خاص العهد
ليست التربية في فكر الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي مجرّد عملية تعليمية تنحصر في المدارس والجامعات، بل مشروع متكامل لبناء الإنسان وصياغة وعي المجتمع وتكوين إرادته، وصولًا إلى الإسهام في صناعة الحضارة الإسلامية.
من هذا المنطلق، استضافت جامعة المعارف في بيروت، الخميس 22 تشرين الأول/اكتوبر 2026، ندوة علمية بعنوان "المنظومة التربوية للإمام الخامنئي الشهيد: بين الفرد والمجتمع"، تناولت مرتكزات رؤيته في التربية والتعليم، والانتقال من إعداد الفرد المتكامل علميًا وإيمانيًا وأخلاقيًا إلى بناء مجتمع يمتلك هوية ووعيًا وإرادة جماعية، وذلك في إطار التحضير للمؤتمر الدولي الأول "مدرسة الإمام المجاهد الشهيد"، وبمشاركة باحثين وأكاديميين عرضوا أبعاد هذه المنظومة وسبل ترجمتها إلى ممارسات تربوية واجتماعية.
ونظّم الندوة مركز الثورة الإسلامية للدراسات، التابع لمكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي، بالتعاون مع مركز الأبحاث والدراسات التربوية، بمشاركة الدكتور يوسف أبو خليل، الذي قدّم مداخلة بعنوان المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي في التربية والتعليم، والسيد كميل باقر، مدير مكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي والمستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت، الذي تناول فن تربية المجتمع في قيادة الإمام الخامنئي. وأدار اللقاء الدكتور علي كريّم، فيما افتُتح بتلاوة قرآنية قدّمها القارئ الدولي عباس شري.
في افتتاح الندوة، وضع الدكتور علي كريّم موضوع التربية ضمن سياقه الفكري والإنساني، انطلاقًا من كرامة الإنسان ومسؤوليته ودوره في بناء المجتمع. وأشار إلى أن المقاربة التربوية لا يمكن أن تقتصر على نقل المعارف أو اكتساب المهارات، بل ينبغي أن تتناول تكوين الإنسان في مختلف أبعاده، وأن تربط بين بناء الشخصية الفردية وتطوير الحياة الاجتماعية.
أبو خليل: التربية في صلب المشروع الفكري للإمام الخامنئي
في مداخلته، تناول الدكتور يوسف أبو خليل موقع التربية في فكر الإمام الخامنئي، مؤكدًا أن فهم منظومته التربوية يقتضي تجاوز النظرة التقليدية التي تحصر التعليم في المؤسسات المدرسية والجامعية، والنظر إليه بوصفه مسارًا شاملًا يتصل بمختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجهادية.
وأوضح أن التربية تحتل موقعًا مركزيًا في تحديد مستقبل المجتمع، لأنها تسهم في تشكيل الإنسان الذي يتولى إدارة شؤونه وتطوير مؤسساته ومواجهة تحدياته. ومن هنا، فإن الحديث عن التعليم لا ينفصل عن السؤال حول طبيعة الإنسان المراد بناؤه، والصفات التي ينبغي أن يمتلكها، والدور الذي يُنتظر منه في مجتمعه.
وتوقف أبو خليل عند مفهوم «الحياة الطيبة»، الذي يرتبط بأداء الواجب وتحقيق التكامل الروحي، معتبرًا أن الغاية من التربية لا تقتصر على النجاح الفردي أو التحصيل العلمي، بل تتصل بإعداد الإنسان القادر على الجمع بين المعرفة والعمل، وبين الالتزام القيمي والمسؤولية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن التربية تشكّل مدخلًا أساسيًا لصناعة المستقبل، وأن تطوير المجتمعات يستلزم تحولًا في النظرة إلى العملية التعليمية ومناهجها وأهدافها. فالمطلوب ليس مجرد تحسين الوسائل التعليمية، بل إعادة النظر في البنية التربوية بما ينسجم مع الأهداف الفكرية والإنسانية والاجتماعية التي تسعى المنظومة إلى تحقيقها.
وحدّد أبو خليل خمسة أبعاد أساسية في بناء الإنسان وفق هذه الرؤية، هي العمل والفعل، والعلم وإنتاج المعرفة، والإيمان، والأخلاق، والعقلانية. وتتداخل هذه الأبعاد في تكوين شخصية متكاملة، لا تكتفي بامتلاك المعلومات، بل تعمل على تحويل المعرفة إلى فعل، وتربط الإيمان بالسلوك، وتجعل الأخلاق والعقلانية أساسًا في اتخاذ المواقف والتعامل مع التحديات.
