خاص العهد
في ظل تصاعد المواجهة والتطورات السياسية والعسكرية المرتبطة بإيران، تتجه الأنظار إلى طبيعة التحولات التي تشهدها العقيدة العسكرية الإيرانية، وما تحمله مواقف القائد الأعلى للقوات المسلّحة الإيرانية آية الله السيد مجتبى الخامنئي من رسائل تتجاوز الإطار الداخلي إلى رسم معادلات المرحلة المقبلة. فبين التأكيد على الجهوزية العسكرية، وتوسيع دائرة الأهداف المحتملة من دون أي قيود جغرافية، والتمسك بمفهوم "وحدة الساحات" باعتباره "متغير حاسم ذي تأثير استراتيجي في رسم ملامح النظام السياسي والأمني الجديد في غربي آسيا"، تبدو طهران، وفق قراءة المختص في الشأن الإيراني الدكتور حكم أمهز، بصدد تثبيت معادلة جديدة تقوم على الاستعداد لمختلف الاحتمالات بشكل يصدم الأعداء، بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا وفق شروطها.
وفي حديث لموقع "العهد" الإخباري السبت 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، اعتبر أمهز أن مواقف السيد مجتبى الخامنئي ولقاءاته الأخيرة مع القيادات العسكرية والأمنية الإيرانية تحمل دلالات سياسية وعسكرية واضحة، وتعكس حضورًا مباشرًا في إدارة شؤون البلاد، إلى جانب رسائل تؤكد أن إيران لم تتخلَّ عن قدراتها أو خياراتها، وأنها مستعدة للتعامل مع أي تطور في مسار المواجهة، سواء اتخذ طابعًا عسكريًا أو تفاوضيًا.
من العقيدة الدفاعية إلى الهجومية.. رسائل الجهوزية العسكرية
اعتبر الدكتور حكم أمهز أن قائد الثورة الإسلامية في إيران السيد مجتبى الخامنئي عبّر بشكل واضح وصريح عن تحول في القواعد العسكرية الإيرانية، من العقيدة الدفاعية إلى العقيدة الهجومية، مشيرًا إلى أن اجتماعه مع قادة القوات المسلحة الإيرانية يثبت حضوره المباشر والفعلي في إدارة شؤون البلاد.
وأوضح أن لقاء السيد القائد مع قادة القوات المسلحة، بعد اجتماعه مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اللواء محسن رضائي، يحمل دلالات عسكرية وسياسية، ويؤكد متابعة القيادة الإيرانية المباشرة للملفات المرتبطة بالأمن والدفاع.
وفي هذا الإطار، لفت أمهز إلى أن إيران عملت على معالجة نقاط الضعف التي ظهرت خلال المواجهة، وتمكنت من تطوير قدراتها العسكرية واختبار أسلحة جديدة، من بينها أسلحة كُشف عنها أخيرًا، تستهدف القطع والمنصات المتحركة، بما يعكس تطورًا في طبيعة القدرات العسكرية الإيرانية والاستعداد لمواجهة أنماط مختلفة من التهديدات.
وأشار إلى أن قائد الثورة يعمل وفقًا للقاعدة التي أرساها الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي، والقائمة على "أن تتفاوض ويدك على الزناد"، معتبرًا أن هذه المعادلة تعكس جهوزية إيران للتعامل مع جميع الاحتمالات، من دون التخلي عن المسار الدبلوماسي أو التفريط بعناصر القوة العسكرية.
توسيع الجغرافيا العسكرية.. قواعد أميركية وأهداف جديدة على الطاولة
وفي قراءته للرسائل المتعلقة بالجغرافيا العسكرية، رأى أمهز أن السيد مجتبى الخامنئي يؤكد التهديدات التي سبق أن أطلقها القادة العسكريون الإيرانيون بشأن عدم حصر المواجهة ضمن خطوط حمراء أو جغرافيا محددة، مشيرًا إلى أن إيران استحدثت، وفق تقديره، قائمة جديدة من الأهداف المحتملة في حال اتساع المواجهة.
وأوضح أن هذه الأهداف قد لا تقتصر على القواعد الأميركية الموجودة في المنطقة، بل يمكن أن تشمل قواعد أميركية في أوروبا، فضلًا عن كابلات الإنترنت في المنطقة، ومراكز الصناعات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن المعادلة الإيرانية قد تمتد أيضًا إلى المنشآت النفطية في المنطقة، في حال قرّرت الولايات المتحدة استهداف المنشآت النفطية الإيرانية، إذ ستصبح المنشآت النفطية الأخرى، أهدافًا مشروعة في إطار الرد الإيراني، بحسب تقديره.
