مقالات
كاتب من لبنان
كلما بادرت المملكة السعودية إلى وضع إستراتيجية للخروج من المستنقع اليمني، كان ذلك أفضل لها ولليمن على السواء. فاستمرار الانخراط في حرب طويلة، دون تحقيق أهدافها العسكرية أو بلورة أفق واضح للتسوية السياسية، ينطوي على مخاطر متزايدة، قد تتجاوز حدود اليمن لتنعكس على الأمن الداخلي السعودي، بحكم الجوار الجغرافي والتداخل السكاني والقبلي بين البلدين.
لقد مضى أكثر من 11 عاماً على التدخل العسكري السعودي في اليمن، وما رافقه من حشد للتحالفات الإقليمية والدولية، دون أن تفضي هذه الجهود إلى تحقيق الأهداف المعلنة. بل إن النتائج تبدو معاكسة إلى حد بعيد، مع تعمّق المأزق السياسي والعسكري، واستنزاف المزيد من الموارد المالية في الإنفاق العسكري على حساب التنمية، فضلاً عن التداعيات الإنسانية والسياسية والأمنية الكارثية لهذه الحرب، لا سيما في ضوء استمرار الحصار البحري والجوي السعودي والأمريكي على أجزاء واسعة من اليمن وما يُرتّبه من أعباء معيشية وصحية وانهيار العملة.
ولم يعد نظام الوصاية على اليمن الذي تكرَّس بعد انتقال السلطة من الرئيس علي عبد الله صالح إلى نائبه عبد ربه منصور هادي، صالحاً لتبرير استمرار التدخل السعودي، خاصةً أن المؤسسات التي أُنشئت تحت عنوان "الشرعية" لم تتمكن من تقديم نموذج حكم مستقر وفاعل في المناطق الخاضعة لسلطتها، حيث تتزايد الإشكالات والاشتباكات ويستمر الصراع على السلطة بين حكومة رشاد العليمي المدعوم من السعودي والمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي.
والمفارقة أن بعض الإعلاميين السعوديين الذين يُفترض أن يدافعوا عن سياسات بلادهم في اليمن، باتوا يعبّرون عن خيبة أمل واضحة إزاء مآلات التدخل، ويلقون بمسؤولية الإخفاق على ضعف أداء الهيئات الحاكمة في عدن والمحافظات الأخرى. غير أن اختزال المشكلة في إخفاق هذه الهيئات يتجاهل حقيقة أكثر جوهرية تتمثل في الدور السعودي المباشر في إدارة مفاصل المشهد اليمني والتأثير في قراراته، إلى درجة يبدو معها اليمن أحياناً كأنه محافظة سعودية، لا دولة مستقلة ذات سيادة. فالعلاقة بين مسؤولي السلطة اليمنية المدعومة من الرياض وسفير السعودية في اليمن محمد بن سعيد آل جابر الذي يشغل هذا المنصب منذ عام 2014 تتجاوز مفهوم العلاقة بين مسؤولي دولة وسفير دولة أخرى، ليكون الأخير أشبه بمندوب سامٍ تمثل كلمته القول الفصل في إدارة شؤون الدولة المنتدَب عليها، خاصة أن بيده مفتاح المال، حيث يشغل أيضاً منصب المشرف العام على "البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن" منذ 2018.
ولو أجرينا مقارنة بين حجم الموارد التي أُنفقتها السعودية على هذه الحرب(*)، وما استلزمته من تجنيد وتسليح وحشد للتحالفات، وبين النتائج المأساوية السياسية والعسكرية التي آلت إليها، لأمكن إدراك عمق المأزق الذي تواجهه الرياض، وحجم الحاجة إلى مراجعة جريئة تتيح الخروج من المسار الحالي، بدلاً من الاستمرار في سياسة أسهمت في إطالة أمد الحرب وتعظيم تكاليفها وأخطارها. ذلك أن الانخراط في أزمة مفتوحة، دون امتلاك تصور واقعي لإنهائها، يحوّلها بمرور الوقت إلى عبء تتزايد كلفته البشرية والاقتصادية والسياسية والأمنية، فيما تتضاءل فرص الخروج منه بشروط ملائمة.
ولعل العودة إلى التاريخ الحديث لليمن تكشف عن مفارقات تستحق التأمل، وتقدم دروساً لا يبدو أن الرياض استفادت منها بما يكفي.
ففي عام 1962، تدخلت مصر عسكرياً في اليمن دعماً لثورة 26 سبتمبر التي قام بها الجيش بقيادة المشير عبد الله السلال ضد النظام الملكي ممثلاً بالإمام محمد البدر حميد الدين الذي حظي بدعم السعودية وبريطانيا. وقد انخرطت القاهرة في حرب استنزاف طويلة، حشدت خلالها عشرات الآلاف من جنودها، وتكبدت خسائر بشرية ومادية كبيرة، قبل أن تنسحب من اليمن في أعقاب هزيمة حزيران/ يونيو 1967. ويرى بعض المؤرخين أن تدخل مصر في الحرب اليمنية كان أحد العوامل التي استنزفت قدرات الجيش المصري، وأثّرت في مستوى استعداده للمواجهة مع إسرائيل عام 1967. وعلى الرغم من تأخر قرار الانسحاب من اليمن، فإنه أتاح لمصر الخروج من حرب مكلفة، كما فتح المجال أمام اليمنيين لحسم صراعهم الداخلي.
لكن المفارقة أن السعودية لم تتمكن بدورها من تحقيق الانتصار الذي سعت إليه عبر دعم القوى الملكية. فقد انتهى الصراع إلى تثبيت النظام الجمهوري في شمال اليمن عام 1970، واضطرت الرياض في نهاية المطاف إلى الاعتراف بالجمهورية التي كانت قد سعت إلى إسقاطها. وتجدر الإشارة إلى أن السعودية اعتمدت آنذاك سياسة حشد الحلفاء والاستعانة بقوى خارجية ومقاتلين أجانب لمواجهة التدخل المصري ودعم الملكيين، في تجربة تستحضر، من حيث منطق بناء التحالفات وتوسيع دائرة التدخل الخارجي، بعض ملامح سياستها في الحرب اليمنية الراهنة.
وفي أعقاب تلك التجربة، أعلن الملك فيصل بن عبد العزيز أن المملكة لن تتدخل مجدداً في الشؤون اليمنية. غير أن هذا الإعلان لم يمنع الرياض من مواصلة ممارسة نفوذ واسع داخل اليمن، وإن بأدوات مختلفة عن التدخل العسكري المباشر. فقد عملت المملكة طوال عقود على دعم المدارس الدينية الوهابية وبناء شبكات واسعة من العلاقات مع شخصيات قبلية وسياسية وحزبية ودينية يمنية، مستفيدة من المساعدات المالية والعطايا التي كانت تقدمها لضمان استمرار نفوذها.
لكن هذا النفوذ بدأ يواجه تحديات متزايدة مع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها اليمن، ولا سيما مع صعود الحركة التي ارتبطت بالسيد حسين بدر الدين الحوثي؛ النائب السابق في مجلس النواب اليمني وأحد أبرز رموز حركة "الشباب المؤمن". فقد دخل السيد الحوثي في مواجهة مع نظام الرئيس علي عبد الله صالح على خلفية اعتراضه على سياسات النظام وتبعيته للولايات المتحدة والسعودية، وتعرَّض للملاحقة قبل أن يتحصن في محافظة صعدة، حيث قُتل في عملية عسكرية نفذها الجيش اليمني عام 2004. غير أن تصفيته لم تؤدِّ إلى القضاء على الحركة، بل شكّلت نقطة تحول في مسارها، إذ توسعت المواجهات بينها وبين السلطة، وتطورت تدريجياً إلى قوة شعبية مقاتلة عُرفت لاحقاً باسم "أنصار الله". وعلى الرغم من الحروب الست التي خاضها الجيش اليمني ضد "الأنصار" بين عامي 2004 و2010، ومشاركة القوات السعودية في الحرب السادسة، لم تنجح العمليات العسكرية في القضاء عليهم. بل إنهم خرجوا من هذه المواجهات أكثر خبرة وتنظيماً وقدرة على القتال، واستطاعوا لاحقاً توسيع حضورهم في عدد من المحافظات الشمالية، مستفيدين من التحولات التي أطلقتها الانتفاضة الشعبية ضد نظام صالح عام 2011، وصولاً إلى دخول صنعاء والسيطرة عليها في أيلول/ سبتمبر 2014.
وهكذا، فإن الحركة التي استُخدمت القوة العسكرية للقضاء عليها، تحولت بمرور الزمن إلى طرف رئيس في المعادلة اليمنية لا يمكن تجاوزه، بل وإلى قوة إقليمية أسهمت في إسناد غزة بعد "طوفان الأقصى" واشتبكت بجدارة مع الأسطول البحري الأمريكي في البحر الأحمر عام 2025.
هذه التجربة التاريخية، بما تنطوي عليه من إخفاقات ومفارقات، تطرح سؤالاً جوهرياً: إلى متى يمكن للسعودية الاستمرار في إدارة الأزمة اليمنية بالأدوات نفسها، وانتظار نتائج مختلفة؟
إن دروس التدخل المصري في ستينيات القرن الماضي، والحروب التي خاضها نظام صالح ضد "أنصار الله"، ثم التدخل السعودي المباشر منذ عام 2015، تشير جميعها إلى محدودية قدرة القوة العسكرية، مهما بلغ حجمها، على حسم الصراع في اليمن، دون معالجة جذوره السياسية والاجتماعية.
ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه هو أن النفوذ السعودي في اليمن لا يُصان عبر التدخل العسكري، وأن استمرار الحرب قد يتحول في نهاية المطاف إلى مصدر تهديد لمصالح الدولة المتدخلة نفسها.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة سعودية شاملة للسياسة المتبعة تجاه اليمن، تنطلق من الاعتراف بحدود القوة العسكرية، واحترام السيادة اليمنية، والبحث عن تسوية سياسية تقوم على مشاركة القوى الفعلية في البلاد، بدلاً من الاستمرار في استنزاف اليمن والسعودية والمنطقة في صراع مفتوح. فالتاريخ يقدم من الدروس ما يكفي لتجنب تكرار الأخطاء، والمطلوب اليوم هو الاتعاظ بهذه التجارب، لا جرّ دول أخرى في المنطقة إلى الصراع تحت شعارات (مثل "دعم الشرعية") لا تعبّر بالضرورة عن جوهر الحرب، بقدر ما تُستخدم لتبرير استمرار الوصاية السياسية على اليمن وتسهم في إدامة أزمة باتت كلفتها الإنسانية والأمنية والسياسية تفوق بكثير أي مكاسب محتملة منها.
(*) لا توجد أرقام دقيقة لكلفة الحرب السعودية في اليمن، لكنها ضخمة بالتأكيد، ويكفي إيراد ما نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية من تقديرات تشير إلى أنها بلغت نحو 725 مليار دولار حتى نهاية عام 2019. وذهبت مجلة "التايمز" البريطانية إلى تقديرها بنحو 200 مليون دولار يومياً.