فالعمل يمثل الجانب التطبيقي الذي تظهر فيه آثار المعرفة والالتزام، فيما يشكّل العلم أساسًا لفهم الواقع وتطويره وإنتاج المعرفة اللازمة لتقدّم المجتمع. أما الإيمان والأخلاق، فيسهمان في توجيه السلوك وتحديد الغايات، في حين تمنح العقلانية الإنسان القدرة على التحليل والتمييز واتخاذ القرارات على أساس الوعي.
ومن هذا المنطلق، لا تقوم التربية على تنمية جانب واحد من شخصية الإنسان على حساب الجوانب الأخرى، بل على تحقيق التوازن والتكامل بينها، بما يتيح إعداد أفراد قادرين على الجمع بين الكفاءة العلمية والالتزام الأخلاقي، وبين التفكير والعمل وتحمل المسؤولية.
وشدّد أبو خليل على أهمية إعداد المعلمين وتأهيلهم، انطلاقًا من دورهم الذي يتجاوز إيصال المعلومات إلى المشاركة في بناء الشخصية وترسيخ القيم وتنمية القدرات الفكرية. كما أكد أهمية الاهتمام بالشباب والنخب الفكرية والثقافية، لما لهم من دور في إنتاج المعرفة وتطوير الوعي والمساهمة في توجيه المجتمع.
وربطت المداخلة بين المنظومة التربوية ومشروع بناء الحضارة الإسلامية، على أساس أن النهوض الحضاري يحتاج إلى الإنسان الذي يمتلك المعرفة والإيمان والأخلاق والقدرة على العمل والإبداع. فالتقدم لا يتحقق بالقدرات المادية وحدها، بل يتطلب أيضًا بناء منظومة قيمية وفكرية تساعد المجتمع على تحديد أهدافه، وتطوير قدراته، ومواصلة مساره في مواجهة التحديات.
باقر: المجتمع كيان يمتلك هوية وإرادة جماعية
من جهته، تناول السيد كميل باقر مفهوم تربية المجتمع في قيادة الإمام الخامنئي، مسلطًا الضوء على الفرق بين تربية الفرد وتربية المجتمع، وعلى ضرورة التعامل مع المجتمع بوصفه كيانًا يمتلك هوية وخصائص وإرادة جماعية، لا مجرد مجموع من الأفراد.
وأكد أن المجتمع الذي يمتلك وعيًا مشتركًا وهوية واضحة وإرادة جماعية يكون أكثر قدرة على الحفاظ على تماسكه ومواصلة مساره، لأن استمرار التجربة لا يرتبط بحضور الأفراد وحدهم، بل بمدى رسوخ القيم والأفكار في الوعي العام وقدرة المجتمع على حملها وتجديدها.
كما تناولت المداخلة المراحل المرتبطة بالمشروع الذي يبدأ بالثورة، وينتقل إلى النظام والدولة والمجتمع الإسلامي، وصولًا إلى الحضارة الإسلامية. ويضع هذا التسلسل التربية ضمن مسار أوسع من التحولات الفكرية والاجتماعية، بحيث لا تكون مجرد نشاط منفصل عن الواقع، بل أحد العوامل التي تسهم في تكوين المجتمع القادر على حمل المشروع الحضاري.
وشدّد باقر على أهمية توسيع البحث الأكاديمي في هذا المجال، والعمل على دراسة مفهوم تربية المجتمع وأبعاده الفكرية والاجتماعية، بما يساعد على تطوير فهم أكثر عمقًا للعلاقة بين القيادة والوعي والهوية والإرادة الجماعية.
وتخلّل الندوة إطلاق كتاب المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي في التربية والتعليم، في خطوة تهدف إلى دعم البحث في فكر الإمام الخامنئي، وإتاحة مادة مرجعية للباحثين والمهتمين بدراسة رؤيته في التربية والتعليم.
وخلصت محاور اللقاء إلى إبراز الترابط بين بناء الفرد وتربية المجتمع؛ فالإنسان المتكامل لا يُبنى بالمعرفة وحدها، بل يحتاج إلى الإيمان والأخلاق والعقلانية والعمل، فيما لا يستطيع المجتمع ترسيخ هويته ومواصلة مساره من دون وعي مشترك وقيم جامعة وإرادة جماعية. ومن هنا، تبرز التربية في هذه المنظومة باعتبارها مسارًا متكاملًا لبناء الإنسان وصياغة الوعي الاجتماعي، وإعداد الأفراد والمجتمعات للمشاركة في صناعة المستقبل والإسهام في بناء الحضارة الإسلامية.
