خاص العهد
عام 2018، وخلال مفاوضات تشكيل الحكومة، قال رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع لرئيس الحكومة المكلف تشكيل الحكومة آنذاك سعد الحريري: "أعطونا "الطاقة" وخذوا الكهرباء 24/24 في كل لبنان خلال 6 أشهر". بعد سبع سنوات، تحقّق حلم جعجع وتسلم وزيره الطاقة عام 2025. لكن وبعد أكثر من عام ونصف على هذا التولي، لم يرَ اللبنانيون لا كهرباء دائمة ولا من يفي بالوعود. رأوا وزيرًا يحرد فيعتكف ويتخلى عن مسؤوليته بعدما فشل في إدارة الوزارة ووصلت التغذية الكهربائية في عهده إلى الحضيض، فيما تكشف الوقائع المتراكمة حجم الأزمة التي أصابت الوزارة وقطاع الطاقة على حد سواء.
وفي هذا السياق، يرى المهندس فوزي مشلب ــ والمعروف بفضح ملفات الفساد والهدر في قطاع الطاقةــ في حديث لموقع "العهد" الإخباري، أن وزارة الطاقة وصلت إلى الإفلاس، وأن الوزير جو صدي يتحمل مسؤولية أساسية عن هذا المسار، معتبرًا أن "أداء" وزراء القوات اللبنانية كان يفترض أن يتيح لهم معرفة ما يجري في ملف استيراد النفط، لافتًا إلى أن نفطًا روسيًا كان يدخل إلى لبنان مع تزوير في بلد المنشأ، عبر نقله من روسيا مرورًا بتركيا ومصر أو قبرص أو اليونان، قبل أن يجري تحميله في عرض البحر من بواخر تابعة لشركات موضوعة على العقوبات، ومن ثم نقله إلى معامل كهرباء لبنان وتفريغه فيها.
ويؤكد مشلب أنه كان أول من اكتشف هذه القضية، ويربط بين طريقة إدارة هذا الملف وبين القرار بإطفاء المعامل التي تعمل على الفيول أويل، والتوجه بدلًا منها نحو الغاز أويل، رغم الفارق الكبير في الكلفة.
فبحسب المعطيات التي يعرضها مشلب، لم ترتفع كلفة الفيول أويل، إذ بقي سعر الطن دون 600 دولار، في حين ارتفعت كلفة الغاز أويل إلى نحو 800 دولار للطن. ومع ذلك، جرى الاعتماد على الخيار الأعلى كلفة، وصولًا إلى الوضع المالي الذي وصلت إليه الوزارة.
ويشير مشلب إلى أن "القوات اللبنانية"، عند تسلمها وزارة الطاقة عبر الوزير جو صدي، كانت أمام وضع مالي أفضل بكثير مما آلت إليه الأمور لاحقًا، إذ كان هناك فائض في الفواتير للسنة التالية، ونحو 150 مليون دولار في صندوق الوزارة، إضافة إلى تسع بواخر من النفط الخام العراقي جرى تأمينها من دون دفع ثمنها. ورغم ذلك، يقول إن الوزارة انتهت إلى الإفلاس، فيما تراجعت التغذية الكهربائية إلى ما بين ساعة وساعة ونصف.
ملف النفط الروسي والكفالات المحجوزة
وفي سياق متصل بملف استيراد المحروقات، يشير مشلب إلى أن القضاء حجز نحو 40 مليون دولار من الكفالات العائدة إلى شركات مستوردة، إضافة إلى حجز باخرة حاولت الهروب ومغادرة المنطقة قبل ضبطها مقابل الضبيه.
ويشرح أن اعتماد شهادات منشأ مصرية أو تركية للنفط الروسي كان يسمح بتحقيق أرباح إضافية تتراوح بين خمسة وستة وسبعة ملايين دولار في كل باخرة، مستفيدًا من كون النفط الروسي الخاضع للعقوبات يُباع بأسعار أقل بكثير من الأسعار العالمية، ولا سيما عندما يجري تحميله من بواخر خاضعة للعقوبات في عرض البحر.
