مقالات مختارة
معراب تهرب من فشل وزيرها إلى الاعتكاف... لا الاستقالة!
فضّلت معراب الهروب من عجز وزير الطاقة عن تحقيق أي إنجاز برمي المسؤولية على الحكومة والاعتكاف بدلًا من الاستقالة، لأنها ستخسِّرها في السياسة
رلى إبراهيم - صحيفة الأخبار
أمس، استدعى وزير الطاقة والمياه جو صدي وسائل الإعلام ليشكو الحكومة التي يشارك حزبه فيها بأربعة وزراء، على الهواء مباشرةً، قبل أن يعلن اعتكافه عن حضور جلساتها. هكذا، لم يستقِل صدي، وإنّما تنصّل من مسؤولياته، من دون تخليه عن مقعده الوزاري. وما لم يتمكن من إنجازه وهو مطلق الصلاحيات، لن يتمكن من تحقيقه الآن حتماً وهو مكبل اليدين، نظراً إلى أن رئاسة الحكومة لن تُدرِج أي قرارات خاصة بوزارته على جدول الأعمال، في ظلّ غيابه عن الجلسات الحكومية.
ويبدو أن خطوة صدّي سببها توتر معراب من فشل وزرائها الأربعة في تسجيل أي إنجاز يذكر. وهي تعكس، في الوقت نفسه، تناقضاً في مواقف رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع. فهو يصرُّ من جهة على تذكير رئيسي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام بضرورة احترام صلاحيات وزرائه، ويُمعن من جهة أخرى عبر خطوة صدّي هذه في ضرب وحدة الحكومة التي يشارك فيها، مع تجاوزه للنصوص الدستورية، التي لا تُتيح للوزير الاعتكاف أو الامتناع عن المشاركة في الجلسات الحكومية احتجاجاً على عدم الأخذ باقتراحاته، مع احتفاظه بموقعه وصلاحياته. وإنما يتيح له فقط الاستقالة، الأمر الذي تعمّد جعجع تسريبه قبل أسبوع. فتبين له أن استقالة صدي ستخسِّرُه سياسياً، خصوصاً عند الجمهور المسيحي. أما التعديل الوزاري، فغير وارد في قاموس رئيسي الجمهورية والحكومة. وعليه، وجدَ جعجع في اعتكاف صدّي مخرجاً لأزمته، رامياً الكرة في ملعب سلام بالدرجة الأولى.
ماذا سيحصل الآن؟
في حال احتكام الحكومة إلى الدستور، فيتوجب عليها، وفقاً لمصادر قانونية، أن تعتبر أن صدّي قد أخلَّ بواجباته الدستورية، بحسب المادة 70. وبالتالي، يفترض أن تنتقل صلاحياته إلى الوزير الوكيل، أي وزيرة البيئة تمارا الزين.
يذكر أن النائب أشرف ريفي، حليف فريق صدي، سبق وتبنّى هذه البدعة عندما كان وزيراً للعدل. يومها، قرر الاعتكاف، فحلَّت مكانه الوزيرة أليس شبطيني. وعندما أدرك أن الكرة الأرضية تكمل الدوران من دونه، عاد عن قراره. ومن المرجح أن يقوم صدي بالأمر نفسه.
يفترض أن تنتقل صلاحيات وزير الطاقة إلى وزيرة البيئة تمارا الزين بصفتها الوزير الوكيل
في الشق الإداري والتقني، حاول وزير الطاقة تحويل الأنظار عن إخفاقه في زيادة ساعات التغذية باتهام الحكومة بعرقلة «ورشته الإصلاحية»، وهي ورشة لم تُنتج، بعد عام وتسعة أشهر، إنجازاً واحداً يمكن البناء عليه.
وبعد وعود «القوات اللبنانية» بتأمين كهرباء 24/24، وأن الصدّي قادر بخبرته على ابتكار حلول في ظروف استثنائية، انتهى كل ذلك إلى حصر المشكلة في عدم تسديد إدارات الدولة مستحقاتها لمؤسسة كهرباء لبنان، وهي مشكلة مزمنة يفترض أن الوزير وحزبه يعرفان بوجودها عندما أطلقا وعودهما. وبذلك، ورّط الصدي نفسه. فحتى لو دفعت الإدارات والمؤسسات العامة 300 مليون دولار غداً، لن ترتفع القدرة الإنتاجية لمؤسسة كهرباء لبنان تلقائياً، بل سيكون أقصى ما يتيحه المبلغ، في الظروف الحالية، تأمين شحنة فيول إضافية، علماً أن القسم الأكبر من هذه المتأخرات يعود أصلاً إلى مؤسسات المياه التابعة لوزارة الطاقة.
وهنا يتضح أن الـ300 مليون دولار من حلّ لأزمة الكهرباء مجرد ذريعة تُقدّم إلى اللبنانيين، فيما يمتنع الوزير مثلاً عن تفسير عدم قدرته على تقليص الهدر الذي قدّره بنحو 30 في المئة، ولماذا تراجعت الجباية في عهده؟ وماذا عن منشآت النفط التي كان يفترض تشغيلها وتحويلها إلى مصدر إيرادات؟ وربما كان الأجدى أن يجيب الوزير عن سبب عدم إدارته وزارته بنفسه، بدلاً من تسليمها لمستشاري معراب الذين باتوا هم الوزراء الفعليين.
في الخلاصة، جلّ ما فعله وزير الطاقة أمس كان تعداد ما لم ينجزه، بل ما يأمل إنجازه: استجرار الكهرباء من سوريا وعبرها، تأمين الغاز من الأردن، الربط البحري مع قبرص، مشاريع الطاقة الهوائية، تأهيل خط دير عمار، والتواصل مع مستثمرين في قطاع الطاقة. أما الإنجاز الملموس الوحيد الذي عرضه، فكان إصلاح أنبوب يمتد من دير عمار إلى الدبوسية في سوريا، وهو مشروع تمّ بجهود قطرية.
هكذا، عقد الوزير الكسول أمس مؤتمراً للنق. وبدلاً من أن يقدّم كشفاً بما أنجزه خلال عام وتسعة أشهر، قدّم لائحة بما يقول إنه مُنع من إنجازه، وانتهى إلى تحميل مجلس الوزراء مسؤولية التعثر. ويبقى السؤال الأبسط: إذا كان الصدّي يرى أن الحكومة لا تقوم بواجباتها، فلماذا يبقى فيها؟ أليس هذا هو الشعار نفسه الذي طالما رفعه «القواتيون» في وجه خصومهم؟