السيد كميل باقر لـ"العهد": الحضارة الإسلامية إنسانية ذات رسالة عالمية
أكد مدير مكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي والمستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت، السيد كميل باقر، أن الحضارة الإسلامية ليست قومية أو إيرانية أو فارسية أو حتى محصورة بالمذهب الشيعي، بل هي حضارة إسلامية إنسانية ذات رسالة عالمية.
وفي تصريح لموقع العهد الإخباري على هامش الندوة العلمية التي استضافتها جامعة المعارف في بيروت بعنوان "المنظومة التربوية للإمام الخامنئي الشهيد: بين الفرد والمجتمع"، أوضح باقر أن طبيعة المشروع الحضاري للثورة الإسلامية تفرض أن يكون خطاب قادتها شاملًا وجامعًا، ويتوجه إلى مختلف المجتمعات الإسلامية، بعيدًا عن أي أفق طائفي أو قومي أو ضيق.
ولفت إلى أن هذا التوجه يظهر في خطاب قادة الثورة الإسلامية، بدءًا من الإمام الخميني، مرورًا بالإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، وصولًا إلى قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى الخامنئي، معتبرًا أن الخطاب الحضاري لا ينحصر ضمن حدود جغرافية أو قومية أو مذهبية، بل يخاطب الإنسان والمجتمعات الإسلامية على اختلاف انتماءاتها.
وأشار باقر إلى أن الإسلام هو دين الإنسان، وأن رسالته تتجاوز الانقسامات الطائفية والقومية والحدود الجغرافية، التي وصفها بالزائفة، مؤكدًا أن عالمية رسالة الإسلام تقتضي أن تكون رسالة الثورة الإسلامية وخطابها عالميين أيضًا.
العميد نضال زهوي: الإمام الخامنئي أعاد تشكيل المجتمع على أسس ثورية وإنسانية
بدوره، رأى العميد المتقاعد نضال زهوي أن المنظومة الفكرية للإمام الشهيد السيد علي الخامنئي قدّمت نموذجًا متقدمًا في تربية المجتمع وإعادة تشكيل شخصيته، متجاوزةً حدود التوصيف النظري للعلاقة بين الفرد والمجتمع إلى صياغة مسار عملي لبناء شخصية جماعية ذات أبعاد ثورية وإنسانية، مستندةً إلى التراث الإسلامي وتجارب أهل البيت (عليهم السلام).
وفي تصريحه لموقع العهد الإخباري، أشار زهوي إلى أن التجربة الإسلامية تتضمن نماذج تاريخية لمعالجة الأزمات الاجتماعية وإحداث التحولات في وعي المجتمعات.
وأوضح أن صلح الإمام الحسن عليه السلام أسهم في مواجهة أزمات تلك المرحلة وما رافقها من تشكيك داخل المجتمع الإسلامي، فيما مثّل استشهاد الإمام الحسين عليه السلام محطةً أساسية في إيقاظ مجتمع كان يعاني التراجع والخوف، بما أطلقه من أثر نهضوي في الوعي والموقف. واعتبر أن هذه الروحية التجديدية تشكّل أحد المرتكزات التي يمكن الاستناد إليها في فهم كيفية تربية المجتمع وإعادة تشكيله.
وأضاف أن تجربة الإمام الخامنئي تجاوزت، بحسب تقديره، حدود التوصيف النظري إلى تقديم مسار يستند إلى التراث الإسلامي وتجارب أهل البيت، ويعمل على بناء المجتمع فكريًا وشخصيًا، مع إكسابه هوية ثورية وأفقًا نهضويًا وقيمًا إنسانية متميزة.
وختم زهوي بالتأكيد على أن الاختلاف الجوهري في هذه الرؤية يتمثل في أن بناء المجتمع لا يتوقف عند تشكيل الأفكار أو ملامح الشخصية، بل يمتد إلى تكوين شخصية جماعية ثورية ونهضوية، تنطلق من مرجعية إسلامية وتستهدف إحداث تغيير في الوعي والسلوك والواقع الاجتماعي.
الدكتور طلال عتريسي: المطلوب قراءة الإمام الخامنئي مفكرًا وصاحب منظومة فكرية شاملة
بدوره، أكد الباحث في الاجتماع السياسي الدكتور طلال عتريسي أهمية الندوات الفكرية التي تتناول إرث الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، معتبرًا أنها تتيح إعادة قراءة تجربته من منظور يتجاوز موقعه قائدًا سياسيًا أو قائدًا للثورة الإسلامية، إلى النظر إليه بوصفه مفكرًا يمتلك إنتاجًا فكريًا في مجالات متعددة، بينها التاريخ والتربية والاقتصاد.
وأوضح عتريسي في تصريحه لموقعنا أن هذه الندوة تندرج ضمن سلسلة لقاءات فكرية، عُقد بعضها سابقًا ويُحضَّر لندوات أخرى في المرحلة المقبلة، في إطار التحضير لمؤتمر دولي يركّز على فكر الإمام الخامنئي وإرثه.
وشدد على ضرورة تناول هذا الإرث ضمن منظومته الفكرية الشاملة، وعدم حصر قراءته في دوره السياسي أو في موقعه على رأس الثورة الإسلامية، لافتًا إلى أن الاهتمام بإنتاجه الفكري في مجالات التاريخ والتربية والاقتصاد يفتح المجال أمام فهم أوسع لتجربته وأفكاره.
واعتبر عتريسي أن من أبرز أهداف هذه الندوات تشجيع الباحثين على العودة إلى مؤلفات الإمام الخامنئي وإرثه الفكري، ودراستهما والاستفادة منهما، بما يسهم في تعميق البحث الأكاديمي حول مختلف جوانب مشروعه الفكري.
وختم بالتأكيد على أهمية مواصلة هذه اللقاءات والأنشطة البحثية، لما تتيحه من فرصة لتوسيع الاهتمام بإنتاج الإمام الخامنئي الفكري، وتعزيز مقاربته بوصفه صاحب رؤية تتناول قضايا متعددة، لا مجرد قائد سياسي أو ديني.
الشيخ محمد باقر كجك: الندوة والكتاب مدخلان لتفعيل مدرسة الإمام الخامنئي التربوية
كذلك، أكد الكاتب والباحث في ميادين المناهج التربوية، الشيخ محمد باقر كجك، أهمية الندوة العلمية التي استضافتها جامعة المعارف في بيروت بعنوان "المنظومة التربوية للإمام الخامنئي الشهيد: بين الفرد والمجتمع"، وإطلاق كتاب "المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي في التربية والتعليم"، باعتبارهما خطوة أساسية في التعريف برؤية الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي التربوية، وفتح المجال أمام دراستها وتحليلها والعمل على تحويلها إلى منهج تطبيقي في تربية الإنسان والمجتمع.
وأشار كجك في تصريحه لـ "العهد" إلى أن خصوصية هذا اللقاء والكتاب تكمن في تركيزهما على رؤية تربوية متميزة، يرى أنها تستحق موقعًا بارزًا ضمن الميادين والفلسفات التربوية المعاصرة، لما تتضمنه من إعادة الاعتبار إلى الإنسان، وإلى طبيعة وجوده ومكانته والغاية من بنائه، في مواجهة ما وصفه بتشويه صورة الإنسان في العالم المعاصر.
ولفت إلى أن أهمية الندوة لا تقتصر على عرض الأفكار التربوية للإمام الخامنئي، بل تتمثل أيضًا في تحفيز الباحثين والمختصين على إعادة قراءة منهجه في تربية الإنسان والمجتمع، والبحث في عناصر النجاح التي أسهمت في بناء الإنسان داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي البيئات التي تأثرت بهذا الفكر الإنساني الإلهي.
وأوضح أن الكتاب يشكّل مادة أساسية في هذا المسار، إذ يتيح التعرف إلى المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي في التربية والتعليم، ويفتح المجال أمام دراسة مرتكزاتها وتحليل رؤيتها للإنسان والمجتمع، بما يساعد على الانتقال من عرض الأفكار النظرية إلى استكشاف سبل تطبيقها في الواقع التربوي.
وشدّد على أن الاستفادة من هذه التجربة تتطلب إعادة قراءة الروحية التربوية التي ميّزت الإمام الخامنئي، والنظر إليه بوصفه قدوة تربوية وإيمانية، بما يتيح فهمًا أعمق للأساليب التي اعتمدها في بناء الإنسان وتكوين المجتمع، والإفادة من التجارب التي حققت نجاحات في هذا المجال.
وختم الشيخ كجك بالتأكيد على أن تكامل دور الندوة في فتح النقاش الأكاديمي مع دور الكتاب في توفير المادة الفكرية اللازمة للدراسة والبحث، يمكن أن يشكّل مدخلًا لتطوير مقاربة تربوية تستلهم مدرسة الإمام الخامنئي، وتعمل على ترجمة رؤيتها إلى ممارسات تسهم في بناء الإنسان والمجتمع على أسس فكرية وإيمانية متكاملة.