ويقول مشلب إنه أبلغ الوزير جو صدي بهذه القضية على أمل أن يتحرك لمعالجتها، لكنه يعتبر أن الوزير لم يتخذ الإجراءات التي كان يفترض اتخاذها. ويضيف أن التطورات اللاحقة، ومنها حجز الكفالات، أعادت طرح الملف على مستوى القضاء.
وفي هذا السياق، يتحدث مشلب عن عدد من الشركات التي يقول إن وراءها مساهمين أو مسؤولين لبنانيين، ومنها شركة (ب.) التي يصفها بأنها صاحبة الحصة الأكبر، وشركة (س. إ.)، إضافة إلى شركة (إ. إ.) التي يمثلها في لبنان (خ. خ.).
كما يتحدث عن ادعاء المدعي العام المالي على شركة (إ. إ.)، وعن ثلاث بواخر من الفيول أويل يقول إن استيرادها تضمن دفع مبالغ تزيد بنحو ستة ملايين دولار لكل باخرة عما هو مسموح به، لافتًا إلى أنّ البواخر كانت تأتي مباشرة من روسيا.
تعطيل معامل الذوق والجية
ولا يقتصر انتقاد مشلب على ملف المحروقات، بل يمتد إلى إدارة معامل إنتاج الكهرباء، ولا سيما معملي الذوق والجية، اللذين بقيا متوقفين لنحو عشرة أشهر.
ويرى أن تعطيل المعملين حرم المواطنين من نحو 220 ميغاوات صافيًا من القدرة الإنتاجية، ودفعهم إلى الاعتماد بصورة أكبر على المولدات، بما يرتب خسارة إضافية على المواطنين تصل إلى نحو 67 مليون دولار شهريًا.
ويشير إلى أن معملي الذوق والجية من أحدث المعامل في لبنان، ومن بين الأرخص من حيث كلفة إنتاج الكهرباء، لافتًا إلى أن تسليمهما جرى في عام 2018 أو قبل ذلك بقليل.
وبحسب مشلب، ارتبط توقف المعملين بانتهاء عقد التشغيل والصيانة، إذ لم يُجدّد العقد، ثم جرى طرح مناقصات لم يتقدم إليها أحد. ويعتبر أن الحل كان يجب أن يكون ضمان استمرارية المرفق العام بدل تعطيل المعامل، سواء من خلال تمديد العقد القائم أو من خلال إجراء مناقصة تضمن استمرار التشغيل.
ويشير كذلك إلى تسريبات حول إمكان إبرام عقد بالتراضي مع شركة أخرى لتشغيل معملي دير عمار والزهراني، معتبرًا أن معالجة هذا الملف يجب أن تقوم على استمرارية المرفق العام أو على مناقصة شفافة وواضحة.
الجباية وساعات التغذية
وفي ملف الجباية، يعتبر مشلب أن أزمة الكهرباء لا ترتبط بالإنتاج وحده، بل أيضًا بقدرة الدولة على تحصيل قيمة الطاقة التي تنتجها. ويرى أن أي زيادة في الإنتاج ستبقى بلا جدوى إذا لم تقترن بجباية فعلية من جميع المستهلكين.
ويذكّر بأن "القوات اللبنانية" كانت قد وعدت عند تسلم وزارة الطاقة بأن تصل التغذية إلى 20 أو 24 ساعة خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، معتبرًا أن هذه الوعود لم تتحقق وأنهم "لا بدهم ولا فيهم".
وبالنسبة إليه، فإن الكهرباء التي لا تُجبى قيمتها تتحول إلى مصدر إضافي للخسائر بدل أن تكون عنصرًا في معالجة الأزمة.
كما ينتقد نظام التعرفة الذي كان يركز على الشريحة الأولى، حيث يدفع المستهلك عشرة سنتات عن أول 100 كيلووات، ثم ترتفع التعرفة إلى 27 سنتًا، معتبرًا أن هذا النظام ساهم في تراكم الخسائر بدل معالجتها.
ويشير إلى أن نحو 700 مليون دولار كانت، بحسب حسابات كهرباء لبنان، موزعة بين الجبايات والأموال والمستحقات، قبل أن تضيع هذه الأموال، في وقت تطالب فيه الوزارة الدولة بدفع نحو 50 مليون دولار شهريًا لـ"تحسين" قطاع الكهرباء.