ولفت إلى أن تغيير الجغرافيا العسكرية لا يعني بالضرورة الانتقال إلى مناطق أبعد فحسب، بل يشمل أيضًا توسيع في طبيعة الأهداف ضمن الجغرافيا القائمة، موضحًا أنه بحال قرر الأميركي خوض عملية برية سيؤدي ذلك إلى إدخال أهداف جديدة على قائمة الاستهداف، وفي مقدمتها التحشيدات العسكرية الأميركية الموجودة في المنطقة.
كما أشار إلى احتمال أن تشمل الجغرافيا العسكرية باب المندب، في سياق ما يرتبط بمفهوم وحدة الساحات، معتبرًا أن هذا المفهوم يفرض قراءة أوسع لطبيعة المواجهة ومسارها، بحيث لا تبقى محصورة ضمن ساحة جغرافية واحدة.
وحدة الساحات.. من المعادلة العسكرية إلى النظام الإقليمي
وفي معرض حديثه عن مفهوم وحدة الساحات، اعتبر أمهز أن هذا المفهوم يشكل أحد المحاور الأساسية في رؤية قائد الثورة الإسلامية للمرحلة المقبلة، ولا سيما في ظل الترابط بين الجبهات المختلفة، وما يمكن أن يترتب على اتساع المواجهة من مشاركة حلفاء إيران فيها.
وأوضح أن إيران تسعى "لشرق أوسط نظيف تحكمه الدولة نفسها وليس قوى أجنبية"، مشيرًا إلى أن انتصار إيران، سيجعلها وحلفاءها معنيين بالمساهمة في رسم ملامح هذا النظام الإقليمي.
وأضاف أن طرح وحدة الساحات يحمل إشارة واضحة إلى أن حلفاء إيران معنيون بمسار المواجهة في حال تطورت الأمور، لافتًا إلى أن البند الأول في مذكرة التفاهم في إسلام آباد نصّ على إنهاء الحرب في كافة الجبهات، وهو ما اعتبره أمهز مؤشرًا على حضور هذا المفهوم في الرؤية الإيرانية.
وفي السياق نفسه، أشار أمهز إلى أن السيد مجتبى الخامنئي وجّه رسالة إلى رئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف، أكد فيها أن "لا مفاوضات دون انهاء الحروب في المنطقة وخصوصًا لبنان"، معتبرًا أن ذلك يعكس أولوية وقف الحروب على مختلف الجبهات، وعدم التعامل مع الملف اللبناني باعتباره منفصلًا عن بقية مسارات المواجهة.
الحضارة الإسلامية.. تصحيح الصورة واستعادة النموذج الحقيقي
أما في ما يتعلق بطرح مفهوم الحضارة الإسلامية الذي طرحه السيد مجتبى الخامنئي في لقائه مع قادة القوات المسلحة، فأشار أمهز إلى أن الفترة السابقة شهدت تقديم نماذج مشوهة للإسلام، من خلال تنظيم "داعش" والجماعات التكفيرية وبعض الأنظمة التي رفعت شعار الإسلام من دون أن تعكس القيم والمسؤوليات المرتبطة بهذا النموذج.
وأوضح أن المقصود بطرح الحضارة الإسلامية ليس إنشاء نظام جديد بقدر ما هو العمل على تقديم نموذج حقيقي قائم على العدالة والسيادة ورفع الظلم عن المظلومين، معتبرًا أن "هذا الطرح يمثل مسارًا تصحيحيًا للصورة التي تعرض لها النظام الإسلامي والعالم الإسلامي خلال السنوات الماضية".
وبذلك، يقرأ أمهز هذا التوجه باعتباره محاولة لإعادة الاعتبار إلى مفهوم الحضارة الإسلامية، وربطه بمبادئ العدالة والاستقلال ورفض الهيمنة الخارجية، بدلًا من النماذج التي ساهمت في تشويه صورته.
الرسالة الأميركية والملف النووي.. متغيرات في الخطاب وموقف إيراني ثابت
وفي ما يتعلق بالرسالة التي وجهها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى إيران، أشار أمهز إلى أن اللواء محسن رضائي بحث مضمونها مع السيد مجتبى الخامنئي، كما جرى تناولها على أعلى المستويات الإيرانية.
ولفت إلى أن أهمية تصريح رضائي تكمن في إشارته إلى وجود متغير في الخطاب الأميركي الوارد في الرسالة، معتبرًا أن ذلك قد يشكل مؤشرًا إيجابيًا في مسار الاتصالات.
كما توقف عند تأكيد رضائي أن إيران لم تغيّر عقيدتها النووية، في رد على مطالب فانس المتعلقة بتقديم ضمانات بعدم حيازة سلاح نووي. ورأى أمهز أن هذا الموقف يحمل رسالة إلى واشنطن مفادها أن إيران لا تسعى إلى صناعة أسلحة نووية، وأنها لم تغيّر عقيدتها في هذا المجال.
وفي موازاة ذلك، أشار إلى المقابلة التي أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والتي أكد خلالها شروط إيران لوقف الحرب، معتبرًا أنها "تعطي صورة تكامل في القرار الإيراني بأن إيران لا تريد التنازل عن حقوقها وهي جاهزة في خوض التفاوض بشروطها ومستعدة لخوض الحرب بحال فُرضت".
ورأى أمهز أن هذا الموقف يعكس تكاملًا بين المسارين السياسي والعسكري في القرار الإيراني، بحيث تتمسك طهران بحقوقها وشروطها التفاوضية، بالتوازي مع إبقاء قدراتها العسكرية في حالة جهوزية لمواجهة أي تصعيد.
المفاوضات في قطر.. جدّية في الاتصالات وحذر في التعاطي مع واشنطن
وعلى مستوى المفاوضات، شدّد أمهز على أن "التعاطي مع أميركا يجب أن يكون بحذر"، مشيرًا إلى وجود وفد إيراني في قطر، مع احتمال حضور وفد أميركي لخوض مفاوضات غير مباشرة عبر الرسائل التي ينقلها الوفد القطري.
وأضاف أن "هناك جدية في المفاوضات الجارية في قطر، إلّا أنه لا يمكن حسم النتائج إلى حين الإعلان الرسمي"، مشددًا على ضرورة عدم استباق النتائج أو التعامل مع المؤشرات المتداولة باعتبارها اتفاقًا نهائيًا قبل صدور إعلان رسمي.
الشعب والجيش.. معادلة القوّة التي تحدد نهاية المواجهة
وحول إشارة السيد مجتبى الخامنئي إلى أن القوات المسلحة والشعب الإيراني هم من سيحددون انتهاء الهجمات إذا اندلعت، أكد أمهز أن الشعب الإيراني لا يزال يشارك في التظاهرات المؤيدة للقوات المسلحة الإيرانية، ولم يغادر الساحات، معتبرًا أن هذا الحضور الشعبي يشكل عاملًا أساسيًا في دعم المؤسسة العسكرية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات.
ورأى أن مساندة الشعب الإيراني والقدرات التي تمتلكها القوات المسلحة هما العاملان اللذان سيحددان نهاية الحرب في حال اندلاعها، مشيرًا إلى أن الرسالة الإيرانية إلى الولايات المتحدة واضحة، ومفادها عدم الرهان على تحرك الشارع ضد النظام، أو على إمكانية إخضاع إيران من خلال العمل العسكري.
وبحسب أمهز، فإن طهران تؤكد أن شعبها لا يزال حاضرًا في دعم قواته المسلحة، وأن المؤسسة العسكرية تمتلك الجهوزية اللّازمة للتعامل مع أي تطور، ما يعكس صورة دولة متماسكة بمختلف مكوناتها وأطرافها.
واشنطن بين فشل الخيار العسكري والمناورة الدبلوماسية
وفي ختام قراءته للمشهد، أكد أمهز أن الولايات المتحدة باتت تواجه صعوبة في تحقيق أهدافها من خلال الخيار العسكري، وأنها تتجه إلى استخدام المسار الدبلوماسي في محاولة لإدارة نتائج المواجهة من دون إظهار تراجعها.
وفي هذا السياق، شدد على أن "المعادلات التي فرضتها ايران قويّة جدًا ولا يمكن للأميركي تحمل تداعياتها"، لافتًا إلى أنه "لو استطاع الأميركي إخضاع إيران بالحرب العسكرية لما كان قد أوقف الحرب بعد 40 يومًا".
وخلص أمهز إلى أن "الأميركي وصل إلى أنه قناعة بأنه غير قادر على الوصول لأهدافه بالعمل العسكري وهو يحاول أن يناور بالدبلوماسية دون أن يُظهر هزيمته".