مقالات مختارة
ندى أيوب- صحيفة الأخبار
في لبنان، يكفي أن يشتري مسلم منزلاً أو أرضاً في بلدة مسيحية حتى يُستنفَر سياسيون ومرجعيات دينية ومؤسسات إعلامية، مطلقين حملات تستحضر مفردات التغيير الديمغرافي والتهجير وتبدّل هوية المناطق. وفي هذا المناخ، لا يبدو وزير العدل عادل نصّار بعيداً عن المشهد، إذ يتدخّل لمنع بائع من التصرّف بملكيته الخاصة وفقاً لإرادته، فيما يتولى الموتورون طائفياً التشهير بالمشتري والتحريض عليه. ويذهب نصّار أبعد من ذلك، مُكرِّساً مناخ التحريض والتقوقع من خلال تعميم وجّهه إلى الكُتَّاب العدل، اتخذ في ظاهره هدف تحصيل الرسوم البلدية، فيما يحوّل، في جوهره، الملكية الخاصة وحق التملّك والسكن إلى مسائل خاضعة لحسابات التوازنات الطائفية ومخاوف الجماعات، في انتهاك للدستور اللبناني. هذا التعميم سبقته وتبعته تعاميم حول مكافحة تبييض الأموال موجّهة أيضاً إلى الكُتَّاب العدل، زاجّاً بهم في مهام تتجاوز صلاحياتهم وقدراتهم. وهكذا، بين مكافحة تبييض الأموال والمُعاملات العقارية، حوّلهم من ضباط عموميين يتولّون تنظيم العقود إلى جهات استقصاء ومخبرين، وأدوات لتنفيذ قيود لا يجيزها القانون، فيما كرّس البلديات طرفاً في مُعاملات يُفترض أن تُنجز وفقاً للقانون، لا استناداً إلى الهويات الطائفية. وهو مسار أتاح لهيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان، بتوجيه اللوم إلى الكُتَّاب العدل، لأنهم لم يحوّلوا إليها العام الماضي عدداً يرضيها من إخبارات شبهات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، فيما أثنت عليهم مع ارتفاع الإخبارات هذا العام. أمّا الكُتَّاب العدل أنفسهم، فتسود أوساطهم نقمة على نصّار، الذي يتّهمونه بممارسة الترهيب عليهم عبر اللجوء إلى رفع الحصانات فوراً، فيما يدرسون خيارات التحرّك المُتاحة في مواجهة هذه الإجراءات.
أصدر وزير العدل عادل نصّار الخميس الفائت، تعميماً موجّهاً إلى الكُتَّاب العدل، وضعه في إطار الحرص على حسن تطبيق قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (رقم 44/2015). ويطلب التعميم من الكتّاب العدل التقيّد بالموجبات المُلقاة على عاتقهم في هذا المجال، ولا سيما توثيق جميع المعلومات المتعلقة بمعاملات البيع والشراء التي تتجاوز قيمتها عشرة آلاف دولار، بما يشمل أسماء العملاء ومصدر الأموال والمُستندات التي تثبت صحة المعلومات المقدّمة. وفي حال اكتفى الكاتبُ العدل بتصريح صاحب العلاقة، يشترط التعميم أن يبقى ذلك استثناءً تبرّره، في المقام الأول، عدم وجود أي مؤشرات تدعو إلى الشبهة. كما يوجب عليه أن يبيّن خطياً أسباب تعذّر الحصول على المُستندات المطلوبة لإثبات صحة التصريح.
قبول هذا الاستثناء بحسب التعميم، محصور بالحالات العادية، ولا ينسحب على المعاملات التي يصفها بـ«عالية المخاطر والمشبوهة» (تتجاوز 10 آلاف دولار). كذلك، يحذّر من الاكتفاء بالمعرفة الشخصية بين الكاتب العدل والعميل، وأنّه لا يكفي أن يمتنع الكاتب العدل عن إجراء أي معاملة «مشبوهة أو عالية المخاطر»، بل يجب إبلاغ هيئة التحقيق الخاصة عن محاولة تمرير هذه العملية، تحت طائلة تعرّضه للمُحاسبة.
بمعنى أوضح، إذا أراد أحد العملاء إتمام عملية شراء، يتعيّن على الكاتب العدل الاستفسار عن مصدر أمواله. وإذا أفاد العميل، مثلاً، بأنّها مُدّخرات ناتجة من أعمال مارسها، فعلى الكاتب العدل طلب مُستندات تثبت ذلك وإرفاقها بالمعاملة. وبخلاف ذلك، يصبح عرضة للمحاسبة، إذا اكتفى بتصريح صاحب المعاملة، كما كان يحصل سابقاً، من دون الحصول على المستندات اللازمة، ولا سيما في المعاملات التي تتجاوز قيمتها عشرة آلاف دولار.
ويتعرّض الكُتاب العدل لضغوطات مختلفة، أبرزها من هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان. وبحسب ما علمت «الأخبار»، سمع الكُتاب العدل كلاماً من أعضاء في الهيئة مضمونه أنه «من غير المعقول ألّا تتلقى الهيئة من الكُتاب العدل خلال عام 2025 إلا إخباراً واحداً بشبهة تبييض أموال وتمويل الإرهاب». وتضيف المصادر: «عندما ارتفع عدد الإخبارات إلى أربعة منذ بداية عام 2026 ولغاية تاريخه، أثنت الهيئة على عمل الكُتاب العدل وشجّعت على السير قدماً في هذا النهج».
حوّل وزير العدل الكتاب العدل من ضباط عموميين يتولّون تنظيم العقود إلى مخبرين يحققون في تبييض الاموال
إلى ذلك، تفيد المصادر بأنّ الكُتّاب العدل يتلقّون طلبات شبه يومية من قضاة وأجهزة أمنية، بينها المباحث الجنائية ومكافحة الجرائم المالية، لتزويدها بجميع المعاملات التي أجراها أشخاص تحدّد هذه الأجهزة هوياتهم. والمشكلة، بحسب المصادر، ليست في طلب معلومات تتصل بملف محدّد قيد التحقيق، بل في طلب الاطّلاع على مجمل معاملات الشخص، بصرف النظر عن صلتها بالتحقيق. ويرى بعض الكُتّاب العدل أنّ «الأمور وصلت إلى حدّ المساس بمبدأ أساسي في قانون تنظيم مهنتهم، هو سرّية المعاملات».
وبدأ الخلاف بين الكُتّاب العدل ونصّار عام 2025، مع إصدار الأخير التعميمين 1355 و1438، اللذين فرضا موجبات إضافية على المحامين والكُتّاب العدل من خارج ما ينصّ عليه القانون. وشملت هذه الموجبات التثبّت من مصادر الأموال، والتحقّق من وجود السماسرة وأرقامهم الضريبية، وإبلاغ هيئة التحقيق الخاصة عند الاشتباه بوجود أموال غير مشروعة، فضلاً عن منع الأشخاص المُدرجة أسماؤهم على لوائح العقوبات المحلية والدولية من تأسيس شركات، وإلزام الكُتّاب العدل بمراجعة «لائحة الإرهاب المحلية ولائحة الأمم المتحدة».
وبعدما أثار التعميمان انتقادات تُرجمت بطعنين تقدّم بهما محامون وكتّاب عدل، ألغاهما نصّار وأصدر، مطلع عام 2026، تعميماً ثالثاً وصفه بأنّه توضيحي و«يحلّ الإشكالات»، لكنه لم يكن سوى إعادة صياغة للتعميمين المُلغَيَيْن.
ويُعزى امتعاض الكُتّاب العدل إلى أنّ نصّار يحوّلهم من مرجع مختصّ بتوثيق المعاملات إلى ما يشبه سلطة تحقيق أو جهة قضائية، إذ يُطلب منهم تقدير ما إذا كان دخل أي شخص «منطقياً» أو «غير منطقي». ويُضاف إلى ذلك ما يواجهونه من صعوبات تقنية للتحقّق مما إذا كان اسم الشخص مُدرجاً على لائحة العقوبات الوطنية أو على لائحة مجلس الأمن، ما يزيد من تعقيدات تطبيق التعميم عملياً.
بيع العقارات ممنوع للمسلمين!
إن كان ثمّة من يبرّر إقحام وزير العدل عادل نصّار للكتّاب العدل في ملف مكافحة تبييض الأموال، فإن تحرّكه على خلفيات طائفية يتناقض مع دوره كوزير، أو كـ«رجل دولة». ففي 14 تشرين الأول الماضي، أصدر نصّار تعميماً طلب فيه من الكتّاب العدل «عدم إجراء أيّ معاملة أو عقد يتعلق بعقار قبل إبراز صاحب العلاقة صورة عن إيصال تسديد الرسوم البلدية». غير أن الهدف من التعميم لم يكن تحصيل الرسوم البلدية، بل وضع عراقيل أمام معاملات بيع العقارات أو الوعد ببيعها، وتأجيرها أو توكيلها، قبل مرورها بالبلدية. وتزامن صدوره مع حملة تحريض طائفي اندلعت على خلفية إعادة إثارة عمليات شراء رجل أعمال شيعي عقارات في منطقة المتن، منذ أكثر من عشر سنوات.
حملات التهويل التي شاركت فيها مرجعيات روحية وسياسية ووسائل إعلام غذّت مشاعر الانعزال، مستفيدةً من فزّاعة التغيير الديمغرافي، فيما جاء تعميم نصّار ليصبّ في الاتجاه نفسه. فالبلدية التي يتوجّه إليها صاحب العلاقة للحصول على إفادة براءة ذمة قد تسأله عن الغرض منها، وحين تعلم أنّها مطلوبة لإتمام عملية بيع، قد تستفسر عن الهوية الطائفية للشاري، ثم تحاول، تحت تأثير المناخ السائد، عرقلة المعاملة. وحتى إذا حصل صاحب العلاقة على براءة ذمة، فقد ترفقها البلدية بعبارة «غير صالحة لاستخدامها في عمليات بيع»، وفق ما أفاد أكثر من كاتب عدل تواصلت معهم «الأخبار»، علماً أن بعض المجالس البلدية لم تكن بحاجة إلى حملات التحريض على المشترين أو تعاميم نصّار لتغلق «مناطقها» على نفسها، إذ لجأت إلى قرارات تمنع بيع العقارات للمسلمين أو تأجيرها لهم ضمن نطاقاتها البلدية.
وفيما تجنّب عدد لا بأس به من المجالس البلدية الانزلاق إلى سمّ التقوقع، وفي مقدّمها بلدية الحازمية، التي لم تمنع استقبال النازحين وتأجيرهم منازل في ذروة الحرب، رغم تعرّض المنطقة لاستهداف إسرائيلي، بدأ تعميم نصّار يغيّر المشهد، فوفق مصادر «الأخبار»، «جمّدت بلدية الحازمية حالياً عمليات بيع عقارات لأفراد من الطائفة الشيعية». وتشير المعلومات إلى أنّ القرار قد يكون مرحلياً، إذ تفضّل البلدية، بحسب المصادر، تجاوز المرحلة الراهنة، على أن تعود لاحقاً إلى «السماح ببيع العقارات للشيعة، بعد التدقيق في هوياتهم وارتباطاتهم».
وتعود صلاحية إصدار تعميم من هذا النوع إلى وزارة الداخلية والبلديات، باعتباره مرتبطاً بتطبيق المادة الرابعة من قانون تفعيل البلديات الرقم 21/2025، التي ألزمت الدوائر العقارية وجميع الإدارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة بأحكامها. لكنّ المادة لم تذكر الكتّاب العدل، الذين لا ينطبق عليهم وصف الإدارات العامة أو المؤسسات العامة. ولو أراد المشرّع إخضاعهم لأحكامها، لكان نصّ على ذلك صراحة، أسوةً بقوانين أخرى خصّهم فيها بأحكام واضحة. كما أن حقوق الدولة مَصونة، عند تسجيل العقد لا عند إبرامه لدى الكاتب العدل، إذ لا يمكن تسجيل أي عقار في السجلّ العقاري قبل إبراز مُستندات تفيد بتسديد الرسوم البلدية المتوجّبة.
وردّاً على سؤال من وزير المالية، رأت هيئة التشريع والاستشارات في الوزارة في أيار الماضي، أنّه لا يجوز إلزام الكتّاب العدل بالامتناع عن تنظيم عقود البيع قبل إبراز مستند ضريبي. لكنّ نصّار اتخذ موقفاً مغايراً، مخالفاً رأي الهيئة ووزارة المالية، في خطوة تبدو غايتها فرض قيود ذات خلفية طائفية، من خارج صلاحياته كوزير.
ويبرز خلل إضافي في التعميم. فقانون البلديات صدر في تموز 2025، ولم يطلب من الكتّاب العدل تطبيقه، إلى أن صدر تعميم نصّار في 14 تشرين الأول الماضي. وهذا يعني أنّ أفراداً نظّموا عقوداً عقارية لدى الكتّاب العدل على مدى أكثر من عام، من دون إبراز إيصال تسديد الرسوم البلدية، قبل أن تُفرض عليهم شروط جديدة. والنتيجة هي الإخلال بمبدأ المساواة بين أفراد يخضعون للقانون نفسه.
باختصار، يمنع نصّار الناس من ممارسة حقّهم في التعاقد، ما دام العقد لا يتضمّن ما يخالف القانون. وفي العمق، يتذاكى على الدستور، محاولاً الحدّ، قدر المستطاع، من بيع العقارات أو تأجيرها لأشخاص ينتمون إلى طوائف غير طائفة المالكين، فيما ينصّ الدستور بوضوح على أنّ أرض لبنان واحدة لجميع اللبنانيين، ويضمن لكلّ لبناني حقّ الإقامة في أيّ جزء منها.