ويرى مشلب أن الدولة مطالبة بالفعل بتسديد مستحقات قطاع الكهرباء، لكن هذا الدفع يجب أن يكون مرتبطًا بتحسين الإنتاج وزيادة ساعات التغذية. ويعتبر أن المطلوب ليس تمويل قطاع يؤمن نصف ساعة من الكهرباء، بل توجيه الأموال نحو إنتاج فعلي يسمح برفع ساعات التغذية إلى مستويات ملموسة.
الجباية والتعديات
ويطرح مشلب علامات استفهام حول غياب حملة جدية لتحسين الجباية وإزالة التعديات، سائلًا عن دور وزارة الطاقة ومدير عام مؤسسة كهرباء لبنان والهيئة الناظمة في هذا الملف.
ويرى أن الدولة تملك وسائل متعددة لتحسين الجباية، بما فيها الاستعانة بالقوى الأمنية عند الحاجة، معتبرًا أن المشكلة لا يمكن أن تبقى تحت عنوان عدم القدرة على التحصيل.
كما ينتقد مشلب أداء "القوات اللبنانية" في الوزارات التي تتولاها، معتبرًا أن التجربة أظهرت، من وجهة نظره، عدم وجود إرادة أو قدرة كافية لإحداث تغيير فعلي في إدارة الملفات.
هل يرتبط استمرار الأزمة بمصالح أخرى؟
وفيما يتعلق بما إذا كان عدم تطوير قطاع الطاقة والكهرباء قد يخدم مصالح مرتبطة بقطاع المولدات، يوضح مشلب أن الحديث عن وجود مافيات للمولدات يبقى في إطار الاستنتاج، لكنه يطرح في المقابل مجموعة من التساؤلات حول طريقة إدارة القطاع والأهداف الكامنة وراء بعض الخيارات.
ويشير إلى وجود مستشارين مرتبطين بملف الكهرباء يعملون كوزير ظل، ويتحدث عن أفكار لإنشاء عدد من المعامل الكبيرة وتوزيعها على المناطق، على غرار تجربة زحلة، معتبرًا أن هذا النموذج قد يؤمن تمويلًا مستمرًا للجهات المسيطرة على بعض المناطق.
وفي المقابل، يؤيد مشلب تجربة زحلة من ناحية خصخصة التوزيع، وليس الإنتاج. ويقترح نموذجًا تتولى فيه البلديات أو تجمعات المناطق عملية الجباية والتوزيع من خلال شركات منظمة، بينما تتولى الدولة أو شركات الإنتاج بيع الكهرباء لهذه الجهات، مع اعتماد أنظمة الدفع المسبق والخدمات الإلكترونية والرقابة الفعلية.
ويرى أن هذا النموذج يمكن أن يساهم في الحد من السرقة وتحسين الجباية، لكنه يرفض تعميم نموذج المعامل الصغيرة على الإنتاج، معتبرًا أن إنتاج الكهرباء يجب أن يقوم على معامل كبيرة تعمل على الغاز أو الطاقة الشمسية، ضمن شبكة موحدة وقادرة على تأمين الكميات المطلوبة بكلفة أقل.
ويشير في هذا السياق إلى تجربة كهرباء زحلة، داعيًا إلى مقارنة كلفة الكيلووات فيها مع كلفة الإنتاج في الدول الأخرى. ويرى أن كلفة الكهرباء في زحلة لا تشكل الحل النهائي، كونها تعتمد على مولدات كبيرة، بينما المطلوب الوصول إلى كلفة إنتاج تتراوح بين 20 و25 سنتًا للكيلووات.
وبين ملف النفط، وتعطيل المعامل، وتراجع الجباية، وتراكم الخسائر، تبقى أزمة الكهرباء في لبنان مرتبطة بسلسلة قرارات وخيارات متراكمة، فيما يطرح واقع القطاع اليوم سؤالًا أساسيًا حول قدرة وزارة الطاقة على وقف النزيف المالي والإنتاجي، وإعادة بناء قطاع قادر على تأمين الكهرباء بكلفة مقبولة وبإدارة أكثر شفافية وفاعلية.