اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي شركة "إسرائيلية" وملايين الأجهزة ماذا تكشف قضية NetNut؟

مقالات

حين تحاكم الدولة شاحنة المقاومة وتصمت عن جرائم الاحتلال: أيُّ عدالة يريدها لبنان؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات

حين تحاكم الدولة شاحنة المقاومة وتصمت عن جرائم الاحتلال: أيُّ عدالة يريدها لبنان؟

105

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

من ضهر البيدر إلى جنوب لبنان... مفارقة الدولة التي تلاحق مقاومين ينقلون ذخائر لمواجهة الاحتلال، فيما يثير اتفاقها مع "إسرائيل" تساؤلات خطيرة حول مصير حق اللبنانيين في العدالة والمحاسبة.

ثمة مفارقة سياسية وقانونية وأخلاقية يصعب على أي لبناني أن يتجاوزها، وهي أن تتحول الدولة اللبنانية إلى طرف شديد الحماسة في ملاحقة مواطنين على خلفية نقل شحنة من المتفجرات تابعة للمقاومة، وأن تذهب الأمور إلى حد المطالبة بإحالة الملف إلى المجلس العدلي، في الوقت الذي لا نرى فيه الحماسة نفسها، ولا الإرادة السياسية ذاتها، في ملاحقة "إسرائيل" على جرائمها المتواصلة بحق لبنان وأهله، وفي الدفاع عن حق اللبنانيين في العودة إلى قراهم ومنازلهم وأرضهم.

وليست هذه المفارقة مجرد سجال بين فريق سياسي وآخر، ولا هي محاولة لتبرير أي مخالفة للقوانين اللبنانية أو تعطيل القضاء. إنها مسألة تتصل بجوهر السيادة، وبمعنى الدولة، وبحق الشعب اللبناني في أن يجد سلطته إلى جانبه عندما يتعرض أرضه وشعبه للاعتداء.

أولًا: عندما تتحدث الأمم المتحدة عن الجنوب، فمن يسمع صوت لبنان؟

في ٢٦ آب ٢٠٢٦، صدر موقف بالغ الأهمية عن لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري، المعروفة اختصارًا بـ(CERD)، في إطار آلية الإنذار المبكر والإجراء العاجل.

لم يكن الموقف مجرد إدانة عامة للعنف أو التعبير عن القلق من تدهور الأوضاع الإنسانية. فقد توقفت اللجنة بصورة خاصة عند تصريحات "إسرائيلية" وصفت سكانًا شيعة في ٢٤ قرية جنوبية بأنهم أعداء، في سياق تبرير تدمير منازلهم بالكامل.

كما أعربت عن قلقها من التهجير الواسع، ومن تدمير المنازل والبنى التحتية المدنية والمؤسسات الصحية والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والأراضي الزراعية ودور العبادة، ودعت إلى وقف أوامر الإخلاء الجماعية، ومنع النقل القسري للسكان، وضمان عودة المهجرين بصورة آمنة وطوعية وكريمة، وتوفير التعويضات المناسبة.

إن أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في الجهة التي أصدرته، بل في طبيعة المسألة التي وضعتها أمام المجتمع الدولي: عندما يصبح الانتماء الطائفي لسكان قرى محددة حاضرًا في الخطاب العسكري "الإسرائيلي"، وعندما يقترن هذا الخطاب بالتدمير الواسع والتهجير ومنع العودة، فإننا لا نكون أمام عمليات عسكرية يمكن فصلها عن آثارها الديموغرافية والاجتماعية والإنسانية.

وهنا تبرز مخاطر "الترانسفير"، أي النقل القسري للسكان من أرضهم، ومخاطر الإبادة المكانية التي تجعل العودة إلى القرى مستحيلة أو شديدة الصعوبة عبر تدمير مقومات الحياة فيها.

 التحذيرات الأممية تشكل أساسًا جديًا للتحقيق والتوثيق والمساءلة، ولا يجوز للبنان أن يتعامل معها باعتبارها مجرد بيانات إعلامية.

إن ما يتعرض له سكان الجنوب، وغالبيتهم من أبناء الطائفة الشيعية، لا يمكن اختزاله في خسائر حرب أو أضرار جانبية. نحن أمام مجتمع يتعرض لاقتلاع واسع من أرضه، وقرى تُمحى معالمها، ومنازل تُسوَّى بالأرض، وأرزاق تُدمَّر، واغتيالات متواصلة، فيما يبقى السؤال الأساسي بلا جواب: متى يصبح للبنان مسار قضائي ودبلوماسي جدي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم؟

ثانيًا: اتفاق الإطار... هل تحولت العدالة إلى ورقة تفاوض؟

في ٢٦ حزيران ٢٠٢٦، وُقِّع اتفاق الإطار بين لبنان و"إسرائيل" برعاية أميركية في واشنطن. وقد أثارت المادة ١٣ منه جدلًا واسعًا، لأنها تنص على اتخاذ تدابير بحسن نية تشمل وقف الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية والقانونية الدولية.

هذه المادة ليست تفصيلًا تقنيًا في اتفاق سياسي. إنها تمس أحد أهم حقوق الدولة اللبنانية، أي حقها في اللجوء إلى المؤسسات والمحاكم والهيئات الدولية لملاحقة "إسرائيل" على الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها بحق لبنان.

وقد حذرت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، إلى جانب منظمة "العفو الدولية" ومنظمات حقوقية أخرى، من أن تفسير هذه المادة على نحو واسع قد يقيد قدرة لبنان على المطالبة بالمحاسبة والتعويض، ويضعف فرص الضحايا في الوصول إلى العدالة.

والأخطر أن هذه المخاوف لا تتعلق بحق الدولة وحدها، بل بحقوق الضحايا وعائلاتهم في معرفة الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر.

والسؤال الذي يُسأل: لماذا يقبل لبنان إدخال حقه في ملاحقة دولة ارتكبت بحقه انتهاكات خطيرة ضمن ترتيبات سياسية تفاوضية، بدلًا من تثبيت هذا الحق وصيانته؟

إن الدولة التي تتفاوض مع "إسرائيل" يجب أن تكون أكثر تمسكًا بحقوق مواطنيها، لا أقل تمسكًا بها. ولا يجوز أن تتحول العدالة إلى ورقة يمكن تعليقها كلما اقتضت حسابات المفاوضات ذلك.

فالمفاوضات، مهما كانت ضروراتها، لا ينبغي أن تكون بديلًا من المحاسبة، ولا أن تمنح المعتدي انطباعًا بأن استمرار الاعتداءات لن يترتب عليه ثمن قانوني أو سياسي.

ثالثًا: ضهر البيدر... سرعة الملاحقة في الداخل وغياب المبادرة في مواجهة الخارج

في المقابل، تتابع الدولة اللبنانية ملف شحنة المتفجرات التي ضُبطت في منطقة ضهر البيدر في  ٥ تشرين الأول ٢٠٢٦، والتي أقر حزب الله بأنها تعود إليه، وقال إنها مخصصة للمقاومة في مواجهة القوات "الإسرائيلية".

وقد تطور الملف قضائيًا، إذ ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية على ١٣ شخصًا، وأحيل الملف إلى قاضي التحقيق العسكري، فيما بقيت مسألة إحالته إلى المجلس العدلي بحاجة إلى قرار من مجلس الوزراء.

ومن الضروري التأكيد أن القضاء هو المرجع المختص لتحديد المسؤوليات والوقائع والنيات، وأن مجرد الادعاء لا يعني ثبوت الإدانة، كما أن من حق المدعى عليهم الحصول على محاكمة عادلة.

لكن السؤال السياسي والاستراتيجي الذي يفرض نفسه يتجاوز تفاصيل الملف القضائي: كيف يمكن أن تتعامل السلطة مع نقل متفجرات باعتباره قضية تستوجب أعلى درجات الملاحقة، فيما لا تتعامل مع استمرار الاحتلال والاغتيالات والتدمير والتهجير باعتبارها قضايا تستوجب المستوى نفسه من التعبئة السياسية والقانونية والدبلوماسية؟
كيف للدولة أن تتخلى عن حق لبنان في محاسبة "إسرائيل" على إجرامها وتلاحق مقاومين يريدون التصدي لهذا الإجرام؟ 

إذا كانت حجة السلطة أن نقل السلاح والمتفجرات خارج المؤسسات الرسمية يشكل خطرًا على أمن الدولة، فإن عليها أن تجيب أيضًا عن الخطر الذي يمثله الاحتلال والإجرام "الإسرائيلي" على أمن الدولة وسيادتها ووحدة أراضيها.

وإذا كانت الدولة تعتبر أن احتكار قرار الحرب والسلم من صلاحياتها الحصرية، فهذا لا يعفيها من مسؤوليتها عن حماية المواطنين والأرض، ولا يمنحها حق التعامل مع نتائج الاعتداءات "الإسرائيلية" باعتبارها أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره.

ثم إن حزب الله أعلن أن المتفجرات المضبوطة كانت مخصصة لمواجهة "إسرائيل". ويمكن للدولة أن تختلف مع هذا الموقف، وأن تخضع الشحنة والجهات المرتبطة بها للتحقيق وفق القانون، لكن لا يجوز لها أن تتجاهل السياق الذي يطرح فيه هذا التبرير: احتلال قائم، واعتداءات متواصلة، واغتيالات، وتدمير للمنازل، وعجز عن ضمان حماية القرى الحدودية.

إن المسألة هنا ليست إعطاء حصانة مطلقة لأي جهة أو تجاوز القانون، بل رفض اختزال مفهوم القانون في ملاحقة طرف لبناني، وإغفال واجب الدولة في مواجهة الطرف الذي يعتدي على سيادتها وأرضها وشعبها.

رابعًا: من يحمي الجنوب عندما تصبح العودة مشروطة؟

إن أخطر ما في المشهد الحالي هو أن التدمير "الإسرائيلي" لا يستهدف الأبنية وحدها، بل يطال الشروط التي تسمح باستمرار الحياة في الجنوب.

فالقرية ليست مجموعة من المنازل يمكن إعادة بنائها متى توافرت الأموال. إنها أرض زراعية، ومدرسة، وكنيسة أو مسجد وبنى تحتية، وذاكرة عائلية، وعلاقات اجتماعية، ومصادر رزق، وتاريخ متراكم من الارتباط بالأرض.

وعندما تُدمَّر هذه العناصر مجتمعة، ويُمنع السكان من العودة أو تصبح العودة محفوفة بالخطر، فإننا أمام تغيير عميق في الواقع السكاني والجغرافي، يتجاوز الأضرار المادية المباشرة.

ومن هنا تكتسب التحذيرات الأممية أهميتها. فالمجتمع الدولي لا يستطيع أن يكتفي بإحصاء القتلى والجرحى والنازحين، بل عليه أن ينظر إلى النتيجة التي تنتج من استمرار التدمير والتهجير ومنع إعادة الإعمار والعودة.

والسؤال الموجه إلى الحكومة اللبنانية ليس فقط ماذا فعلت لمنع الحرب، بل ماذا فعلت لمنع تثبيت نتائج العدوان؟ وما خطتها لاستعادة القرى المحتلة؟ وكيف ستضمن عودة السكان؟ وأين ملف التعويضات؟ وأين التحرك أمام مجلس حقوق الإنسان والمحاكم الدولية وسائر المؤسسات المختصة؟

إن واجب الدولة لا ينتهي عند إصدار بيانات الإدانة أو إرسال وفود التفاوض. السيادة مسؤولية عملية، تبدأ بحماية الأرض وتنتهي بضمان حقوق المواطنين وعدم تركهم لمصيرهم.

خامسًا: لا عدالة انتقائية ولا سيادة على طرف دون آخر

إن أخطر ما يمكن أن يصيب لبنان في هذه المرحلة هو أن تتحوّل العدالة إلى أداة في الصراع الداخلي، بدلًا من أن تكون مرجعية جامعة لجميع اللبنانيين.

لا يمكن بناء دولة قوية عبر تطبيق القانون على فئة وتجميده أمام فئة أخرى، أو عبر التشدد في ملاحقة ملفات داخلية والتساهل في حماية الحقوق الوطنية أمام اعتداء خارجي.

ولا يمكن إقناع اللبنانيين بأن الدولة تستعيد سيادتها فيما لا تستخدم الأدوات القانونية والدبلوماسية المتاحة لمحاسبة الدولة التي تحتل أجزاء من أرضهم وتستمر في الاعتداء عليهم.

إن المطالبة بمحاسبة "إسرائيل" لا تعني رفض القضاء اللبناني، والمطالبة باحترام القانون لا تعني تجاهل حق اللبنانيين في الدفاع عن أرضهم، كما أن الدفاع عن المقاومة لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء أي شخص من المسؤولية عن أفعال يثبت القضاء أنها مخالفة للقانون.

المعادلة التي يحتاج إليها لبنان ليست إلغاء العدالة الداخلية لمصلحة العدالة الخارجية، ولا العكس. إنها تطبيق العدالة على الجميع، وممارسة السيادة في مواجهة كل من يهدد الدولة والمجتمع والأرض.

ومن حق الحكومة أن تطرح مشروع حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، لكن من حق اللبنانيين أيضًا أن يسألوها عن المقابل الوطني والسيادي لهذا المشروع: هل ستضمن انسحاب "إسرائيل"؟ هل ستمنع اغتيال اللبنانيين؟ هل ستؤمن عودة السكان؟ هل ستعيد إعمار القرى؟ وهل ستلاحق المسؤولين عن الجرائم أمام المحاكم الدولية؟

إذا لم تكن هناك إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، فإن حصرية السلاح ستبقى عنوانًا سياسيًا لا يكتمل معناه إلا بوجود دولة قادرة على حماية شعبها وأرضها.

من ضهر البيدر إلى الجنوب... أين تقف الدولة؟

لقد وضعت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري أمام العالم وقائع خطيرة تتعلق باستهداف سكان شيعة في قرى جنوبية، وبالتهجير والتدمير والخطاب الذي يبرر العقاب الجماعي. ووضعت المنظمات الحقوقية الكبرى علامات استفهام جدية حول المادة ١٣ من اتفاق الإطار، وما قد تتركه من أثر على حق الضحايا في الوصول إلى العدالة.

وفي الداخل، تتسارع الإجراءات القضائية في ملف ضهر البيدر، ويُطرح نقل القضية إلى المجلس العدلي، فيما لا يزال لبنان بحاجة إلى سياسة وطنية واضحة لملاحقة "إسرائيل" على جرائمها وتأمين حقوق المتضررين.

وهنا لا بد من طرح السؤال الذي ينبغي أن يسمعه كل مسؤول لبناني:

كيف يمكن لدولة أن تطالب مواطنيها بالاحتكام الكامل إلى سلطتها، فيما لا تستخدم كامل حقوقها لمحاسبة من يعتدي على أرضها ويقتل أبناءها ويدمر قراها؟ وكيف يمكن أن تكون الملاحقة القضائية أولوية عندما يتعلق الأمر بمتفجرات ضُبطت في الداخل، بينما يصبح اللجوء إلى القضاء الدولي موضع تحفظ وتفاوض عندما يتعلق الأمر بجرائم الاحتلال؟

إن الدولة لا تستعيد هيبتها بمجرد ملاحقة من يختلف معها، ولا تثبت سيادتها بمجرد رفع شعار حصرية السلاح. إنها تستعيد هيبتها عندما تحمي مواطنيها، وتصون حقوقهم، وتمنع اقتلاعهم من أرضهم، وتلاحق المعتدي بالوسائل القانونية والسياسية والدبلوماسية والعسكرية التي يجيزها القانون.

أما أن تكون يد الدولة طويلة في الداخل، وقصيرة في مواجهة الاحتلال، فذلك لا يصنع دولة قوية، بل يضعف ثقة المواطنين بها، ويعمِّق الانقسام، ويترك الجنوب أمام مصير مفتوح على مزيد من الاعتداءات.

فالعدالة التي لا تصل إلى المعتدي تبقى عدالة ناقصة، والسيادة التي لا تحمي الأرض والإنسان تبقى سيادة منقوصة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة