إيران
اهتمّت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم السبت 31 تشرين أول 2026 بتحليل الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة بسبب أزمة الديزل والطاقة في العالم وبالخصوص مع اشتداد فصل الشتاء وزيادة الطلب عليهما، وهو ما أنذرت بعواقبه التحليلات المتعددة.
ويترافق هذا الأمر على أعتاب الانتخابات الأميركية وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المربكة تجاه الحرب على إيران وما تخفي وراءه من تبريرات وتراجع.
العالم يمرّ بأزمة ديزل
البداية مع صحيفة "وطن أمروز" التي كتبت: "تعرض سوق الطاقة لسلسلة من الصدمات في الأشهر الأخيرة، تمثلت في انتشار حالة عدم الاستقرار في الممرات المائية الحيوية للخليج والبحر الأحمر، وتعطل العديد من المصافي الرئيسية في غرب آسيا، وسلسلة من هجمات الطائرات المسيرة على منشآت النفط الروسية، وتزامن هذه الاضطرابات مع حلول فصل الشتاء الذي لا تملك مرافق التخزين حول العالم القدرة الكافية لمواجهته. ووفقًا لتقرير حديث صادر عن وكالة الطاقة الدولية، تجاوز سعر برميل الديزل بالجملة 200 دولار أمريكي في عدد من الأسواق الرئيسية الشهر الماضي، ووصل إلى حوالي 220 دولارًا أمريكيًا في الموانئ الأوروبية وسواحل الولايات المتحدة.
ورغم انخفاض الأسعار قليلًا منذ ذلك الحين عن تلك الذروة المرعبة، إلا أن مؤشرات النقص لا تزال قائمة، ولا يبدو الهدوء المؤقت في السوق حلًا دائمًا للأزمة.
السؤال الرئيسي المطروح حاليًا في الأسواق العالمية، بحسب الصحيفة، هو: ما هي كمية النفط التي يمكن أن تصل إلى المصافي الفعالة في الوقت المحدد وبأمان ودون عوائق؟ وما هي كمية الديزل عالي الجودة التي يمكن استخراجها؟ وهل توجد سفينة موثوقة وطريق آمن لنقلها إلى وجهات الاستهلاك؟ إن مدى إمكانية فتح هذه المنافذ الثلاثة يوضح بجلاء لماذا لن تكون هذه الصدمة الاقتصادية مشكلة مؤقتة، وسيظل تأثيرها الثقيل يخيم على السوق حتى منتصف العام الشمسي المقبل على الأقل.
أضافت "قبل اندلاع النزاعات العسكرية، كان مضيق هرمز ممرًا يوميًا لما يقرب من 20 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة؛ وهو ممر مائي كان ينقل وحده حوالي ربع إجمالي تجارة النفط البحرية العالمية. وقد تسبب إغلاق هذا الممر الحيوي في اضطراب واسع النطاق في خطوط الشحن، وهو اضطراب لا يمكن تداركه بإضافة عدد قليل من سفن الدورية أو زيادة سرعة حركة الملاحة. ورغم أن استخدام خطوط أنابيب الطوارئ وتغيير أساليب التحميل عن طريق نقل البضائع بين السفن في عرض البحر قد أتاح إمكانية إيصال كمية صغيرة من النفط الخام إلى السوق، إلا أن نقل المنتجات النهائية، بما في ذلك الديزل، غير ممكن بهذه الأساليب المتسرعة".
وأشارت الصحيفة الى أن إحصاءات وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن صادرات النفط الخام من المنتجين في الخليج العربي بلغت حوالي 13.9 مليون برميل يوميًا الشهر الماضي. يُعادل هذا الرقم أكثر من ثلاثة أرباع طاقة التصدير في المنطقة قبل بدء التوترات. هذا الشهر، استقر إجمالي تدفق النفط عبر مضيق هرمز عند 10.9 مليون برميل، كما نقلت الطرق البديلة حول المضيق 5.6 مليون برميل يوميًا. ورغم أن هذه الإحصاءات تُشير إلى جهود لاحتواء الأضرار وتعافي نسبي، إلا أنها لا تُعتبر عودة إلى الوضع الطبيعي. ولهذا السبب، فإن التصريحات التي تُنشر أحيانًا في وسائل الإعلام حول "الانتعاش الكامل لصادرات النفط" تُقدم صورة مُبسطة، لأنه بدون التمييز بين مسار النقل وطبيعة الشحنات، تختفي الحقيقة تحت وطأة الأرقام.
تكمن الثغرة الرئيسية في الأزمة، وفق الصحيفة، في قطاع المنتجات المكررة. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، كان الشرق الأوسط يُصدّر ما يقارب 4.7 مليون برميل من مختلف المنتجات البترولية يوميًا إلى أقصى بقاع الأرض قبل الحرب، بينما انخفض هذا الرقم إلى 1.9 مليون برميل يوميًا في الشهر الماضي. كما انخفضت صادرات الغاز الطبيعي المسال من 1.5 مليون برميل إلى حوالي 670 ألف برميل. يُعدّ النفط الخام سائلًا متجانسًا يُمكن نقله إلى وجهاته في ناقلات ضخمة وعبر طرق ملتوية، بينما يُعدّ الديزل وقودًا مُكرّرًا يجب إنتاجه في مصفاة مُتقنة، وتخزينه في خزانات منفصلة ونظيفة، ونقله بواسطة ناقلات المنتجات. وقد حالت المخاوف الأمنية الشديدة، والارتفاع الهائل في تكلفة تأمين السفن، ونقص ناقلات المنتجات المُخصصة، دون إعادة تشغيل خط إمداد النفط الخام، مما حال دون انتعاش سوق الديزل.
وتشير التقديرات، طبقًا للصحيفة، إلى أن إمدادات الديزل العالمية لا تزال أقل بنحو 700 ألف برميل يوميًا مقارنةً بالشهر الماضي من العام الماضي. وبينما قد تبدو هذه الفجوة ضئيلة مقارنةً بالاستهلاك العالمي اليومي من النفط البالغ 100 مليون برميل، إلا أنه في سوق تعاني من نقص في سعة التخزين، ولا يوجد فيها بديل فوري للديزل في قطاعي النقل والصناعات الثقيلة، فإن حتى هذا العجز الطفيف يُعد بمثابة شرارة تُشعل فتيل ارتفاع الأسعار.
كما لفتت الى أن اعتقادًا شائعًا يسود بين الناس بأنه كلما زاد استخراج النفط الخام أو انخفض سعر البرميل في الأسواق المالية، انخفضت أسعار جميع أنواع الوقود فورًا. يتجاهل هذا الرأي طبيعة الصناعات التحويلية. فمصفاة النفط ليست كالمطحنة التقليدية التي تحوّل أي نوع من الحبوب إلى دقيق متجانس بآلية واحدة. تُصمّم كل وحدة تكرير بناءً على المواصفات الفنية، ومحتوى الكبريت، وكثافة نوع معين من النفط الخام، ويختلف مزيج منتجاتها بين البنزين ووقود الطائرات والديزل. يؤدي نقص النفط الخام بما لا يتناسب مع خط الإنتاج، أو تلف المحفزات وأبراج التقطير لإزالة الكبريت، إلى استحالة هذه العملية.
وأردفت "كم العوامل التي تُسرّع من تفاقم الأزمة هو دخول نصف الكرة الشمالي فصل الشتاء. في الأشهر المقبلة، يجب استهلاك كميات هائلة من الديزل لأنظمة التدفئة المنزلية والصناعية، وهو طلب قوي وثابت لا يمكن تجاهله. هذا العام، وخلافًا للممارسة التقليدية المتمثلة في قيام الحكومات بتخزين احتياطياتها لفصل الشتاء في الصيف، تم إفراغ المستودعات باستمرار. وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، انخفضت مخزونات الديزل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى 565 مليون برميل الصيف الماضي، أي أقل بنسبة 5% مما كانت عليه قبل تفشي الجائحة. في الوقت نفسه، انخفض إجمالي مخزونات النفط والمنتجات النفطية العالمية بمقدار 509 ملايين برميل مقارنة بنهاية مارس/آذار الماضي، وهو انخفاض كبير أضعف بشدة قدرة العالم على مواجهة موجات البرد المفاجئة".
