مقالات مختارة
مجتبى الحسيني - صحيفة الأخبار
ادّعى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، قبل أيام، على 13 شخصًا في ملفّ شِحنة المتفجّرات المضبوطة على حاجز ضهر البيدر، بينهم، بحسب ما نقلت وسائل الإعلام، موقوفان وستّةٌ فارّون وخمسة لا يُعرفون إلّا بألقابهم، سندًا للمواد 288 و307 و335 من قانون العقوبات والمواد 24 و72 و76 من قانون الأسلحة، مضيفًا المادة 219 الخاصّة بالتدخّل، أي المساعدة على ارتكاب الجرم، في حقّ أربعة منهم. وأحال الملفّ إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً إصدار مذكّرات توقيف.
أوّل ما يلفت في نصّ الادّعاء ما يقرّ به وما يسكت عنه. فهو ينسب إلى المدّعى عليهم «تعريض لبنان لخطر الاعتداءات»، التي لا تأتي إلّا من جهة واحدة هي العدوّ، سواء كانت الشحنة موجّهة إليه أم كان يُخشى أن تستدرج اعتداءاته. فيما لم يرد فيه أيّ نصّ من نصوص الإرهاب، ولا محاولة قتل، ولا مادة واحدة من مواد التعامل مع العدوّ. ومع أنّه يذكر أنّ الشِّحنة نُقلت «من بعلبك إلى بيروت»، لم ينسب إلى أحد نيّة استهداف أيّ موقع في العاصمة. أمّا عبارة «الاعتداء على أمن الدولة الداخلي»، فلم يُرفق بها أيّ هدف داخلي، واستندت إلى مادّتين لا تقومان إلّا على قرارات الحكومة. وبذلك لم تجد رواية أنّ الشحنة مُعدّة لاغتيالات في الداخل سنداً في ادّعاء النيابة نفسها، وجاء توصيفها أقرب إلى ما أعلنه حزب الله من أنّ الشحنة «موجّهة حصرًا ضدّ جيش الاحتلال»، وإلى الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب التي صارت قانوناً لبنانياً عام 1999، وهي تستثني الكفاح المسلّح ضدّ الاحتلال من تعريف الإرهاب.
غير أنّ المفارقة الأهم في المادة 288 نفسها، أنها تقع في نبذة عنوانها «الجرائم الماسّة بالقانون الدولي»، وتعاقب بالاعتقال المؤقّت، وهو عقوبة جنائية، لـ«من خرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب»، ومن أقدم على أعمال لم تجزها الحكومة «فعرّض لبنان لخطر أعمال عدائية». ولكي تنطبق الفقرة الأولى، لا بدّ أن يكون قرار الحكومة في 2 آذار، الذي حظر نشاط حزب الله العسكري، تدبيراً للمحافظة على الحياد، أي أن يكون لبنان طرفاً محايداً في حرب يخوضها غيره. وهنا تنتقل رواية «حرب الآخرين» من الخطاب السياسي إلى ورقة ادّعاء.
والشحنة التي قالت المقاومة إنّها موجّهة إلى قوّات تحتلّ أرضاً لبنانية لا تدخل في حرب الآخرين، لأنّ الحياد لا يقوم بين دولة محتلة ومن يحتلّ أرضها. فلبنان دخل الحرب بقرار من مجلس النوّاب الذي أقرّ اعتماداتها في جلسة 15 أيار 1948، واتفاقية الهدنة الموقّعة في رأس الناقورة عام 1949 أوقفت القتال وأبقت حالة الحرب قائمة. ثم جاءت وثيقة الوفاق الوطني فتمسّكت بالهدنة نفسها، وجعلت «اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي» واجباً على الدولة. ولا تملك حكومة أن تجعل دولة محايدة وقد وضعها برلمانها في حالة حرب، وألزمها ميثاقها الوطني بالتحرير، وأرضها محتلّة، ونحو تسعة آلاف من أبنائها سقطوا شهداء في السنوات الثلاث الأخيرة. أمّا «خطر الأعمال العدائية» في الفقرة الثانية، فلم يكن ينتظر شحنة كي يقع، لأنّه يقع كلّ يوم.
ولا تصمد المادتان الأُخريان أمام نصّيهما. فالمادة 307 تعاقب من أقدم «دون رضى السلطة» على تأليف فصائل مسلّحة أو تجنيد عناصرها أو تجهيزهم أو «مدّهم بالأسلحة والذخائر». أمّا «الانتماء إلى فصائل مسلّحة»، وهو الوصف الذي اختاره الادّعاء، فلا ذكر له فيها. والشرط الذي تقوم عليه أفعالها كلّها أن تجري من دون موافقة السلطة، وقد عاشت المقاومة عقوداً برضى السلطة نفسها، من استثنائها من حلّ الميليشيات بعد الطائف إلى البيانات الوزارية المتعاقبة. فلا يبقى ما يثبت غياب هذه الموافقة إلّا قرارات حكومية، من قرارَي آب 2025 اللذين اتُّخذا بعد انسحاب وزراء مكوّن مؤسّس، إلى قرار 2 آذار، وليس بينها قانون واحد. وما جرى قبل هذه القرارات لا تجوز الملاحقة بسببه، لأنّ المادة الأولى من قانون العقوبات تمنع معاقبة أحد على فعل لم يكن القانون يجرّمه حين ارتكبه.
ادّعت النيابة العسكرية على 13 شخصاً بنصّ كُتب لحماية حياد لبنان في حروب الآخرين وبنت تهماً جنائية على قرار حكومي غير دستوري لم يُنشر في الجريدة الرسمية
أمّا المادة 335، فتشترط اتفاقاً «بقصد ارتكاب الجنايات على الناس أو الأموال أو النيل من سلطة الدولة أو هيبتها». والنيابة لم تنسب إلى المُدّعى عليهم أيّ هدف داخلي، فلم يبقَ لها طريق إلى «النيل من سلطة الدولة» إلّا مخالفة قرار الحظر. فصار القرار الحكومي هو الذي يصنع الجريمة، من دون قانون، ثم صارت الجريمة دليلاً على هيبته. وتنتهي هذه المادة بإعفاء من العقوبة لمن «باح بأمر الجمعية» وأفضى «بما لديه من معلومات عن سائر المجرمين». وفي ملفّ مقاومة، يعني ذلك مكافأة من يكشف أسماء المقاومين وما يعرفه عنهم، وهي المعلومات نفسها التي طاردها العدوّ بالاغتيال والقصف عقوداً.
وإذا رُتّبت هذه العناصر تسلسلاً، اتّضحت الصورة من دون حاجة إلى اتّهام. فكلّ عنصر تحتاج إليه هذه التهم كي تقوم، من «التدابير» وما «لم تجزه الحكومة» في المادة 288، إلى «رضى السلطة» في المادة 307، إلى «سلطة الدولة» في المادة 335، لا يجد ما يسنده إلّا في قرارات الحكومة، وآخرها قرار 2 آذار الذي لم يُنشر في الجريدة الرسمية. والقرار الحكومي لا يملك أن يجعل فعلاً ما جريمة، لأنّ المادة الثامنة من الدستور لا تجيز تحديد جرم إلّا بقانون. وإذا رُفعت هذه القرارات من الملفّ، لم تبقَ إلّا مخالفات قانون الأسلحة، وهي جنح لا جنايات، لا تتجاوز عقوبتها الحبس ثلاث سنوات.
في المقابل، غابت عن الادّعاء القواعد الأعلى كلّها: حالة الحرب التي قرّرها البرلمان، وحقّ مقاومة الاحتلال الذي يقرّه الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الداخل في الكتلة الدستورية بإحالة الفقرة (ب) من مقدّمة الدستور، والمادة 183 من قانون العقوبات التي تنفي الجرم عن الفعل المُرتكب في ممارسة حقّ، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وهو المرجع العامّ للإجراءات أمام المحاكم كلّها حين تسكت قوانينها الخاصّة، الذي يفتتح مادّته الأولى بأنّ «القضاء سلطة مستقلة تجاه السلطات الأخرى في تحقيق الدعاوى والحكم فيها، لا يحد من استقلالها أي قيد لا ينص عليه الدستور»، ويُلزِم المحاكم في مادّته الثانية بأن «تتقيّد بمبدأ تسلسل القواعد»، ويقدّم المعاهدات الدولية على القانون العادي. والميثاق العربي معاهدة تتقدّم على القانون العادي، وهي فوق ذلك جزء من الكتلة الدستورية، فكيف بقرار حكومي هو دون القانون، ولم يأذن الدستور بأن يُقيَّد به القضاء؟ والنيابة التي تأخذ بقرار حكومي وتُغفل الدستور والمعاهدات والقانون، وكلّها ممّا يُفترض أن تطبّقه، تكون تكون قد نفّذت إرادة الحكومة التي أصدرت القرار، وتركت ما يعلوه في هرم القواعد. وهذه خلاصة يفرضها التسلسل وحده.
ومآلات ذلك أبعد من المُدّعى عليهم الـ 13، إذ يؤسّس لسابقة يصير فيها كلّ فعل ضدّ الاحتلال جناية «تعريض للاعتداءات»، ولا يُغلق الباب أمام إحالة إلى المجلس العدلي، ويضع على طاولة التفاوض وثيقة قضائية لبنانية تجعل اعتداءات العدوّ نتيجة للفعل المقاوم بدل أن تكون جريمة يرتكبها المحتلّ، فيما لا تزال جرائم الاحتلال على أرض لبنان تنتظر من يدّعي فيها بالحماسة نفسها.
المخرج لا يزال في يد القضاء. فأمام قاضي التحقيق أن يعيد وصف الأفعال وفق ما تثبته الوقائع، وأن يستبعد مواد الجنايات لأنّ الأفعال المنسوبة لا تدخل في نصوصها، وأن يطبّق تسلسل القواعد كما يفرضه القانون. أمّا الحكومة، فإن أرادت أن يُحاكَم اللبنانيون بقرارها، فلتعرضه على مجلس النوّاب قانوناً، وليقل المجلس كلمته في الحرب والحياد. وإلى أن يحدث ذلك، يبقى أصدق ما في الملفّ اسم المنصب الذي صدر عنه: مُفوّض الحكومة.