محور المقاومة رغم التباينات الفكرية.
الرجل الذي رفض أن تُترك غزة وحدها
عندما فتحت جبهة الجنوب في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تكن الخطوة فقط دعمًا عسكريًّا لغزة، بل كانت ترجمة عملية لعقيدة "وحدة الساحات" التي صاغها نصر الله على مدى عقود. رفض أن تُترك غزة وحدها في مواجهة آلة الحرب "الإسرائيلية"، لأنه أدرك أن الاستفراد بغزة سيعني حتمًا التفرد بلبنان والمنطقة لاحقًا. كانت جبهة الإسناد خطوة استباقية لمنع هذا الاستفراد، وإشغال العدو على أكثر من جبهة، واستنزاف قدراته العسكرية والاقتصادية والنفسية.
لم يكن قرار السيد نصر الله عاطفيًا أو ارتجاليًا، بل كان قرارًا استراتيجيًا محسوبًا يستند إلى قراءة دقيقة للأمن القومي المشترك. صاغ القاعدة الاستراتيجية الصارمة لجبهة الجنوب: "هذه الجبهة مرتبطة بجبهة غزة ارتباطًا عضويًا وعسكريًا وميدانيًا وسياسيًا، ولن تتوقف حتى يتوقف العدوان على غزة". رفض كل العروض الدبلوماسية الغربية لفصل المسارين، معتبرًا أن تراجع غزة سيعني استباحة لبنان غدًا. في خطابه في كانون الثاني/يناير 2024، حدد وظيفة الجبهة ميدانيًا: "إن جبهتنا في الجنوب هي جبهة ضاغطة ومستنزفة للعدو، ومُهجّرة للمستوطنين، وتجبره على إبقاء ثلث جيشه في الشمال".
لكن الإسناد لم يكن عسكريًا فقط. لقد كان السيد نصر الله يدرك أن المعركة على فلسطين هي أيضًا معركة على الوعي والرواية والإعلام. في خطاباته، فضح ازدواجية الغرب الذي يتشدق بحقوق الإنسان بينما يغطي جرائم "إسرائيل". أسس لنقض الرواية الصهيونية في الإعلام العالمي، وساهم في مراكمة موجة الاعترافات الدولية بدولة فلسطين. كان يرى في فلسطين القضية الجامعة التي تُسقط الفتن الطائفية والقومية، واعتبر أن الدفاع عن غزة هو جوهر الكرامة العربية.
الثبات الاستراتيجي وتقبّل الأثمان الباهظة
لم يكن اتخاذ قرار جبهة الإسناد سهلًا، بل كان يتضمن إدراكًا مسبقًا لحجم المخاطر والتضحيات. واجه السيد نصر الله ضغوطًا سياسية ودبلوماسية هائلة، محليًا ودوليًا، لفصل جبهة الجنوب عن جبهة غزة، لكنه ثبت على قاعدة "لا توقف في الجنوب إلا بتوقف العدوان على غزة". دفع الحزب وبيئته ولبنان ككل أثمانًا باهظة شملت ارتقاء آلاف الشهداء، وتدمير عشرات القرى والبلدات الجنوبية، واغتيال القيادات التاريخية للمقاومة وعلى رأسهم السيد الشهيد حسن نصر الله، الذي توج مسار إسناده لغزة بشهادته على هذا الطريق.
في خطاباته الأخيرة، التي تزامنت مع اشتداد موجات الاغتيالات، أطلق السيد نصر الله عبارته الشهيرة التي لخصت فلسفته في التضحية: "نحن هنا لا ننفك عن غزة، ولا عن فلسطين، ومهما كانت التضحيات والأثمان والتهديدات، نحن مستمرون في هذه المعركة حتى ينقطع هذا العدوان". لم تكن هذه العبارة فقط خطابًا حماسيًّا، بل كانت تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن كلفة الاستسلام أكبر بكثير من كلفة المقاومة، وأن الدم الذي يسيل في بيروت والجنوب هو امتداد للدم الذي يسيل في أزقة غزة.
من القائد إلى المسؤولية: إرث لا يُختزل في الذكرى
استشهاد السيد حسن نصر الله لم يكن نقطة نهاية في سطر مسيرة، بل كان علامة ترقيم كبرى في نصٍّ مفتوح لا يُغلق. من يقرأ الشهادة بوصفها خاتمة، لم يفهم السيد نصر الله بعد. الرجل لم يبنِ مشروعًا يحتمي بشخصه، بل بنى مؤسسة تحمل الفكرة حين يرحل الأفراد، وهيكليات قادرة على الاستمرار حين تتغير القيادات. لقد أدرك باكرًا أن المقاومة التي تتوقف باستشهاد قائدها هي مقاومة هشة، أما المقاومة التي تتجدد باستشهاد قادتها فهي مشروع تاريخي لا يُهزم. ولهذا، حين ارتقى على طريق القدس، لم يسقط مشروعه، بل اكتمل نموذجه: تحويل فلسطين من شعار تُرفعه الحناجر إلى مشروع عملي يُحمله الدم والسلاح والفكرة والوعي.
لكن الإرث الذي تركه السيد نصر الله لا يواجه اختبار الذكرى، بل اختبار المسؤولية. فالتحديات لم تتوقف عند حدود الاغتيال، بل تمتد إلى محاولات التطبيع العربي-"الإسرائيلي" التي تسعى لتصفية القضية عبر التطبيع لا عبر الحرب، وإلى الضغوط الاقتصادية الخانقة على محور المقاومة، وإلى محاولات متجددة لتهميش فلسطين وتحويلها إلى ملف إنساني معزول عن جذوره السياسية. في مواجهة هذا الواقع، تنتقل الأمانة من شخص القائد الشهيد إلى المقاومة كمشروع جماعي، ومن لحظة الرثاء إلى مسؤولية الفعل. لم يعد المطلوب استحضار خطابات السيد نصر الله في المناسبات فحسب، بل مواصلة الطريق الذي أسس له: الحفاظ على الثوابت، وتطوير الأدوات، وقراءة المرحلة الجديدة بعقل مفتوح لا يفرّط في البوصلة.
ففي الذكرى الثانية لاستشهاد السيد نصر الله، يتضح أن الرجل الذي رفض أن تُترك غزة وحدها لم يرحل فعليًا، بل ترك خلفه مشروعًا ومنهجًا وطريقًا. القادة يرحلون، لكن القضايا التي آمنوا بها لا ترحل باستشهادهم. فلسطين التي حملها السيد نصر الله في قلب مشروعه ليست فقط عنوانًا في إرثه، بل البوصلة التي تهتدي بها المقاومة، والمسؤولية التي تحملها الأجيال من بعده، والعهد الذي لا يسقط باستشهاد قائده. من قضية مركزية إلى منظومة إسناد، ومن قائد شهيد إلى مسؤولية جماعية، يبقى إرث السيد نصر الله الفلسطيني حيًا ما دامت فلسطين حية في الوعي والضمير والوجدان. ففي النهاية؛ إن قرار الإسناد لم يكن تكتيكًا فقط، بل عقيدة وعي استراتيجي. غزة لم تكن ملفًا إنسانيًا، بل خط الدفاع الأول عن الأمة. فمن الجنوب، قدّم السيد نصر الله الدم دليلًا، والثبات برهانًا. وهكذا، لم تُترك غزة وحدها، ولم تُغلق القدس طريقها. وما دامت الأمة تنجب من يحمل الأمانة، سيبقى الإسناد قائمًا حتى النصر.