تتجلّى مخاوف القادة الغربيين إزاء تفاقم الوضع في الاجتماعات الطارئة لوكالة الطاقة الدولية. فقد أعلن مجلس إدارة الوكالة أن الدول الأعضاء طرحت 330 مليون برميل من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية في السوق بحلول منتصف الشهر المقبل، وأنها تستعد لطرح 100 مليون برميل أخرى، جزء منها لتسريع توريد ما لا يقل عن 20 مليون برميل من الديزل. تُشبه هذه الاحتياطيات الاستراتيجية استعارة من المستقبل؛ فهي بمثابة إغاثة مؤقتة للسيطرة على الصدمات الآنية التي يجب تعويضها في نهاية المطاف بشراء نفط ومشتقات جديدة. كل برميل يُسحب من المخازن الجوفية اليوم يزيد من عبء الطلب في الأشهر المقبلة، نتيجةً لتأجيل عمليات الصيانة.
ستواجه مصافي النفط تحديًا هائلًا آخر بعد انقضاء فصل الشتاء: عمليات الصيانة الدورية. ففي الأشهر الأخيرة، عملت العديد من المصافي العاملة بكفاءة عالية بكامل طاقتها الإنتاجية لسدّ فجوة السوق، مؤجلةً بذلك عمليات الإغلاق الدورية للفحص الفني. قد يُسهم التشغيل المستمر للغلايات وخطوط الأنابيب في الحفاظ على تدفق الإنتاج الحالي، إلا أن للمعادن عمرًا افتراضيًا محدودًا في مواجهة درجات الحرارة العالية والتآكل الكيميائي. إن تجاهل الصيانة الوقائية يُضاعف خطر وقوع حوادث كارثية وانفجارات غير متوقعة خلال فترات ذروة الطلب.
ترامب: أنا لم أبدأ الحرب
بدورها، كتبت صحيفة "كيهان": "في حين أن الحرب على إيران قد أحدثت اضطرابًا كبيرًا في الولايات المتحدة وأوروبا، وتصاعدت الهجمات على القادة السياسيين الغربيين، بمن فيهم ترامب وإيمانويل ماكرون، بشكل حاد نتيجة لعواقبها الوخيمة، ادعى ترامب، في تراجع واضح، أنه لم يبدأ هذه الحرب وأن سبب التضخم هو الحرب في أوكرانيا. في المقابل، أعلن ماكرون وحزب ميرتس أن سبب هذا الوضع الحرج هو التحريض على الحرب ضد إيران".
وفق الصحيفة، يوم الثلاثاء 3 نوفمبر/تشرين الثاني، ستُجرى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، وقد أصبحت هزيمة ترامب في الحرب ضد إيران إحدى القضايا الرئيسية والمؤثرة في هذه الانتخابات. وقد أدى ارتفاع أسعار البنزين والديزل والمواد الغذائية، وتفاقم الضغوط الاقتصادية على الأسر الأمريكية، إلى زيادة كبيرة في السخط الشعبي تجاه الحرب والجمهوريين، بل وأجبر بعض الجمهوريين على النأي بأنفسهم عن ترامب. كما تُظهر استطلاعات الرأي أن أكثر من 70% من سكان الولايات المتحدة يُحمّلون ترامب مسؤولية بدء الحرب ضد إيران، الأمر الذي تسبب في ارتفاع حاد في تكاليف المعيشة. أثارت هزيمة الولايات المتحدة في الحرب وتأثيرها على الوضع الداخلي في البلاد، والفوضى التي عمت البلاد عشية الانتخابات، رعبًا شديدًا لدى ترامب، ما دفعه في الأيام الأخيرة إلى تغيير مواقفه السابقة، مدعيًا أن إيران هي من بدأت الحرب ضد الولايات المتحدة، وليس الولايات المتحدة! وكان قد زعم سابقًا أن الحرب لن يكون لها تأثير كبير على الوضع في الولايات المتحدة، وأن أسعار الوقود ستنخفض بشكل حاد فور انتهاء الحرب وانتصار الولايات المتحدة. إلا أنه مع ارتفاع أسعار النفط العالمية وفشل جميع خطط وبرامج ترامب لخفض الأسعار، يسعى الآن إلى تصوير نفسه كـ"ضحية" وإلقاء اللوم على إيران في بدء الحرب، وهو ما يُعد في الواقع اعترافًا بالهزيمة أمام إيران. وفي تصريحاته الأخيرة، قال الرئيس الأمريكي المجرم: "لا يمكن لإيران أن تمتلك أسلحة نووية، وهذه الحرب ستنتهي بأي طريقة ممكنة. أنا لم أبدأ الحرب مع إيران؛ إيران عدوانية منذ سنوات، وقد قتلت عددًا كبيرًا من الأمريكيين... ستنتهي الحرب في إيران قريبًا، وسينخفض سعر البنزين أيضًا".
شركاء إيران المستقبليون
أما صحيفة "رسالت" فكتبت: "ردًا على الرسائل التي أرسلها مجموعة من الطلاب في البلاد إلى القائد الأعلى للثورة الإسلامية خلال الأشهر الماضية، اعتبر آية الله السيد مجتبى الخامنئي تصميمهم وشعورهم بالمسؤولية تجاه بناء المستقبل بمثابة الرابط المشترك بين القيادة والشباب، وشدد على ضرورة التسلح بأسلحة العلم والإيمان، وتزكية النفس، ومضاعفة الجهود لتعزيز قوة إيران وقدرتها".
كذلك ذكرت أنه "في هذا الرد الموجز، تتجلى عدة جوانب مهمة من رؤية القائد للعلاقة بين القيادة والشعب، والمسؤولية الاجتماعية، ومسار بناء مستقبل إيران. ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن هو العبارة التي تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تحمل معنى عميقًا: "لقد وضعتم حقًا على عاتقي". ففي رده على رسائل كتبها مجموعة من الطلاب يعبرون فيها عن حبهم ودعمهم، يتحدث قائد البلاد عن حق وضعوه عليه. تُصوّر هذه العبارة العلاقة بين الحب والمسؤولية من زاوية مختلفة. ففي هذا المنطق، لا يُعدّ تعبير الشعب عن اهتمامه مجرد مكسب لمن في السلطة، بل يضع أيضًا واجبًا على عاتقه. فالشخص الذي يُغمر بالحب يرى نفسه مدينًا".
ورأت أن "ثمة نقطة أخرى بالغة الأهمية، وهي العبارة التي يُمكن اعتبارها جوهر هذه الرسالة: "خيط التزامنا المتبادل". هنا، لا يتحدث قائد الثورة عن علاقة من طرف واحد، بل عن وعد مشترك بينه وبين الشباب. هذه العبارة، بغض النظر عن اختلاف المناصب والمسؤوليات، تُؤكد على هدف مشترك ومسؤولية واحدة. القائد والطالب في هذه الصورة هما وجهان لعملة واحدة؛ التزامٌ يهدف إلى بناء مستقبل إيران. تُقدّم هذه اللغة الشباب ليس فقط كمتلقين للرسائل الرسمية، ولا كمجرد متلقين للنصائح، ولا حتى كرأس مال بشري للبلاد، بل كأطراف في ميثاق تاريخي. يجب أن يعتبروا أنفسهم أصحاب حقوق ومسؤوليات تجاه المستقبل".
كما أن لكلمة "التزام مشترك" دلالة عميقة في اختيار الكلمات الأخرى في الرسالة. هذا الميثاق ليس اتفاقًا مؤقتًا أو صداقة عابرة، بل هو متجذر في مدرسة الإسلام المحمدي الخالص وإرث الإمام الخميني وآية الله الخامنئي الشهيد. بمعنى آخر، تتضمن هذه الصلة بُعدًا عقائديًا، وبُعدًا تاريخيًا، وأفقًا حضاريًا. فالماضي هنا ليس مجرد مسألة تذكير وتخليد، بل هو إرثٌ يجب تحويله إلى مسؤولية اليوم ومخطط الغد. لذا، يُعرَّف بناء المستقبل على مسار تاريخي، لا كحركة منفصلة عن هوية المجتمع وتجاربه الماضية، على ما جاء في الصحيفة.
لكن جزءًا هامًا من الرسالة يتعلق بصورة الشاب الذي سيبني المستقبل. فقائد الثورة لا يُركز فقط على العلم والخبرة في بناء إيران، بل تتضمن رسالته نظامًا تعليميًا ومعرفيًا متكاملًا: العلم، والإيمان، وتهذيب النفس، والتقرب إلى الله، والإلمام العميق بتعاليم القرآن الكريم وأهل البيت. ولا ينبغي اختزال هذا الترتيب إلى مجموعة من التوصيات المنفصلة، فنحن نتحدث عن شخصٍ قادر على فهم المشكلات وحلها، مدعومٍ بالإيمان، حريصٍ على سلوكه وشخصيته، ويدرك العالم من منظور أعمق وأشمل. من هذا المنظور، لا تكفي الخبرة وحدها لبناء المستقبل. فالمجتمع بحاجة إلى علماء ومتخصصين، لكن المعرفة الخالية من التوجيه الأخلاقي والمسؤولية قد تنفصل عن غايتها الإنسانية. كذلك الإيمان، دون معرفة عميقة وتهذيب للذات، قد يقتصر على مجموعة من المشاعر والعادات. في هذا النظام، يُفترض أن تُعمّق معرفة الله والقرآن وأهل البيت إيمان الفرد وتُرسّخ صلة بين معرفته ورغباته وسلوكه. لذا، فإن ما يُرسم لمستقبل الوطن ليس مجرد قوة كفؤة وماهرة، بل هو إنسان تتكامل فيه القدرة والإيمان والأخلاق والبصيرة، بحسب الصحيفة.
وتتابع "تتجاوز هذه النقطة مفهوم الالتزام التقليدي. فالالتزام لا يقتصر على مجرد الولاء اللفظي لمبدأ أو إعلان الدعم لحركة ما. بل له أبعاد ومستويات محددة: يجب أن يتجلى في التعلم والفهم، وفي رعاية الذات وتقويم السلوك، وفي العلاقة مع الله، وفي المسؤولية الاجتماعية. لهذا السبب، لا يطلب قائد الثورة من الشباب الاكتفاء بالدافع والشعور بالمسؤولية، بل يدعوهم إلى تجهيز أنفسهم لتحمل مسؤولية عظيمة. الدافع هو نقطة البداية، ولكن بدون المعرفة والفهم والتطوير الذاتي، لا يمكن تحقيق نتيجة تضاهي ذلك المبدأ. كما تتضح الصلة بين هذا النظام التعليمي والسلطة الوطنية: "عززوا قوة إيران الحبيبة واقتدارها بالعمل المضاعف والمبادرة". تُظهر هذه العبارة أن المسار المنشود من التطوير الذاتي لا ينتهي بالخمول أو الانعزال. يجب أن يقود الإيمان وتنمية الذات إلى عمل وجهد فعالين في المجال العام، إلى جانب المعرفة والمبادرة. من هذا المنظور، لا تُعدّ سلطة الدولة نتاجًا للمعدات والمنشآت المادية أو القرارات السياسية الكبرى فحسب، بل تعتمد على جودة الكوادر البشرية في الجامعات والصناعة والاقتصاد والثقافة والعلوم وغيرها من مجالات الحياة الاجتماعية. فالمستقبل المشرق يتطلب أفرادًا أكفاء ومسؤولين، وتدريب هؤلاء الأفراد جزء لا يتجزأ من عملية بناء السلطة.
كما أفادت "لا يقتصر أفق هذا التحالف على تجاوز وضع صعب أو حلّ بعض المشكلات الراهنة، بل إنّ الغاية المرجوة، كما ورد في ختام الرسالة، هي "ذروة التقدم والحضارة الإسلامية الإيرانية". إنّ اختيار كلمة "الحضارة" يُوسّع نطاق هذا المطلب. فالتقدم هنا لا يقتصر على زيادة المؤشرات الاقتصادية أو تحقيق تقنيات متقدمة، بل يتعداه إلى بناء نموذج للحياة الجماعية يجمع بين المعرفة والروحانية والأخلاق والاستقلال والقدرة على إدارة المجتمع".
وتختم "يمكن اعتبار رسالة قائد الثورة للطلاب دعوةً لتجاوز دور المتفرجين: فالمستقبل ليس شيئًا ننتظره فحسب، ولا هو سلعة يُعدّها لنا الآخرون. بل يُبنى المستقبل على يد جيلٍ يعتبر نفسه مسؤولًا أمام التاريخ، ويتعلم كيف يؤدي هذه المسؤولية، ويهتم بتنشئته الذاتية، ويتسم بالإبداع والاجتهاد في العمل. في هذا السياق، لا يُعدّ الشاب الإيراني مجرد وريثٍ للماضي، بل هو أمينه وباني المستقبل. و"العهد" هو أيضًا اسم هذه المسؤولية المشتركة؛ عهدٌ يربط بين الحب والواجب، والإيمان والعمل، والتنمية الذاتية وبناء المجتمع، والتراث التاريخي، وأفق الحضارة".