اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي بعد أن أصابتها مسيّرة.. غرق سفينة مستأجرة من شركة "اسرائيلية" في البحر الأسود

خاص العهد

خاص العهد

"باقي بأرضي".. ما عجز العدوان عن اقتلاعه تُبقيه الأرض حيًّا

77

ولاء إسماعيل 

للأرض رائحة تختزن ذاكرة المكان، ولخيراتها حكايات تبدأ من الحقول، ولا تنتهي عند موائد البيوت. من الزيتون والزعتر والمونة التي تفوح منها رائحة البيوت، إلى خيرات المواسم والحرف التي صاغتها أنامل الأجداد وصقلتها خبرة السنين، تتوارث الأجيال ملامح تراث يحفظ هوية المكان، ويُبقي حكاياته حيّة.

من بين آثار الحرب وما خلّفته من دمار، تعود هذه التفاصيل لتستعيد مكانها في المشهد.. فكما بقي الزيتون ضاربًا جذوره في التراب، بقيت الأرض تجود بخيراتها، والأيدي تصون ما توارثته من مونة وحرف، لتظلّ صلة أبناء الأرض بها حاضرة في ما يزرعونه وينتجونه، ويحافظون على ما يتوارثونه.

كما حنّت الأرض إلى ثمارها، يستعيد مجمع سيد الشهداء نبضه، نافضًا غبار الحرب عن أروقته، ويفتح اليوم الخميس أبوابه لاحتضان سوق "أرضي" للمونة والمنتوجات الزراعية والحرفية للعام 2026. تحمل عودة السوق دلالات تتجاوز استئناف نشاط اقتصادي، لتعبّر عن مواصلة الحياة والإنتاج في مواجهة تداعيات العدوان والتمسّك بالأرض وخيراتها، وما تختزنه من موروث تصونه الأيدي، وتتانقله الأجيال.

لا تقتصر أهمية سوق "أرضي" على إحياء الموروث الزراعي والحرفي، تمتد أيضًا إلى توفير مساحة لتسويق الإنتاج المحلي، لا سيما في ظلّ التحديات الاقتصادية التي تواجه المنتجين وأصحاب المشاريع الصغيرة. إذ إن إتاحة المجال أمامهم لعرض منتجاتهم والتواصل مباشرة مع المستهلكين تمنحهم فرصة لتعريف أعمالهم وتوسيع دائرة زبائنهم، ما يساعد في استمرارية المشاريع الزراعية والمنزلية والحرفية، والحفاظ على مصادر الدخل المرتبطة بها.

تبرز أهمية هذه المساحة في تجربة إحدى المشاركات التي خسرت بضاعتها كلها، خلال الحرب، لكنها أصرّت على تجديد منتجاتها والعودة إلى السوق. بالنسبة إلى نور عبد الكريم، لا تقتصر المشاركة على تعويض الخسائر واستئناف البيع، بل ترتبط بالتمسّك بالأرض واستثمار خيراتها وحمايتها، وتحمل أيضًا معنى الوفاء للشهداء الذين قدّموا أرواحهم دفاعًا عنها، والتأكيد أن التضحيات لم تذهب سدى.

ترى المشاركة في سوق "أرضي" مساحة تجمع أبناء المناطق والطوائف المختلفة على محبة الأرض، وتتيح لهم استعادة التواصل بعد الظروف التي مرّوا بها. من هذا المنطلق، يصبح تجديد البضاعة والعودة إلى الإنتاج تعبيرًا عن الإصرار على مواصلة الحياة على الرغم من الخسارة، وهو ما تختصره بقولها: "منتجاتي التي خسرتها وإصراري على تجديد البضاعة ومشاركتي في المعرض هي أكبر دليل أنه أنا باقٍ في أرضي".

من تجربة خسارة البضاعة والعودة إلى إنتاجها، تنتقل حكاية الصمود إلى وجه آخر من تداعيات الحرب، يظهر في تجربة أحد المشاركين النازحين من بلدة حولا الجنوبية، والتي لا تزال ترزح تحت الاحتلال، فيما طالت عمليات التجريف أشجارها وأراضيها الزراعية.

لقد أثّر النزوح في قدرة الحاج علي محمد قطيش على إعداد المونة البلدية التي ينتجها، بعدما ابتعد عن مصادر المواد الأولية التي كان يعتمد عليها، والتي كان معظمها يأتي من الحصاد المباشر، لا سيما الزيتون والقمح. لقد كانت هذه المحاصيل تتيح له تأمين المواد اللازمة للإنتاج بكلفة أقل، مع الحفاظ على جودة منتجاته، فيما بات تأمينها ومواصلة الإنتاج بالكميات التي اعتادها أكثر صعوبة في ظلّ ابتعاده عن أرضه ومصادرها الزراعية.

مع هذه الصعوبات، تتيح له المشاركة في سوق "أرضي" عرض منتجاته ومواصلة تسويقها، فيما يشكّل الحفاظ على المونة وطرائق إعدادها امتدادًا لصلة الأرض بأبنائها، بما تختزنه من موارد وخبرات وتقاليد متوارثة.. تلتقي الحكايتان عند الإصرار على ألّا تتحوّل خسائر الحرب أو النزوح إلى نهاية للإنتاج؛ فإعادة إعداد ما فُقد، ومواصلة صناعة المونة بعيدًا عن حقول الزيتون والقمح، تؤكدان أن العلاقة بالأرض لا تختصرها المسافة، بل تصونها الممارسة والعمل، وما تحمله الأيدي من إرثها.

في سوق "أرضي" الموسمي، لا ينفصل الإنتاج عن معركة البقاء، فكل ما يُزرع من جديد، وكل منتج يعود إلى السوق، وكل حرفة تستمر على الرغم من آثار العدوان، يحمل إصرارًا على حماية ما بقي من صلة بالأرض، واستعادة ما  محاه الدمار، لتبقى المقاومة حاضرة في تفاصيل الحياة، كما في التمسك بالأرض والدفاع عنها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة